إن التكليف العبادي بالجهاد في سبيل الله هو أحد الأوامر التي فيها حياة الأمة؛ وإن كان الناس يكرهون القتال مع المشركين: (وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ).
وذكروا وجوهاً لسر هذه الكراهة، منها:
1. إن للحرب تبعات كثيرة كموت الأنفس، وإتلاف الأموال، والآلام والمآسي الكثيرة، واضطراب الأمن والمصاعب، وعشرات المشاكل الأخرى؛ فمن الطبيعي أن تكون ثقيلة على الناس، إذ - بغضّ النظر عن المؤمنين المميزين الذين لا يتردّدون في التضحية بكافة أشكالها لأداء الواجب هناك الكثير الكثير أيضاً ممن يكون إيمانهم ضعيفاً وقلوبهم مريضة مما يجعلهم يفضلون راحة ورفاهية الحياة الدنيوية على الآخرة، ويخافون من القتل.
والدليل على ما نقول هو آيات غزوة بدر[1]، أحد[2]، الخندق[3]، وباقي الحروب وقد كان استخفاف وعدم جدية هذه الجماعة من المؤمنين في أمر الجهاد سببا في أن ينسب الله كراهة القتال اليهم[4].
ثم إن الله سبحانه خطأ طريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ضعيفي الايمان ونبه كافة المؤمنين الى هذا المبدأ العام حول معيار الكراهة والمحبة بقوله: ما أكثر ما تكونون غير راغبين في أحد الاشياء في حين أن خيركم وصلاحهم يكمنان فيه وما أكثر الاشياء التي تحبونها بينما هي لكم شر: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ).
اذن فما دام الله أراد من المسلمين أن يقاتلوا الكافرين فلا بد من أن يكون خيرهم وصلاحهم في ذلك ولا يجوز لهم ترك هذا الامر الالهي أو التهاون فيه وان كان الالم والمشقة أيضا من ملازمات القتال.
2. إن عدم استقبال مسلمي صدر الاسلام للجهاد لم يكن ناتجا من خشيتهم من القتل لأنهم كانوا قبل ذلك مأنوسين بالسيف والحرب واعتادوا على الغزو وإراقة الدماء لذا لم يكن الجهاد في سبيل الله شيئا عجيبا بالنسبة اليهم بل كان كرههم ناتجا من خشيتهم من هزيمة الاسلام والمسلمين لا لأجل المحافظة على حياتهم المادية فقد كانوا في فترة أوائل الهجرة لا يتوفرون على وسائل الحرب المناسبة ولا يمتلكون القوة القتالية والدفاعية الكافية للحرب مع المشركين فكانوا يظنون أن الحرب مع أقوياء مكة ستمهد لانكسار الإسلام والمسلمين، من هنا رأوا أن مصلحة الإسلام تقتضي تأخير الحرب حتى يأتي اليوم الذي يكونون مهيئين فيه لها[5].
وهذا الوجه يمكن أن يكون صحيحاً بصورة عامة، إذ ربما كان هذا هو السبب في كراهة بعض المسلمين للحرب، لكن الله سبحانه ذكر اشتباه هذا الفكر أيضاً، وقال إنّكم قد أخطأتم في التشخيص؛ لأنكم لا ترون من القضية إلا ظاهرها، فتحكمون طبقاً لهذه الرؤية، في حين أننا أكثر علماً منكم بحقيقة الأمر وبجميع جوانب المصلحة، وأننا مع علمنا بقلة عددكم وعدم تكافؤ حربكم مع المشركين، لكننا أمرنا بالقتال لمصلحة الإسلام ونحن نضمن لكم النصر.
وفي أُولى الآيات التي نزلت في المدينة عن الجهاد أيضاً قال إننا حتى الآن لم نصدر أمرنا إليكم بالجهاد، إلا أنكم حيث ظُلمتم الآن فأنتم مجازون بالقتال واعلموا أن النصر حليفكم في هذه الحرب، لأنّ الله معكم وهو القادر على نصركم: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ[6])، وأَنْ الله سيمد النبي والمؤمنين بما يكفيهم وإن كانوا قليلين: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[7])، فكم من فئة قليلة لكنها بالإيمان والصبر انتصرت على الجماعة الكثيرة: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ[8]).
3. لما كان من تبعات الحرب مع المشركين مقتل الكثير من الأفراد، صار المؤمنون الذين تربوا في المدرسة القرآنية لا يرغبون بالحرب نتيجة لتأثير عواطفهم ورأفتهم ومشاعرهم الانسانية[9]، حتى ولا يحرم جماعة من المؤمنين من الحياة الدنيوية والكثير من الكافرين من سعادة الدارين ومن هنا سوف يتساءلون لماذا نقتل هؤلاء بالسيف ولا نتعايش معهم حياة مسالمة وندعوهم الى الايمان بأسلوب رقيق وبالموعظة الحسنة فلربما اهتدوا بذلك وإلا فنحن لسنا خائفين من القتل ومؤمنون بالنصر والوعد الالهي.
