الموقف التشريعي من الطبيعة القانونية للحساب الختامي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص 49-55
2026-05-25
39
تباين موقف المشرع العراقي من الأداة التشريعية التي يصدر بها الحساب الختامي في ضوء النظام الدستوري العراقي، وقانون الإدارة المالية الاتحادية المعدل، ولبيان هذا التباين في النصوص التشريعية سنقوم بتحليلها و نوردها على النحو الآتي:
البند الأول / موقف النظام الدستوري العراقي
أولا موقف دستور سنة 2005: إن موقف المشرع الدستوري من الطبيعة القانونية للحساب الختامي كان واضحاً ، وجلياً إذ نص الدستور العراقي لسنة 2005 النافذ على "يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي الى مجلس النواب لإقراره (1)، يلحظ من النص الدستوري أن السلطة التأسيسية الاصلية استخدمت عبارة ( مشروع قانون)، أي: إن مجلس الوزراء يقدم مشروع قانون الحساب الختامي الى مجلس النواب لإقراره بصيغة قانون (2).
ثانياً . موقف قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 المعدل :
إن القانون المذكور أعلاه (3) نص على ... التصويت على الحسابات الختامية لموازنات الدولة باباً باباً وتصدر موافقة المجلس بقانون (4) ويلحظ من النص انه بين الأداة التشريعية التي يتم فيها إقرار الحساب الختامي من لدن مجلس النواب، إذ يتم اصداره (بصيغة قانون)، بينما الأداة التشريعية التي يصدر بها الحساب الختامي بمقتضى قانون الإدارة المالية الاتحادية المعدل (بصيغة تقرير ) (5) وهذا ما سنبينه لاحقاً، كما أن النص القانوني الوارد أعلاه جاء متوافقاً مع الأداة التشريعية التي بينها دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في إقرار الحساب الختامي بصيغة قانون " يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي الى مجلس النواب لإقراره (6).
وبهذا الشأن يُطرح التساؤل الاتي: هل أن المشرع العراقي وقع في تكرار النص في قانون عادي، والمتمثل بقانون مجلس النواب وتشكيلاته النافذ لما هو وارد في قانون عادي آخر والمتمثل بقانون الإدارة المالية الاتحادية النافذ ؟ وللاجابة عن هذا التساؤل تجد الباحثة أن تكرار النصوص التشريعية في أكثر من قانون عادي يعد عيباً يعتري الصياغة التشريعية، وانه لا يعد من قبيل التكرار إنما من قبيل التعارض والتعارض إذا وقع بين تشريعات متساوية في قوتها القانونية، أي في مرتبة التشريع العادي ففي هذه الحالة تنطبق قاعدة (الخاص يقيد العام)، وبما أن قانون الإدارة المالية الاتحادية قانون خاص بينما قانون مجلس النواب وتشكيلاته قانون عام واستناداً الى القاعدة القانونية الوارد ذكرها أنفاً ستعطل تنفيذ النصوص الواردة في قانون مجلس النواب وتشكيلاته المعدل فالنص واجب التطبيق في هذه الحالة هي النصوص القانونية الواردة في قانون الإدارة المالية الاتحادية، مما يؤدي الى التنازع في تطبيق النصوص التشريعية بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، كما قد يثير إشكالاً تشريعياً مستقبلاً بعدم دستورية الأداة التشريعية التي يصدر بها الحساب الختامي مما يدخله في حومة عدم الدستورية.
ثالثاً. موقف النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022:
نص النظام الداخلي المذكور أعلاه (7) على يمارس المجلس الاختصاصات التشريعية الاتية : النظر في مشاريع القوانين المقترحة من رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء بما في ذلك مشروعي قانوني الموازنة العامة للدولة والموازنة التكميلية والمصادقة على حساب الختامي(8)، يلحظ من النص انه اعتراه عيب من عيوب الصياغة التشريعية الموضوعية وهو عيب(الغموض) ويقصد به أن النص القانوني تضمن لفظ، أو عبارة تتحمل أكثر من معنى غير واضح الدلالة فهو لا يدل على ما فيه بل يتوقف فهم النص القانوني على أمر خارجي، أي: أمر خارج عن عبارته (9)، إذ لم يبين الكيفية التي يقدم بها مجلس الوزراء الحساب الختامي الى مجلس النواب للنظر فيه هل بصيغة مشروع قانون كما هو الحال في الموازنة العامة، والموازنة التكميلية، أم بصيغة قرار ؟ كما أنه لم يبين الأداة التشريعية التي يُصادق فيها مجلس النواب على الحساب الختامي هل يصادق بصيغة قانون أم بصيغة قرار تشريعي له قوة القانون؟ إذ يعد الغموض في النص أعلاه اشكالاً تشريعياً قد يسبب إرباكاً في تطبيقه مستقبلاً.
