ضعف الثقافة والوعي الضريبي في العراق
المؤلف:
علي هاشم جواد نصر الله
المصدر:
التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق
الجزء والصفحة:
ص 112-115
2026-05-27
9
يُعد الوعي الضريبي أحد الأسس الجوهرية في بناء النظام المالي الحديث، إذ يمثل انعكاسا لمدى إدراك الأفراد والمؤسسات لدور الضريبة في تمويل الخدمات العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي العراق، يشكل ضعف الثقافة والوعي الضريبي إحدى أبرز الإشكاليات العملية التي تواجه الإدارة الضريبية، لما له من أثر مباشر في انخفاض الإيرادات غير النفطية وتنامي ظاهرة التهرب الضريبي، إلى جانب ضعف الثقة بين المكلفين والسلطات المالية، فالاقتصاد العراقي يعد من الاقتصادات الريعية بامتياز، حيث يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط التي تشكل ما يزيد على 90% من إيرادات الدولة وقد أدى هذا الاعتماد إلى تراجع الدور التثقيفي والوظيفي للضريبة في حياة المواطن، إذ لم ترتبط الضريبة لديه بتقديم الخدمات العامة بصورة مباشرة ، بل غدت مرتبطة ذهنيًا بعائدات النفط (1) اذ بلغت نسبة العائدات في 2023 للموازنة العامة مثلا93% في مثل هذا النمط الاقتصادي، يغيب الشعور بالمشاركة في تمويل الموازنة العامة، وتتكوّن ثقافة مالية سلبية ترى في الضريبة عبئًا لا مقابل له ما يضعف الالتزام الطوعي (2) . وكذلك فان ضعف البنية التشريعية والتثقيفية، رغم وجود قوانين ضريبية متعددة في العراق، إلا أن أغلبها لا يتضمن نصوصاً واضحة تلزم الإدارة الضريبية بوضع برامج توعية أو نشر مبادئ الثقافة الضريبية، كما أن حملات التوعية التي تقوم بها الهيئة العامة للضرائب متقطعة ومحدودة الأثر، ولا تغطي سوى نطاق ضيق من المكلفين، خصوصا في المحافظات خارج بغداد (3). ويُضاف إلى ذلك غياب التنسيق بين وزارة المالية ووسائل الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم العالي في نشر المفاهيم الضريبية الصحيحة، مما أدى إلى ضعف ثقافة الالتزام لدى المكلفين الأفراد والشركات وهذا ما سينتج عنه كثرة الفساد الإداري والذي يعد هو أحد أبرز العوامل التي تهدم ثقة المواطن بالمؤسسة الضريبية، إذ يتولد لدى المكلف شعور بأن الضريبة لا تُدار بشفافية، وأن أموالها قد لا تُوجَّه نحو المنفعة العامة (4) هذا الإدراك يؤدي إلى تراجع الدافع للامتثال الضريبي. وينشأ تبعا لذلك نمط ثقافي مواز يبرر التهرب بوصفه وسيلة مشروعة للدفاع عن النفس ضد الفساد الإداري، وقد أظهرت تقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي أن ضعف نظم الرقابة الداخلية وغياب النزاهة في بعض الدوائر الضريبية يسهم في فقدان الثقة بالمؤسسة الرسمية (5).
وكذلك فأن أسباب تردي الوعي الضريبي في العراق أن المناهج الدراسية لم تتضمن توجيه المجتمع للإلمام بأهمية دور الضريبة واثرها في تنمية المجتمع ولم تجد ان وزارة التربية وهي البانية لأسس الوعي للمجتمع من الابتدائية مرورا بالمتوسطة والاعدادية وحتى الجامعية فأن مناهجها تخلو تماما من تدريس هذه المادة الضرورية لحياة المجتمع العراقي، فيجب أن تكون هناك مقررات متخصصة تعنى بتعريف الطلبة بدور الضرائب وأهميتها في الحياة الاقتصادية، باستثناء بعض المقررات في كليات الإدارة والاقتصاد والمحاسبة، كما أن برامج إعداد المحاسبين والموظفين الماليين نادرا ما تشمل تدريبا عمليًا في الثقافة الضريبية أو في التعامل مع التشريعات الضريبية الحديثة" (6). هذه الفجوة التعليمية أضعفت القدرة المهنية والفهم الصحيح لطبيعة الالتزامات الضريبية، سواء لدى المكلف أو الموظف المختص، ما أدى إلى تفاقم المشكلات التطبيقية ويُفترض بالإعلام الرسمي والخاص، أن يكون شريكا فاعلاً في نشر الوعي الضريبي، إلا أن التجربة العراقية في هذا المجال محدودة للغاية (7).
