في عام 1872، وبعد سنوات قليلة فقط من ثورة مييجي الإصلاحية، ألقى إيتو هيروبومي — وهو فرد ساموراي جنوبي سابق يُعَد من القلة الذين تحولوا إلى الحداثة — خطابًا في سان فرانسيسكو. وصرح قائلًا إنه بغضِّ الطرف عن التاريخ، وعلى الرغم من الحرب الأهلية القصيرة، فقد جرى تدمير النظام الإقطاعي دون «إطلاق رصاصة واحدة أو إراقة قطرة دم». تميل كتب التاريخ في اليابان منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر إلى التقليل من مقدار العنف الذي شهدته فترة الإصلاح. ذهب أحد المؤرخين البارزين في اليابان إلى أبعد حد، فقد اقترح أن ثورة مييجي الإصلاحية كانت ثورة فريدة في تاريخ العالم؛ لأنها شهدت القليل من العنف مقارنةً بالثورات الحديثة الأخرى، وأن

شكل 1: تمثل هذه الطبعة الخشبية التي صنعها تسوكيوكا يوشيتوشي تجربته كشاهد على مدى عنف ثورة مييجي الإصلاحية التي حدثت في وينو. على الرغم من أن الكلمات الموجودة على الطبعة التي تعود إلى عام 1868 تصف حياة كوماجين هاتشيبي، المتمرد الذي قاتل خلال تمرد شيمابارا في القرن السابع عشر، فإن أسلوب الملبس يعكس بوضوح ملبس أحد أعضاء شوجيتاي. كانت الشوجيتاي واحدة من بين العديد من المجموعات غير النظامية التي قاتلت إلى جانب شوجونية توكوجاوا.
أفراد الساموراي هم من ألغَوا طبقتهم بأنفسهم. خلال عرض تقديمي قصير حول الحاجة إلى إعادة النظر في الطبيعة العنيفة والصادمة لثورة مييجي الإصلاحية، جادل هذا المؤرخ نفسه، وكان جالسًا وسط الجمهور، قائلًا إن من يروِّجون للسياحة المحلية هم أنفسهم المسئولون عن المبالغة في تصوير عنف ثورة الإصلاح بعد مرور وقت طويل على الحدث. ربما كان محقًّا، ولكن هذا لا يمحو مقتل أكثر من 13 ألف شخص خلال النصف الثاني من ستينيات القرن التاسع عشر، لقي أغلبهم حتفه خلال حرب بوشين التي بدأت بعد استسلام يوشينوبو، وانتهت عام 1869. وبهذا يظل الجدل قائمًا حول ثورة مييجي الإصلاحية حتى بعد مرور 150 عامًا عليها، حتى الموتى لم ينالوا حقهم.
أدت ثورة مييجي الإصلاحية إلى إلغاء كامل للشوجونية، ونحو 280 مقاطعة متبقية، ورتبة المحارب نفسها. طلبت حكومة الأقلية التي كانت قد تشكلت حديثًا بعد ثورة مييجي الإصلاحية من السادة في البداية أن «يعيدوا» أراضيهم إلى الإمبراطور طواعية، الأمر الذي أدى إلى إنهاء رتبتهم. أول من تنازل عن أراضيه هم كبار السادة الذين كانوا يحكمون مقاطعات كبيرة، والذين قادوا عملية الإصلاح. بعد ذلك، أجبرت الحكومة جميع السادة على فعل المثل. جرى نقل البعض إلى أماكن أخرى في جميع أنحاء البلاد ليصبحوا حكامًا للمحافظات الجديدة التي أُنشئت، والتي يبلغ عددها 72 محافظة، لكن لم يُنقل الكثيرون. في الغالب، لم يتحسر السادة على أوضاعهم الجديدة. فكانوا يحصلون على عوائد تضمن لهم تقاعدًا مريحًا. حتى قبل ثورة مييجي الإصلاحية، طلب عدد قليل من السادة من الشوجونية أن يتولَّوا زمام الأمور في مقاطعاتهم؛ لأن الاستمرار في محاولة حكمها لم يكن يستحق الجهد المبذول.
كانت ردود أفعال أفراد الساموراي على انتهاء نظام الرتب متباينة. استبدلت الحكومة التي جرى تشكيلها حديثًا راتب الساموراي التقليدي بسندات يتم شراؤها على الفور من قبل البنوك الوطنية. استفاد بعض من أفراد الساموراي أصحاب الرتب الدنيا من هذه المعاملات، واستخدموا المال في إنشاء مصانع وشركات تجارية. أما أفراد الساموراي من الرتب العليا، فلم تساعدهم سندات الراتب على أن يحيَوا حياة كريمة.