وأجاب الله سبحانه عن هذه النوايا الطيبة بقوله انكم يجب ألا تتنفروا من الحرب مع المشركين فأولا نقول من المستحيل أن يكون أحد أرحم بنفسه أو بغيره من الله ومع ذلك فلا مجال للرأفة الزائدة والعطف الاضافي تجاه المشركين إن الرسول الاكرم ﷺ قد دعاهم مرارا الى الاسلام ووعظهم ببلاغه المبين المقترن بخلقه العظيم ﷺ لكن كل ذلك لم يؤثر فيهم فهلاكهم إنما هو بعد بيان حقيقة الامر لهم: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ[10]).
وثانيا نقول إن الموعظة ليس لها اثر في أمثال هؤلاء: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ[11]).
وثالثا نقول ان هؤلاء لا يتوقع منهم أدنى نفع بالنسبة الى الدين كما قال سيدنا نوح عليه السلام عن قومه (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا[12])، لأن التعذيب الالهي وكذا جهاد عباد الله تجاههم إنما يأتي في حالة عدم وصول أي نفع منهم الى المجتمع بل هم في المجتمع الانساني كالعضو الفاسد الذي قد يفسد بقية الاعضاء ولا علاج له سوى القطع والبتر.
ورابعاً نقول إنّكم لو انطلقتم من أحاسيسكم الإنسانية وسعيتم إلى التعايش معهم تعايشاً سلمياً فإنّهم سوف لا يكفّون أذاهم عنكم ولن يتخلّوا عن عدائهم لكم: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً[13])، وسيعملون على تخريب مراكزكم الدينية: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ[14]).
فلولا جهاد المقاتلين المضحين ودفاعهم عن المقدسات وطردهم هؤلاء الأجانب اللجوجين والحاقدين لما أبقوا أثراً لصومعة أو كنيسة أو مسجد، ولعطّلوا كل المراكز العلمية والدينية.
تنبيه: 1. تمت الإشارة إلى وجهين من وجوه تبرير كراهة القتال: أحدهما من ناحية الطبع، والآخر من جهة التاريخ، وهو ما كان قبل نزول حكم الجهاد. كما ذكرت ثلاث جهات لبيان الكراهة: إحداها من ناحية الطبع، والثانية من ناحية الخوف من تضرر الإسلام والثالثة من ناحية الرأفة الإسلامية تجاه غير المسلمين والرغبة في دعوتهم إلى الإسلام بالإرشاد لا بالحرب معهم.
وهنا يجب الالتفات إلى النقاط التالية:
أولاً: لا دليل على حصر الكراهة في الوجوه الثلاثة المذكورة فقط.
ثانياً: لا محذور في استعمال كلمة الكراهة بمعناها الجامع ولا في تطبيقها على جميع الجهات المتعدّدة المذكورة، وإن كان المعنى الواضح لها هو الكراهة من جهة الطبع.
2. إن كره القتال بالمعنى الأول - أي عدم انسجامه مع الطبع إنما يصدق على ضعيفي الإيمان أو المتوسطين فيه، وهؤلاء فقط هم المشمولون بكلمتي (عسى) و(عسيتم) اللتين تستعملان للمفرد الغائب والجمع الحاضر، هكذا كان حالهم ولا يزالون، وإلا فالأوحدي من أهل الإيمان - في الماضي والحاضر - لسان حاله يقول: «القتل في سبيل الله أحلى من العسل»، وهو من تلك الفئة التي إذا لم تتيسر لها عدة الجهاد (تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ[15])، وإذا توفرت لها تلك العدة وذهبت إلى الجهاد ولم يكن نصيبها الشهادة انتابتها أحاسيس الكره وعدم الارتياح.
[1] سورة الانفال الايات 7-14، سورة آل عمران الاية 121
[2] سورة آل عمران الاية 139
[3] سورة الاحزاب الايات 9-22
[4] راجع الميزان في تفسير القرآن ج2 ص164 مواهب الرحمن ج3 ص268
[5] مواهب الرحمن، ج3، ص269.
[7] سورة الأنفال، الآية 64.
[8] سورة البقرة الآية 249.
[9] الميزان في تفسير القرآن ج2 ص 165مواهب الرحمن ج3 ص269
[10] سورة الانفال الاية 42
[13] سورة التوبة، الآية 10 .
[14] سورة الحج، الآية 40 .
[15] سورة المائدة، الآية 83 .