فبرامج التوعية غالبًا ما ثبت في مواسم معينة، وتغيب عنها الرسائل المبسطة التي تربط بين الضريبة والخدمات العامة المقدمة للمواطن. إن استخدام الإعلام بأسلوب إيجابي وتفاعلي يرفع من نسبة الامتثال الطوعي بشكل ملحوظ، شريطة أن يترافق ذلك مع شفافية مالية حقيقية تظهر للمواطنين أثر الضرائب في تحسين الخدمات إن الثقة عنصر جوهري في العلاقة بين المكلف والسلطة الضريبية. فحينما يشعر المواطن بأن الضرائب تدار بعدالة وأن الأموال تُنفق في مواضعها الصحيحة، يزداد التزامه الطوعي إلا أن الواقع العراقي يكشف عن فجوة عميقة في هذا الجانب، حيث تغيب الشفافية في بيان كيفية استخدام الإيرادات، كما لا تنشر الحكومة تقارير منتظمة تبيّن أثر الضرائب على الخدمات العامة، كما ويؤدي غياب الشفافية إلى إحساس المواطن بأن الضريبة تفرض قسرا ، وليس كواجب وطني يهدف إلى الصالح العام (8).
يُعد ضعف الثقافة الضريبية من العوامل الرئيسة وراء ارتفاع معدلات التهرب الضريبي في العراق، خصوصا بين كبار المكلفين الذين يمتلكون القدرة على استخدام الثغرات القانونية أو النفوذ الإداري لتقليل الالتزامات. ففي حالات عديدة، يؤدي غياب الفهم الدقيق للتشريعات إلى ارتكاب أخطاء في الإقرارات الضريبية دون قصد، إلا أن هذه الأخطاء تتحول إلى نزاعات ومخالفات إدارية مكلفة للدولة وللمكلف معاً (9).
تحتاج الدولة إلى تبني سياسة وطنية شاملة للثقافة الضريبية، تتضمن برامج تعليمية منذ المراحل المبكرة، وإطلاق حملات إعلامية واسعة، وتعزيز الشفافية في إعداد الموازنات ونشر التقارير المالية الدورية (10). ونرى إن تجارب الدول التي نجحت في تعزيز ثقافتها الضريبية مثل مصر والاردن تظهر أن الإصلاح لا يتحقق إلا من خلال بناء الثقة والتوعية المستمرة، وهو ما يحتاجه العراق بشدة في المرحلة الراهنة. وأن ضعف الثقافة الضريبية في العراق لا يمكن معالجتها بإجراءات جزئية أو آنية، بل يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تستند إلى التعاون بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والإعلام. فالمشكلة ذات طبيعة تراكمية تعود جذورها إلى النظام الريعي والفساد الإداري، وانعدام الشفافية وضعف التعليم. وعليه، فإن أي إصلاح ضريبي لا يُدرج التثقيف الضريبي ضمن أولوياته سيبقى ناقصا ومحدود الأثر ، لأن الثقافة هي الإطار الذي تنبثق منه الثقة، والثقة هي الأساس الذي يقوم عليه الالتزام الطوعي والعدالة الضريبية.
__________
1- د. جبار صادق، الاقتصاد الريعي وآثاره على التنمية، دار الفكر الجامعي البصرة، 2019، ص 66.
2- مازن الحسني، سلوك المكلف الضريبي في الاقتصاد الريعي مجلة البحوث الاقتصادية، جامعة الموصل، العدد 22، لسنة 2021، ص 21
3- خالد عبد الله العلاقة بين الثقافة الضريبية والتهرب الضريبي في العراق، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 2020، ص54.
4- ديوان الرقابة المالية الاتحادي، تقرير النزاهة المالية للقطاع العام، بغداد، 2021، ص9.
5- ديوان الرقابة المالية، تحليل الأداء الضريبي في العراق، بغداد، 2020، ص33
6- علي قاسم العبيدي، دور التعليم المحاسبي في تطوير الثقافة المحاسبية للإيفاء بمتطلبات سوق العمل، مجلة الريادة، المجلد 2 نيسان 2021، ص30
7- جريدة الصباح، الإعلام الضريبي بين الغياب والحاجة إلى الإصلاح العدد 4521، 2023، ص 3.
8 - د. غسان حسين الشفافية المالية كمدخل لتعزيز الالتزام الضريبي. دار النشر الجامعي، بغداد، 2021، ص 72.
9- د. محمد عبد الكريم. الإشكالات التطبيقية في فحص الإقرارات الضريبية دار الأكاديميين، بغداد، 2023، ص 49.
10- Government of Iraq & World Bank. (2020). Iraq White Paper for Economic Reform. Baghdad, p. 27.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة