ذهب واحد من الناس إلى الملك «أولينغ» [حاكم جاو، تولى العرش مدة سبعٍ وعشرين سنة من 325 إلى 278ق.م] وقال له: «(اعلم) أن في اتحاد الدول الثلاث، ضررًا بالغًا ﻟ (تشين)، مثلما أن تفرُّق كلمتهم يعود على تشين بالنفع، ويقوي مركزها، وهو أمر مفهوم وواضح لكل أهل الممالك، ثم إن تشين تستطيع — إذا تقاربت مع دولة يان — أن تغزو جاو، (أو …) أن تتقارب مع جاو فتهجم على يان، ثم يمكن ﻟ «تشين» أن تتحالف مع دولة ليانغ فتهاجم جاو، ثم تتحالف مع هذه الأخيرة لضرب دولة وي؛ وكذلك تقدر تشين أن تصادق دولة تشو ثم تهاجم دولة هان (أو …) أن تتقارب مع هان لضرب تشو. وتلك كلها موضوعات يفهمها الناس في شتَّى الدويلات والممالك بكل سهولة، وإذا كانت الدول الست الواقعة شرقي «هواشان» عاجزة عن عرقلة دولة تشين عن المضي قدمًا في طريق (ضم الدويلات إلى) التحالف الأفقي [التحالف القائم على محور أفقي ويضم الدول المجاورة المتاخمة ﻟ تشين، مقابل الدول الأخرى على الخط الرأسي]، فلأنها ضعيفة التسليح، ضئيلة القوة العسكرية، أضف إلى ذلك تفسخ علاقاتها البينية، وتفكك الروابط بينها، وهو أمر يبرز ذكاء وبراعة دولة تشين (في التخطيط السياسي) مقابل ما يصم الدول الست من غباءٍ شديد، هذه هي النقطة التي تُثير قلقي ومخاوفي بشأن موقف تلك الدول.
قد يقترب النمر من الفريسة، دون أن تشعر بخطورة تربصُّه بها، وقد يرقب النمر فريستَين تتقاتلان معًا حتى تتبدَّد طاقاتهما ويسقطان بعد أن يأخذ منهما التعب مأخذه، فتصيران غنيمةً للنمر الرابض؛ وهو الأمر الذي إذا عرف مغبته أي من المتعاركين، أدرك سوء العاقبة، فأمسك عن العراك، وقد أوشك قادة الدول الست أن يهلكوا جميعًا بعد أن طحنتهم المعارك، وكادت بلادهم تسقط في براثن تشين، فلا أظنهم قد بلغوا من الوعي والذكاء والبصيرة مثلما بلغت الفرائس من الوحش والبهائم، (فنصيبهم من الحكمة أدنى مما لدى الدواب السائمة)، وكل ما أرجوه من جلالتكم النظر في هذه الأمور ومعاينة دقائقها ومراميها.»
«وهناك الآن أمر على درجة بالغة من الخطورة، ألا وهو محاولة دولة تشين شن الهجوم على كل من هان، ووي، هذا بالإضافة إلى تطلُّعها الدائم جهة الشرق وتربصها بعرش آل جو [تنطق كما في «المانجو»] فهي لا تكاد تغفل عما تُدبره في تلك الناحية طرفة عين، ثم إن السبب فيما تقوم به دولة تشين في توجيه دفة الهجوم الآن صوب دولة تشو، في الجنوب، يعود إلى كراهيتها لقيام الوحدة بين الدول الثلاث، (ولنلاحظ) أن تشين قد احتلت مساحاتٍ شاسعة من الأراضي في السنوات الخمس الماضية، وهي الفترة التي أوقفت فيها هجومها ضد دولة تشي وأعفتها من الضرائب المُقررة عليها، بل قد أرسل ملك تشين لحاكم تشو، يقول له: سنرد على زيارتكم الكريمة لنا، بتوطيد أواصر الصداقة والأخوة بين بلدينا، وسنرد عنكم كيد دولتي هان، ووي؛ وذلك بمهاجمتهما، ودك حصونهما، واستعادة أراضيكم المسلوبة من بين براثنها.» مما أوقع في روع ملك تشو أن تشين قد رفعت له لواء الصداقة، وراح يتأمل ذلك وهو غاضب من دولتي وي وهان، لموقفهما المتخاذل منه، وعزم على زيارة البلاط الحاكم في تشين، بينما كانت الأخيرة تُعد العدة لإرسال مبعوثها إلى دولة جاو في محاولة منها لاستخدام خططهما المشتركة التي تهدف لضرب يان، طمعًا لإغواء دولة جاو، بحيث تتفكك عرى الوحدة بين الدول الثلاث.
