تحدث الملك تشاو — حاكم تشين — إلى [أخيه الشقيق] قون تسيتا، فقال له: «كانت دولة هان، إبان معركة شياوشيا، في العام الماضي تترأس قلب الهجوم، ثم إنها تحالفت مع باقي الدويلات وجاءت لتضرب بلادنا [تشين]، وكانت هناك منطقة مشتركة بيننا على الحدود تبلغ مساحتها (في الجانب الخاص بدولة هان) نحو ألف لي، (ولم يكن ذلك سببًا كافيًا لإقناعها) بالالتزام ببنود التحالف، إذ إنها كانت دائمة التقلُّب والتردُّد.
وتذكُر أنه … لمَّا نشب القتال، في الماضي بيننا وبين دولة تشو، في موقعة «لانتيان»، فقد سارعت دولة هان بإرسال نخبة مختارة من أفضل قواتها العسكرية لمساعدتنا، إلا أن نتيجة المعركة لم تكن في صالح تشين؛ فمن هنا تحولت عنا دولة هان وراحت تعقد تحالفها مع دولة تشو، مما يوضح أنها ليست بالبلد الذي يتمسَّك بوعوده، بل يلهث وراء مصلحته الذاتية دائمًا؛ لذلك فهي تمثل الخطر الدفين على بلادنا، وهو الأمر الذي يدعوني إلى الاستعداد لمنازلتها، فما رأيك في هذا؟» ورد عليه قون تسيتا، قائلًا: «إذا دفعت بقواتك تجاه دولة هان، فهذا كفيل بأن يُثير في قلبها الرعب، فإذا استطعتَ أن تُثير لديها تلك المشاعر حقًّا، فلن تحتاج إلى النزال معها، بل ستتمكَّن — بمنتهى السهولة — من اقتطاع ما تُريده من أراضيها.» فاستصوب الملك تشاو رأيه، وقام بتحريك قواته، فدفع أحد جيوشه للاقتراب من منطقة «شين يانغ» بينما أمر الجيش الآخر بالتقدم نحو إقليم «تايهانغ».
استولى الفزع على دولة هان وأرسلت «يان تشن» [وزيرها الأعظم] إلى دولة تشين، لتقديم الاعتذار اللائق، ومحاولة عقد مصالحة معها، بل عرضت عليها التنازل لها عن أرض شانتانغ، ولم يكتف الملك «هوان هوي» حاكم هان بذلك، بل أرسل أيضًا يان تشنغ إلى «جين هوانغ» محافظ إقليم شانتانغ ليبلغه بما مفاده «إن دولة تشين قد دفعت بجيشين من جيوشها لمهاجمة بلادنا وهو ما يمكن أن يعني إزالة هان من الوجود، وبناءً على ذلك فقد أمرنا، نحن ملك هان، بإرسال حملة عسكرية (إلى ساحة المعارك) [على أن تقوم، من ناحية أخرى وبالتزامن مع تعبئة القوات] بإهداء منطقة شانتانغ إلى دولة تشين، سعيًا للسلم وعقد التصالُح معها، وقد تم إيفاد رسولنا إليكم بهذا الغرض لعمل اللازم [حرفيًّا: لتقوموا — بصفتكم محافظ الإقليم — بإتمام عملية التسليم]، فأجاب جين هوانغ بقوله: «هناك مثلٌ سائر يُردِّده الناس، مفاده … «مهما بلغت سذاجة المرء، فليس له أن يُعِير الناس الأطباق التي يأكل فيها طعامه.» وللملك بالطبع أن يصدر أوامره بتعبئة ودفع القوات، ولكن من حقي أن أمارس سلطتي بوصفي محافظًا للإقليم، أقول هذا ولا أُبالي بما قد يثور في نفسك، أو في نفس جلالته من الشكوك بشأن قراري وموقفي هذا، فقط لي رجاء واحد، وهو أن يتم دفع كامل القوات للتصدي لهجوم تشين، فإذا لم تتمكَّن من الثبات في وجه تلك الهجمة الشرسة، فلن أتوانى عن أن أبذل روحي دفاعًا عن الوطن.»