علاوةً على ذلك، انتهت الآثار المادية لامتيازات الساموراي؛ فلم يعد بإمكان أفراد الساموراي حمل السيوف أو قص شعرهم بطريقتهم المميزة. كما أنهم لم يعودوا يحتكرون الجيش الذي فتح بابه أمام جميع الذكور. كان أفراد الساموراي السابقون في الحكومة هم من سنَّ هذه القوانين، ولكن في داخل البيروقراطية نفسها كانت هناك الكثير من الآراء المتعارضة. في عام 1869، اقترح أحد هؤلاء المسئولين في المجلس الاستشاري الذي كان قد شُكِّل حديثًا عدم السماح بحمل السيوف في الأماكن العامة من جانب أي شخص باستثناء الشرطة والجيش والمسئولين الحكوميين. فطُرد من المجلس، وخُفضَت رتبته، وهُدد بالقتل. قضى المجلس نفسه وقتًا في التباحث حول مسألة ما إذا كان ينبغي إلغاء السيبوكو أو لا، أطول من الوقت الذي قُضي في التباحث حول كيفية التعامل مع الدول الغربية؛ وقد صُوِّت ضد إلغاء السيبوكو بنسبة 200 إلى 3، واغتيل الرجل الذي اقترح الفكرة.
بعد إلغاء رتبة الساموراي، واجه العديد منهم صعوبة في العثور على وظائف تتناسب مع خبراتهم. كما أن أفراد الساموراي لم يتدربوا على التعامل بالمال، بل كان الابتعاد عن الشئون المالية مصدر فخر لهم خلال حقبة توكوجاوا، فقد كان التعامل بالمال يُعَد حينها علمًا يختص به التجار الأنانيون. أصبح بعض المحاربين السابقين فقراء مدقعين، لدرجة أنهم اضطُروا إلى بيع سيوفهم ودروعهم وغيرها من مقتنيات الساموراي، التي أصبحت تملأ حينذاك المتاحف الغربية، واضطُروا إلى التفريط بتذكارات عائلاتهم الثمينة ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة. وعلى النقيض تمامًا، شعر آخرون بالسعادة نتيجة تحررهم من قيود طبقتهم السابقة، حيث أصبح بإمكانهم وقتها العمل في أي مجال يرضيهم. تقول حفيدة أحد أفراد الساموراي، التي نشرت تاريخ عائلتها لاحقًا، إن جدها، الساموراي من مقاطعة ميتو، كان سعيدًا بسقوط النظام القديم. فقد وجد أنه من الأسهل بالنسبة إليه أن يكسب قوت يومه، على الرغم من أنه خسر راتبه التقليدي مثل جميع أفراد الساموراي.
بعيدًا عن تمجيد الساموراي، اعتبر العديد من اليابانيين في أواخر القرن التاسع عشر أن الساموراي طبقة عفا عليها الزمن، مصدر حرج، غير منتجة، عديمة الجدوى. وبدلًا من الهوس بطائفة الساموراي، انتشر في المجتمع ولع بكل ما هو غربي، حتى الملابس. هدمت الحكومات المحلية القلاع المهجورة في مقاطعاتها. في مقاطعة أيزو، باعت الحكومة المحلية الحديثة التشكيل الأراضي المحيطة بالقلعة التي شهدت أغلب المعارك. وفتحت المبنى أمام السياح المحليين مدة 20 يومًا من أجل مشاهدته قبل أن تهدمه وتبيع المواد المتخلفة منه في المزاد العلني. ولم يقدِّم أحد عرضًا سوى رجل واحد. بيعت الأراضي حول القلعة إلى مزارعين محليين.
لكن بحلول نهاية القرن التاسع عشر، مثَّل الساموراي القوة المزعومة لليابان التقليدية الفريدة من نوعها. من بين أفراد الساموراي السابقين المشهورين الذين تحولوا إلى مفكرين حداثيين، فوكوزاوا يوكيتشي، الذي تظهر صورته على عملة العشرة آلاف ين، والذي اشتهر باحتفائه بانتهاء نظام الرتب وشوجونية توكوجاوا. ورغم ذلك، تحسَّر لاحقًا على اختفاء روح الساموراي التي جسَّدها «الخاسرون» في ثورة مييجي الإصلاحية، مثل جنود أيزو المهزومين، وساموراي شوجونية توكوجاوا. من جهة أخرى، أصبح العديد من الجنود المهزومين سابقًا يعملون في حكومة الأقلية التي شكَّلها مييجي، وحظي رجال مقاطعة أيزو، الذين كان يُنظَر إليهم في السابق على أنهم أعداء مكروهون للإمبراطور، باحترام جديد ممن يمجِّدون اليابان بوصفه بلدًا عسكريًّا.
