قد تنشأ المحبة والكُره أحياناً من الميول والرغبات، وأحياناً من الفكر.
أما الميول فتتوقف أحياناً على العقل العملي، وأحياناً على الشهوات والميول النفسية. في حين يستند الفكر أحياناً إلى العقل النظري، وأحيانا أخرى على الوهم والخيال.
والمحبة الصادقة هي تلك التي تستند من جهة الميول إلى العقل العملي: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان[1]؛ ومن جهة الفكر إلى العقل النظري – أي عالم. البرهان العقلي - وإلى تقرير الوحي على لسان الإنسان الكامل المعصوم عليه السلام.
والكُره - المقابل للمحبة - يكون على نفس التقسيم هو الآخر.
وكما تقضي آية (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فإن معيار الخير والشر والميل والانزجار هو العقل والنقل - القرآن والسنة - لا طبع الإنسان؛ لأنّ ما في الإنسان ليس الطبيعة فقط، بل أصل الإنسان هي نفسه المتصلة بما وراء الطبيعة؛ ومن هنا كان الواجب قياس المحبة والكراهة بمعايير ما وراء الطبيعة، والتي يكون الكاشف عنها هو العقل والنقل.
ومعنى ذلك أن أمراً كالجهاد إذا كان مذموماً فيجب أن يكون مذموماً بالنسبة إلى النفس، لا بالنسبة إلى الطبع وظاهر أن الخير الدنيوي والأخروي للنفس يكمنان في الجهاد، الذي من ثمراته الدنيويّة عزّة الروح وانتصارها والحصول على الغنائم، وفي الآخرة يكون سبباً في الفلاح والدخول إلى الجنة. أضف إلى ذلك أن ترك الجهاد وحبّ الراحة نتيجتهما الخذلان والخضوع للظلم في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة.
إذن، فالواجب على الإنسان إما أن يتصرف مثل أولياء الله الذين يتطوعون للجهاد، أو على الأقل أن يكون مثل المؤمنين الواقعيين فلا يبدي تقاعسه وتهاونه في هذا الواجب.
وعند بيان الله سبحانه لمسألة حبّ المال أيضاً تحدث عن اشتباه البخلاء بقوله إن كل إنسان بحسب الطبع يحبّ المال لتأمين مصاريف معيشته، لكن المحبة إلى حد البخل لا مبرر لها، فعلى البخلاء ألا يتصوروا أن في البخل خيراً لهم، بل هو شر: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ[2]). فالمال والثروة في الدنيا هما فضل من الله ونعمة، وهو يعطيهما لبعض الأشخاص امتحاناً لهم أحياناً، وتكريماً أحياناً أُخرى. وهنا يظهر الفرق بين الفضل والتفضيل، فهذا العطاء لا يدلّ على التفضيل دائماً، بل ربما كان الفضل الإلهي في بعض الأحيان كالموسى في يد المخمور التي تكون سبباً كي ينسى الإنسان ذكر الحق، فتكون نتيجة نسيانه ذكر الله أن تصير حياته ضنكاً[3]، بل ربما أدت إلى هلاكه. قال الله في الحديث القدسي: «وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك[4]».
وجملة (مِن فَضْلِهِ[5]) من باب (الوصف بحال متعلّق الموصوف)، بمعنى أن المال هو فضل إلهي لا نتيجة تفضيل صاحب المال؛ لأن ما يكون سبباً لفضيلة وتفوّق الإنسان هو فضله الداخلي الراسخ في روحه، لا الفضل الخارجي المعزول عن الروح.
وهكذا في المسائل العائلية أيضاً، حيث بين الله سبحانه خطأ تشخيص بعض الناس، حاثاً إياهم على تحمّل زوجاتهم حتى لو كرهو هن وذلك لحفظ أساس العائلة بقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[6]).
والآيات المذكورة هي مصاديق لأصل كلّيّ مستفاد من الآية التي هي مورد البحث وهو احتياج الإنسان في تشخيص الخير من الشر إلى العقل والنقل المعتبر.
ملاحظة: لما لم تكن الكراهة والمحبّة نقيضين كان إثبات أو نفي أي واحدة منهما لا يستلزم نفي أو إثبات الأخرى؛ بمعنى أن الصفتين المذكورتين منفصلتان عن بعضهما، ومن هنا جاء ذكر كل واحدة منهما مستقلتين عن الأُخرى.
[1] الكافي، ج 1، ص 11؛ بحار الأنوار، ج33، ص 170.
[2] سورة آل عمران الآية 180 .
[4] علل الشرائع، ج 1 - 2، ص 23، بحار الأنوار، ج 5، ص 284.
[5] سورة آل عمران الآية 180 .
[6] سورة النساء، الآية 19.