وقام «يانغ» بإبلاغ جلالته بكل ما دار بينه وبين محافظ الإقليم، فردَّ عليه الملك قائلًا: «كنت قد عقدت اتفاقًا (بشأن هذا الموضوع) مع النبيل «إينخو»، فإذا نكصت عن اتفاقي الآن، فسيُعَد ذلك خيانة وخداعًا له.» وهكذا فقد أوفد الملك، من جهته، المدعو «فينغ تين» ليحل محل «جين هوانغ».
وقام «فينغ تين» على حماية الإقليم مدة ثلاثين يومًا، (إلا أنه راح يراسل ملك جاو سرًّا) وأرسل إليه يقول له: «لم يعُد في مقدور دولة هان الاحتفاظ بإقليم شانتانغ، بل إنها ستضطر إلى التنازل عنه لدولة تشين، غير أن أهالي الإقليم لا يرغبون أن يُصبحوا ذات يومٍ يجدون أنفسهم فيه من رعايا تشين، بل إنهم يتمنَّون أن يصيروا من رعاياكم المُخلصين، ومن الجدير بالذكر أن إقليم شانتانغ، بوصفه واحدًا من الولايات الكبرى، فهو يتكون من سبع عشرة محافظة، وإننا لنرجو أن نهديكم هذه المنطقة، وكلنا أمل في أن تسارع جلالتكم بإصدار قراركم بهذا الشأن، وكاد الملك يطير من شدة سعادته لِما بلغه في تلك الرسالة، واستدعى [أخاه الشقيق] «بين يانغ» وقال له: «بلغني أن دولة هان لم تعُد تستطيع الدفاع عن ولاية شانتانغ، ولذلك فسوف تُهديها إلى دولة تشين، لكن المشكلة تكمُن في أن أهالي الإقليم لا يريدون أن يصبحوا من رعايا هذه الدولة، بل يرغبون في أن يكونوا من رعايانا نحن، وها قد أرسل إليَّ «فينغ تين» مبعوثًا يعرض عليَّ قبول الحصول على الإقليم، فما رأيك؟» فأجابه أخوه جاوباو [لقب آخر للمدعو «بين يانغ»] قائلًا: «قد بلغني أن الحكماء القديسين يعدون «الجائزة التي ترد على المرء بغير سبب مفهوم» إيذانًا بحلول المصائب.» فقال له ملك جاو: «من قال لك إنها جائزة بغير سبب، أما قد علمت أن الناس يرغبون في أن يكونوا رعاياي، امتنانًا وشوقًا نبيلًا (لمن يجدون عنده النعمة السابغة)؟» فأجابه جاوبار بقوله: «إن تشين الآن بصدد الاحتلال التدريجي لأرض دولة هان، ولا بد أنها ستقطع خطوط المواصلات التي تربط بين شانتانغ وباقي أراضي هان، على النحو الذي يعوق وصول العون والإمداد إليها، ولذلك فإن تشين تثِق في أنها ستحصل على الإقليم (إن عاجلًا أو آجلًا) دون أن تحرك ساكنًا (هذا من ناحية، وأما من ناحية أخرى …) فإن السبب الذي يدعو دولة هان لكي تتنازل لك عن إقليم شانتانغ، يكمُن في أنها تسعى بكل وسيلةٍ لتفادي ما يمكن أن تلقاه من مخاطر تتعلق بهذا الإقليم وذلك بإلقاء تبعة ما يجلبه من مشاكل عليك وحدك؛ فتكون دولة تشين هي التي ذاقت مرارة الهجوم على الإقليم، في حين تجني دولة جاو أشهى ما يجلبه عليها من ثمرات ومنافع من دولة صغرى، فكيف نصدق أن دولة ضعيفة يمكن أن تستحوذ على كل المنافع لنفسها من بين براثن دولة كبرى على درجة بالغة من القوة؟ وهل تقتنع جلالتك، حقًّا، بأن هناك أسبابًا مفهومة لحصولك على منطقة شانتانغ؟ وهل تستطيع (في سبيل الحصول على تلك المنطقة) أن تُحارب تشين لتحصل منها على شانتانغ، بعد إذ حرثت أرضها وبذرت فيها الزرع وجعلت من مياهها مئونة لجيوشها المقاتلة، وأقامت لجنودها في كل شبر منها المتاريس والحصون وصفوف الجنود المتراصَّة، وأدارت شئونها الحكومية بنظام قانوني صارم ولوائح منضبطة سيرت بها أمور الحياة على نحو أكثر سلاسة ومرونةً ونظامًا؟ كلَّا، بل يحتاج الأمر منك يا مولاي المزيد من التأمُّل والمراجعة.» وهنالك استشاط جلالته غضبًا، ورد عليه بقوله: «إنني بعد كل تلك السنوات الطويلة التي خضتُ فيها معارك وحروبًا بقواتٍ يزيد عددها عن المليون مقاتل، لم أكسب مدينة كبرى ولا إقليمًا بمثل هذه الضخامة، وها أنا اليوم، أحصل على سبع عشرة مدينة دفعة واحدة، بغير حرب ولا قتال، فكيف أرفض هذا العرض؟» وعندئذٍ قام جاوباو، وتنحَّى عن مجلسه وخرج.