ولربما ظن الملك محاولات تشين لعقد الصلات الأخوية مع تشو والشروع، من ثَم، في مهاجمة دولة يان هو الأمر الذي يبدو في ظاهره مؤمِّلًا واعدًا بأطيب النتائج، لكنه في الحقيقة، ينطوي على الكثير من أفدح العواقب.
وإذا ما ذهب ملك تشو إلى بلاط تشين، فسوف يقوم التحالف بين بلديهما، ثم يتجهان كلاهما لمهاجمة دولة هان في الشرق، وإذ تتلفت هان حولها، فلا تجد يد العون التي كان يمكن أن تقدمها لها دولة تشو في الجنوب، وتجد جاو قد تخلت عن نصرتها في الشمال، فلن تلبث حتى تهرع إلى أبواب تشين، تعرض عليها التنازل لها عن مزيدٍ من الأراضي فإذا ما صفت أجواء العلاقات بين تشين وهان، وتحوَّلت نُذر الحرب نحو دولة وي، ثم تجد نفسها، هذه الأخيرة في مواجهة تشين التي تعاظمت قوتها بإضافة طاقات كل من دولتي تشو وهان إليها، فلن تقعد حائرةً ملتاعة في انتظار كارثة الدمار الداهمة، بل ستهرول [حرفيًّا: تقفز أسرع من الخيل وتثب أفزع من أرنب مذعور] إلى عتبات تشين تعرض عليها أجزاء من أراضيها مقابل كف العدوان عنها، فإذا تحسنت العلاقات بين وي وتشين وحل الوئام محل العدوان، تبدلت نظرة تشين إلى جاو، فراحت تنظر إليها كأنها «النقطة المحاصرة داخل الدائرة» ثم إن دولة جاو ستجد نفسها، أمام قوة تشين الجبارة، المدعومة بكل من هان، ووي، وتشو، ويان (المشحونة، أساسًا، بالغضب ضد جاو) ستجد نفسها مضطرة إلى التنازل عن الكثير من الأراضي. وإذا وصلت أحوال البلاد هذه الدرجة، (فلا بد من التحرك لعمل شيء) فلهذا جئت اليوم إليكم، وها أنا ذا أقول لكم إنه يجب الإسراع في عمل أشياء كثيرة.»
«ولتنتهز الدول الثلاث فرصة تلكؤ ملك تشو في الذهاب إلى بلاط تشين لتوقع ميثاق الوحدة فيما بينها تدعيمًا للروابط القائمة، ولتُرسل جيشًا كثيفًا لحماية الحدود الغربية لكلٍّ من وي وهان، وهو النبأ الذي إذا بلغ مسامع ملك تشو، فلن يُقدم على زيارة حاكم دولة تشين، التي ستغضب ويَحمَى وطيس ثورتها فتقوم بمهاجمة تشو، وهذا يعني أن تشين ستظل تطارد تشو بتهديداتها العسكرية، مما يعود بالنفع على الدول الثلاث.
أما إذا كان ملك تشو، قد حلَّ ضيفًا على بلاط تشين، بالفعل، فلا أظن أن البلاط الحاكم هناك — وقد بلغته أنباء الوحدة بين الدول الثلاث — سيدع ملك تشو يعود إلى دیاره دون التنازل عن المزيد من أراضيه لتشين، وهو ما يعني كذلك أن سيف التهديد العسكري سيظل يُلاحق تشو، مما ستعود نتيجته بالنفع على الدول الثلاث، فأرجو من جلالتكم سرعة اتخاذ اللازم بشأن وضع الخطط المناسبة في هذا الاتجاه.»
ومن ثم فقد أسرع ملك جاو بإرسال حملة عسكرية نحو الجنوب للدفاع عن مناطقه الحدودية الغربية لكل من وي وهان، فلما عرفت تشين ما حدث من قيام الوحدة بين الدول الثلاث وتوثيق التضامُن بينها، فقد ضغطت على ملك تشو حتى تنازل لها عن مساحات هائلة من الأراضي.