بعد بيان أن مشاعر الكره أو المحبّة قد تكون خاطئة في بعض الأحيان، وتمهيد الطريق أمام اللجوء إلى منبع الصواب في الانتخاب وهو العلم اللامحدود الأزلي؛ يأتي التصريح بعلم الله المطلق مترافقاً مع سلب العلم عن المخاطبين.
وبهذا الأسلوب المتضمن للتحذير بضرورة سلوك السبيل الصحيح للكره والمحبة، يغدو معلوماً للإنسان أنّ المعرفة بهذه الأصول توفّر له مقومات الرقي إلى مقام الرضا؛ لأن الحكم الإلهي - سواء كان في التكوين أم التشريع مستند إلى العلم القطعي بالصلاح والفساد.
فإذا وصل الإنسان إلى مقام الرضا ورضي بحكم الله فمن المحتم أن الله سيكون راضياً عنه أيضاً: (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ[1]).
ومن هنا قد يكون الشخص - أو المجتمع - حيناً كارها للقتال، فحينئذ إذا نظر إلى حكم الله فسيرضى به.
وقد يكون حيناً آخر راضياً بالقتال وراغباً بالهجوم على العدو، ثم إذا نظر في حكم الله ورأى المنع من الهجوم، بدأ هو الآخر بكراهته أيضاً.
ومعنى ذلك أنه يكون في رضاه وسخطه تابعاً لرضا الله وسخطه.
وفي نهاية الآية التي هي مورد البحث يسد الله سبحانه كل السبل أمام أعذار وتبريرات المؤمنين كاعتذارهم بعدم امتلاكهم للتجهيزات العسكرية أو القدرة العالية للعدو من ناحية التجهيزات والقوّات بما يؤول إلى طلبهم إجازة التأخير في القتال بحجة أولوية التسليح ثمّ الحرب؛ فقال: إن الله عارف بكل ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، ولكنكم بسبب عدم تدبركم وميلكم إلى الطبيعة لم تعلموا ذلك، فأنتم تنظرون إلى ظواهر الأمور وتجهلون حقيقتها. إن الموت والحياة والعزّة والذلة والنصر والهزيمة كلّها أُمور بيد الله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
وهذه الجملة هي التتمة لتخطئة كُره المؤمنين للحرب. لقد ابتدأ الله إرفاقاً بالمؤمنين وتهيئة لأذهانهم بعبارة: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا...) فهيأ الأرضية لتخطئة معيارهم في تشخيص الكراهة والمحبة، ونقلهم من الجهل المركب إلى مقام الشك والجهل البسيط، ثمّ قال لهم إنّ حكم وجوب القتال قد شرعه إله هو العالم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء من الحقيقة مهما صغر: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ[2])، لكنّ علم الإنسان محدود من كل النواحي، ومعلومات الناس في قبال مجهولاتهم كالقطرة في مقابل البحر[3].
كما أن هذه الجملة بيان مصداقي للآية (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ[4])؛ لأن بضاعة الأنبياء لا تقتصر على تلاوة الكتاب والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، بل إنهم يعلمون البشرية شيئاً لم يتمكن الناس مع تقدم العلوم أيضاً أن يتعلموه ولن يتمكنوا. لقد بين الأنبياء للناس عن طريق الوحي مسائل التوحيد والمعاد والعزّة وما شابهها ونبهوهم على ضرورة عدم قبول الذل والاستكانة نتيجة حبّهم للحياة الدنيوية وخوفهم من الموت.
إن الإنسان لا يعرف أنّ الخضوع للأجنبي عار عليه، وإن عزّته الأبدية تكمن في محاربته للكفر؛ سواء انتهت به هذه المحاربة إلى النصر أم إلى الشهادة في سبيل الله.
كما أنه لا يعرف أنه لو أراد نجاة نفسه عن طريق مهادنة أحد الكفار ومحاربة کافر آخر غيره، يكون في الحقيقة قد انتقل من ذلّ إلى ذلّ آخر غيره، وذلك كمن يكون في جهنم ويتقلب في جلسته من جنب إلى جنب ليرتاح، غافلاً: أن هذه الحركة في الدنيا تجلب الراحة لكنّها في أعماق جهنّم لا تعجز عن توفير النجاة والراحة فقط بل إنّها تساهم في تشديد احتراقه وآلامه.
هذا في حين أنه لو اعتمد في تشخيص أصل المعيار والتصرف على العلم والقدرة الإلهية لوجد أنّ عزّته وسعادته تكمنان في قتال الكفار والمشركين والمنافقين، وهكذا تكون جملة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) صحيحة في كل الأزمان، لأنّ القرآن (يجري كما تجري الشمس والقمر[5]) يذكر الإنسان كل يوم أنه وإن وصل إلى أعلى درجات الرقيّ العلمي لكنه نتيجة تو همه استقلاله واستغنائه عن الله - يقع في الخطأ عند تمييز الخير من الشر والنفع من الضرر، والمحبة من الكراهة، والعزّة من الذلة؛ لأنه لا يعلم مصالحه ومفاسده.
فإذا تعلم الإنسان توجيهات الوحي والعقل وطبقها على أرض الواقع، نال عزّة الدنيا والآخرة وسعادتهما.
[1] سورة البينة، الآية 8 .
[2] سورة آل عمران الآية 5 .
[3] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 166 .
[4] سورة البقرة، الآية 151.
[5] بصائر الدرجات، ص 216؛ بحار الأنوار، ج 8 9، ص 94 و 97 .