وأرسل ملك جاو في استدعاء جاوشن [لقب آخر للمدعو «بين يوان»] و«جاويو» [وزير عظيم بدولة جاو] وقال لهما: «بلغني أن دولة هان لم تعُد تقدر على حماية منطقة شانتانغ، حتى إن محافظها أرسل إليَّ يعرض تسليمها لنا على سبيل الهدية، (وللعلم) فإن تلك المنطقة تتكوَّن من سبع عشرة مدينة.» فأجابه كلاهما بقولهما: «قد طالما قمتَ على رأس قواتك وحاربتَ الحروب الكثيرة، لكنك لم تفُز بمدينة واحدة (من بين ما حاربت من المدن) ثم إذا بك تجد ذلك المُلك العريض والعدد الهائل من المدن ينتظِر إشارةً منك، وأنت جالس مكانك، لكي تتولَّى زمام السيطرة عليه، فذلك إذن، من علامات الخير الطائل والحظ السعيد.» وهكذا، أوفد الملك جاوشين لاستلام الإقليم المذكور.
فلمَّا انتهى جاوشين في رحلته إلى ذلك الإقليم، تحدث (إلى المسئولين هناك) قائلًا: «جئتُكم موفدًا من قبل حاكم جاو، فأنا وزير جلالته إليكم، وأُدعى «جاوشين»، وقد بلغتنا دعوة الوالي الكريم وإذ أوفدني الملك لمقابلة حضرتكم، فائذن لي أن أقول لكم ما يلي: «إننا نعرض عليك التكرُّم بقبول (إنعامنا عليك) بإهدائك مدينةً ذات ثلاثين ألف نسمة، كما نرجو تسليم وكيل الإقليم مدينة يبلغ تعدادها (ألف عائلة) على أن يجري ترقية كل الموظفين ثلاث درجات اجتماعية دفعة واحدة، والتكرم على العائلات (التي تقدر على حشد أفرادها في مجموعات كبرى) [هكذا في المتن] بدفع ما مقداره مائة وعشرين وزنة من الذهب لكل عائلة.» وهنالك أطرق «فينغ تين» برأسه وسالت دموعه على وجنتَيه وأخذ يقول: «قد أوقعت نفسي في ثلاث مثالب مُزرية وشائنة … أُولاها: أني عجزت عن أن أبذل كل جهدي (حتى الموت) دفاعًا عن الإقليم الذي أُنيطت بي مهمة الحفاظ عليه، وتخاذلي عن واجبي حين قررتُ التنازل عنه للآخرين، وثانيتُها: أني أهديت أرض الإقليم إلى دولة جاو مخالفًا بذلك الملك حيث طلب تسليمه إلى دولة تشين، وثالثتُها: التفريط في أملاك جلالة الملك والاستيلاء على خراجها.»
ثم إنه رفض، بأدبٍ جم، العرض السخي الذي تقدمت به إليه دولة جاو، وأرسل إلى ملك هان، يقول له: «لمَّا بلغ دولة جاو عجز هان عن الاحتفاظ بإقليم شانتانغ بين أيديها، فقد حركت قواتها واحتلَّت أرض الإقليم.» وأرسلت دولة هان إلى تشين كتابًا تقول فيه: «قامت دولة جاو بدفع قواتها واحتلت إقليم شانتانغ.»
فاستشاط ملك تشين غضبًا ووجَّه أمره إلى «بايتشي» [قائد الجيش] و«وانخي»: بسرعة إعداد القوات والتوجُّه بها للاشتباك مع جيش جاو في عقر داره [حرفيًّا: في قرية تشان بين داخل حدود جاو].