وعلى وفق قاعدة تقارب النصوص التفسيرية نجد أن اختصاصات اللجنة المالية البرلمانية لم تتضمن دراسة مشروع قانون الحساب الختامي ، إذ نصت المادة (89/اولا) من النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022 على تمارس اللجنة المهام والاختصاصات الاتية،
أولا:دراسة مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية والموازنات التكميلية ومقترحات مشروعات القوانين المالية بما فيها الهيكل الوظيفي وسياسات التوظيف ورفع التوصيات بشأنها للمجلس لإقرارها"، وقصر اختصاصها في الحساب الختامي بدراسته، ومتابعته، وتقييمه (10).
وتهيب الباحثة بالمشرع العراقي بضرورة تعديل النصوص التشريعية أعلاه لكي تأتي متوافقة مع قانون مجلس النواب وتشكيلاته المعدل (11) ودستور جمهورية العراق لسنة 2005 حتى لا يثير بشأنهما مسألة عدم المشروعية في معناها الواسع، وتقترح أن يكون نص المادة (31 ثالثاً) من النظام الداخلي أعلاه ما يأتي (يمارس المجلس الاختصاصات التشريعية الاتية: النظر في مشاريع القوانين المقدمة من رئيس الجمهورية، أو مجلس الوزراء بما في ذلك مشاريع القوانين للموازنة العامة للدولة، والموازنة التكميلية، والحساب الختامي والمصادقة عليهم بقانون) وتقترح تعديل نص المادة (89/ خامساً) من النظام الداخلي اعلاه لتكون على النحو الآتي (دراسة مشروع قانون الحساب الختامي، والكشوفات المرفقه معه، ومتابعتها وتقييمها).
البند الثاني / موقف قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل :
إن موقف المشرع العراقي من الطبيعة القانونية للحساب الختامي في ضوء القانون أعلاه جاء مختلفا عن دستور سنة 2005 و قانون مجلس النواب وتشكيلاته المعدل، إذ نص المشرع المالي العراقي على " يعد الديوان الرقابة المالية الاتحادي تقريراً عن البيانات المالية يقدمه الى وزير المالية الاتحادي ... لإرساله الى لجنة الشؤون الاقتصادية او ما يحل محلها لدراسته ورفعه الى مجلس الوزراء لعرضه على مجلس النواب لمناقشته واقراره (12)، كما نص القانون أعلاه على " ينشر التقرير المقر من مجلس النواب بالجريدة الرسمية وعلى المواقع الرسمية لوزارة المالية ومجلس الوزراء (13) ، ولدينا بشأن هذه النصوص القانونية الملاحظ الآتية:
1. إن النصوص أعلاه بينت الأداة التشريعية التي يقدمها مجلس الوزراء الحساب الختامي الى مجلس النواب لإقراره بصيغة (تقرير) وهو يتعارض مع ما جاء به المشرع الدستوري على وفق المادة (62/اولا) من دستور جمهورية العراق لسنه 2005 بان يقدم مجلس الوزراء الحساب الختامي الى مجلس النواب بصيغة مشروع قانون.
2. يقر مجلس النواب العراقي التقرير المرسل له من مجلس الوزراء، وينشر في الجريدة الرسمية. ومن ثم نستنتج من النصوص القانونية أعلاه وجود (تعارض) وهو اصطدام نص مع آخر إذ لا يمكن الجمع بينهما على الرغم من وضوح كل منهما ، فاذا وقع التعارض بين دستور الاتحادي مع قانون الاتحادي، فيغلب التشريع الأعلى وهو (الدستور) استناداً الى مبدأ تدرج القواعد القانونية (14)، وتجد الباحثة أيضاً أن النصوص أعلاه قد اعتراها عيب من عيوب الدستورية الموضوعية وهو عيب ( مخالفة محل التشريع لمضمون النص الدستوري).