عندما بدأت اليابان حروبها ضد الصين (1894-1895) وروسيا (1904-1905)، روَّج الأيديولوجيون للفكرة القائلة بأن جميع اليابانيين أصبحوا من الساموراي. أُدخل الكيندو، وهو نوع حديث من المبارزة بالسيوف تُستخدم فيه الدروع ونظام احتساب النقاط، إلى نظام التعليم، لغرس روح المحارب في نفوس الأطفال. وأصبحت التضحية بالنفس وحب الإمبراطور موضوعًا رئيسيًّا في الأدب والأفلام وكتب المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية. أُعيد نشر كتاب «هاجاكور» — الذي كان في أحسن أحواله كتابًا هامشيًّا في السابق — في أوائل القرن العشرين، وحظي بقاعدة قراء واسعة، خاصة خلال ثلاثينيات القرن العشرين في ذروة الفاشية اليابانية.
وماذا عن «طريق الساموراي»؟ لم يحظَ بتأثير كبير بين صفوف عامة الشعب مثلما كان بين المسئولين الحكوميين والعسكريين ذوي الرتب المرموقة. يُرجِع أغلب الناس الفضل إلى نيتوبي إينازو في تعريف جمهور العصر الحديث بقانون بوشيدو في كتابه «بوشيدو: روح اليابان»، نُشر عام 1900 باللغة الإنجليزية للجمهور الأمريكي. قبل نحو عقد من نيتوبي، وصف الصحفي والسياسي أوزاكي يوكيو قانون بوشيدو بأنه النسخة اليابانية من الشهامة، والذي يقابله مفهوم الفروسية في أوروبا. لم يذكر مفهومه أي شيء عن براعة القتال أو التضحية بالنفس. وخلال تسعينيات القرن التاسع عشر، رد المثقفون على كتابات أوزاكي عن قانون بوشيدو. فاستخدم البعض المصطلح لوصف حيوية التجارة، بينما دعا آخرون إلى نسخة مسيحية من بوشيدو، ولكن لم يُفرَض تعريف واحد للمصطلح حتى القرن العشرين. عاش نيتوبي في الولايات المتحدة خلال الانتشار الأول لقانون بوشيدو في اليابان، وعندما نُشر كتابه باللغة اليابانية، لم يلفت انتباه أحد سوى المثقفين المهتمين الذين اعتبروه صغيرًا جدًّا ومتأخرًا جدًّا. ولكن روَّج الفيلسوف إينويه تتسوجيرو لمفهوم بوشيدو على أنه مخزون للقومية، وخدمة الإمبراطور، والتضحية بالنفس. كانت هذه الموضوعات، وتاريخ الساموراي بوجه عام، محطَّ تركيز الدعاية خلال الحرب العالمية الثانية. ظهر الساموراي في المناهج الدراسية، وتعلم الأولاد المبارزة اليابانية في المدارس، وتدربت الفتيات على استخدام النبوت (ناجيناتا)، وهو عبارة عن عصًا طويلة يُثبت في طرفها نصل مُنحنٍ.
بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت صورة الساموراي التي انتشرت خلال وقت الحرب من المحرمات. وتعرضت أفلام الساموراي، وهي لون سينمائي شهير حتى في عصر الأفلام الصامتة، للرقابة من جانب قوات الاحتلال الأمريكية. كان لا يزال بإمكان المخرجين صناعة أفلام الساموراي، لكن لم يكن يُسمح لهم بتمجيد العنف، أو التضحية بالنفس، أو الولاء للإمبراطور. حدثت طفرة في أفلام الساموراي خلال خمسينيات القرن العشرين بعد انتهاء الاحتلال، حيث ظهرت أفلام كلاسيكية، مثل «الساموراي السبعة»، للمخرج أكيرا كوروساوا، لكنها لم تعد تصوِّر نسخة قومية متطرفة عن الساموراي. كما منعت قوات الاحتلال الأمريكية تدريبات الفنون القتالية التي رأت أنها وسيلة أخرى لنشر قانون بوشيدو الخطر والأيديولوجية الفاشية. حتى مع عودة فنون قتالية مثل الكيندو للظهور، ركزت على التعاون والمنافسة، مع التقليل من أهمية قابلية التطبيق القتالي.
خلال فترة النمو الاقتصادي الكبير الذي بدأ في ستينيات القرن العشرين، أصبح «موظف المكتب» النمطي ذو البذلة الداكنة هو الساموراي الجديد. أصبح يُلقَّب باسم «محارب الشركات»، فهو يظل مخلصًا لشركته ولا يفكر في تركها مطلقًا من أجل صفقة أفضل في مكان آخر؛ على النقيض من المحارب في العصور الوسطى الذي كان ينتقل بسهولة من جانب إلى آخر، أو يخون سيده. أما بالنسبة إلى التضحية بالنفس، فقد كانت الاستثناء الذي يؤكد قاعدة الحفاظ على النفس للمحاربين القدامى، ولكن كان يُتوقَّع من ساموراي الشركات أن يضحي برفاهيته من أجل الشركة. قد يتساءل المرء، كيف يمكن أن يؤثر استخدام صورة أكثر دقة عن الساموراي من الناحية التاريخية في الثقافة والتجارة والسياسة اليابانية في المستقبل.