ومحل التشريع هو القواعد النص التشريعي والتي ينبغي ان تتفق مع القواعد النصوص الدستورية، وعلى خلاف ذلك سيؤدي الى مخالفة التشريع لمضمون الدستور (15).
وخلاصة ما تقدم يمكننا القول : وجود تعارض بين النظام الدستوري العراقي وقانون الإدارة المالية الاتحادية المعدل، إذ بين النظام الدستوري العراقي والمتمثل (بدستور جمهورية العراق لسنة 2005 وقانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 المعدل الأداة التشريعية التي يصدر بها الحساب الختامي وهو بصيغة (قانون) ومن ثم فأن الطبيعة القانونية للحساب الختامي يعد من قبيل القوانين المالية الذي ينبغي أن يصدر بقانون من لدن السلطة التشريعية الاتحادية. بينما نجد أن قانون الإدارة المالية الاتحادية المعدل اسبغ عليه وصف (تقرير) لا يرتقي لمشروع قانون، ومن ثم فأن الأداة التشريعية التي يصدر بها الحساب الختامي بصيغة (قرار تشريعي)، وتهيب الباحثة بالمشرع المالي العراقي بضرورة تعديل نص المادة (34 ثالثا ب، ج) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل لكي تكون مسايرة لما جاء به دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وقانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 المعدل وتقترح النص الاتي ( يقدم مشروع قانون الحساب الختامي مرفق معه التقرير الصادر من ديوان الرقابة المالية الاتحادي إلى مجلس الوزراء في الخامس عشر من شهر أيلول لارسالهم الى مجلس النواب قبل الثلاثين من شهر أيلول، وتصدر موافقة المجلس على الحساب الختامي بقانون).
____________
1- المادة (62 /اولا) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
2- على خلاف دستور البحريني لسنة 2002 المعدل اذ نصت المادة (113) منه على "الحساب الختامي للشؤون المالية للدولة عن العام المنقضي يقدم أولا الى مجلس النواب خلال الأشهر الخمسة التالية لانتهاء السنة المالية، ويكون اعتماده بقرار يصدر عن كل من مجلس الشورى ومجلس النواب مشفوعاً بملاحظاتهما، وينشر في الجريدة الرسمية".
3- قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 المعدل منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4499) في 2018/7/16
4- المادة (23) من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 المعدل.
5- ينظر: المادة (34) ثالثا /ب) والمادة (34 / ثالثا / جـ) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
6- المادة (62 /أولا) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
7- النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022 ، منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4694) في2022 /10/17
8- المادة (31 / ثالثاً) من النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022.
9- ينظر: د. عبد القادر الشيخلي، فن الصياغة القانونية تشريعاً وفقها وقضاءاً ، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1995، ص 42 وما بعدها، وينظر : د. ثامر عبد الجبار عبد العباس السعيدي، الصياغة القانونية لنصوص التشريع، دار الجامعة الجديدة للنشر، اسكندرية، 2019 ص 164.
10- المادة (89/ خامساً) من النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022.
11- نصت المادة (23) من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 المعدل على .... يشرع بأجراء التصويت على الحسابات الختامية لموازنات الدولة باباً باباً وتصدر موافقة المجلس بقانون".
12- المادة (34 / ثالثا /ب) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
13- المادة (34/ثالثا / جـ) من القانون نفسه.
14- ينظر : د. عبد القادر الشيخلي، فن الصياغة القانونية تشريعاً وفقها وقضاءاً ، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1995 ، ص 47 ، وينظر : د. ثامر عبد الجبار عبد العباس السعيدي، الصياغة القانونية لنصوص التشريع، دار الجامعة الجديدة للنشر، اسكندرية، 2019 ،ص 169.
15- للمزيد من التفاصيل ينظر : د. حسين جبر حسين الشويلي، قرينة دستورية التشريع (دراسة مقارنة)، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2018، ص358.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة