في الصحيحين («صحيح البخاريّ» و«صحيح مسلم») عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لَيَرِدَنَّ عَلَيّ الحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي حتى إذَا رُفِعُوا، اخْتُلِجُوا[1] دُونِي، فَلأقُولُنَّ: أي رَبِّ أصْحَابِي! فَلَيُقَالَنَّ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ!
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يَرِدُ عَلَيّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أصْحَابِي -أوْ قَالَ: مِنْ امَّتِي- فَيُحَلَّئُونَ[2] عَنِ الحَوْضِ. فَأقُولُ: يَا رَبِّ أصْحَابِي. فَيَقُولُ: لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ، ارْتَدُّوا عَلَى أعْقَابِهِمُ القَهْقَرَى فَيُحَلَّئُونَ.[3]
قال العلّامة: وهذا الحديث أيضاً من المشهورات، رواه الفريقان في صحاحهم وجوامعهم عن عدّة من الصحابة كابن مسعود، وأنَس، وسهل بن ساعد، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخُدريّ، وعائشة، وامّ سلمة، وأسماء ابنة أبي بكر، وغيرهم، وعن بعض أئمّة أهل البيت عليهم السلام.[4]
والروايات على كثرتها وتفنّنها تصدّق ما استفدناه من ظاهر الآيات الكريمة، وتوالى الحوادث والفتن بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يصدّق الروايات.
[1] وجاء في «النهاية» ج 2، ص 59، مادّة [خلج]: ورد في الحديث: «لَيَرِدَنَّ عَلَيّ الحَوْضَ أقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجنَّ دُونِي» أي: يجتذبون ويُقتَطَعونَ.
[2] جاء في «النهاية» لابن الأثير، ج 1، ص 421، مادّة [حلأ]، جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: يَرِدُ عَلَيّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ فَيُحَلأونَ عَنِ الحَوْضِ، أي: يُصَدُّون ويُمْنَعون من وروده.
[3] اعترف كثير من الصحابة بما ارتكبوه من جنايات وما قاموا به من أعمال بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. قال البخاريّ في صحيحه: ج 2، ص 295، طبعة دار الإحياء، في باب مناقب عمر بن الخطّاب: لمّا طُعن عمر جعل يَألَمُ. فقال له ابن عبّاس وكأنّه يجزّعه: يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك لقد صحبتَ رسول الله فأحسنتَ صحبته ثمّ فارقته وهو عنك راضٍ. ثمّ صحبتَ أبا بكر فأحسنت صحبته ثمّ فارقته وهو عنك راضٍ. ثمّ صحبتَ صُحبَتَهُم فَأحسنتَ صُحْبَتَهُم ولئن فارقتهم لتفارقنّهم وهم عنك راضون. قال عمر: أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ورضاه، فإنّمأ ذاك مَنٌّ مِن الله تعالى مَنَّ به عَلَيّ. وأمّا ما ذكرتَ من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنّما ذاك مَنٌّ مِن الله جلّ ذكره مَنَّ به عَلَيّ. وأمّا ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك! والله لو أنّ طِلَاع الأرض ذهباً لافتديتُ به من عذاب الله عزّ وجلّ قبل أن أراه. يقصد عمر من أصحاب ابن عبّاس أمير المؤمنين عليه السلام. وكان طالما يواجه ابن عبّاس بهذا التعبير.
ذكر أبو نُعيم في «حلية الأولياء» ج 1، ص 52، وابن تيميّة في «منهاج السُّنَّة» ج 3، ص 131، أنّ عمر كان يقول: لَيْتَني كنتُ كَبْشَ أهلي، يُسَمِّنُونِي ما بدا لهم حتى إذا كنتُ أسْمَنَ ما أكونُ زارهم بعضُ ما يُحبُّون فجعلوا بعضي شواءً، ويعطونّي قَديداً ثمّ أكلوني وأخرجوني عَذَرَةً ولم أكُنْ بَشَراً. وكذلك روى ابن تيميّة في «منهاج السنّة» ج 3، ص 120، ومحبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة» ج 1، ص 134، بشأن أبي بكر أنّه لمّا وقع نظره على طائر على شجرة قال: طُوبَى لك يا طائر، تأكل الثمر، وتقعُ على الشَّجر، وما من حساب ولا عقاب عليك، لوددتُ أنّي شجرة على جانب الطريق مرّ عَلَيّ جَمَلٌ فَأكلني وأخرجني في بَعْره ولم أكُنْ مِنَ البَشَرِ. وروى ابن تيميّة ومحبّ الدين الطبريّ أيضاً في كتابيهما المذكورين، وفي هذين الموضعين بشأن أبي بكر أنّه قال في وقت آخر: ليتَ امِّي لم تَلِدني، ليتني كنتُ تِبْنَةً في لِبْنَةٍ.
وروى البخاريّ في صحيحه: ج 1، ص 54، عن أنَس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصار: إنَّكم سَتَرَوْنَ بعدي أثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض. قال أنَس: فلم نصبر. وفيه: ج 2، ص 135، عن العلاء بن المُسَيِّب، عن أبيه قال: رأيتُ البراء بن عازب فقلتُ له: طوبى لك صَحِبْتَ النبيّ صلى الله عليه وآله وبايعتَه تحت الشجرة. فقال: يا بن أخي! إنك لا تدري ما أحدثناه بَعْده! وحينئذٍ نرى أنّ هذا الصحابيّ الجليل الذي كان من السابقين الأوّلين الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، ورضي الله عنهم، واطّلع على قلوبهم، وأثابهم فتحاً قريباً يشهد على نفسه وعلى أصحابه: أنّهم أبدعوا في الدين بعد النبيّ، واجترحوا الأعمال المخالفة للسُّنّة. وهذه الشهادة مصداق الخبر النبويّ، إذ أنبأ صلى الله عليه وآله أصحابه بأنّهم سيُحدثون بعده ويأتون بأعمال مبتدعة، ويقترفون ما لا يُحْمَد ولا يُرغَبُ فيه، ويرتدّون إلى الجاهليّة القهقرى. وفي هذه الحالة هل يتسنّى لِذي لُبّ أن يخال الصحابة كلّهم عدولًا أتقياء، كما يذهب أهل السنّة إلى ذلك؟! إنّه كلام يخالف العقل ويوصد الطريق أمام المتتبّع الذي يروم بلوغ الحقيقة والواقع. روى الشيخ المفيد في أماليهـ طبعة جماعة المدرّسين بقم، ص 50، 51 - بسنده المتّصل عن عثمان بن عفان أنّه قال: أنا آخر الناس عهداً بعمر بن الخطّاب، دخلتُ عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله وهو مَلُول (في بعض النسخ: وهو يُوَلْوِل). فقال له: ضَع خدّي بالأرض، فأبى عبد الله. فقال له: ضع خدّي بالأرض، لا امَّ لك. فوضع خدّه على الأرض. فجعل يقول: وَيْلَ امِّي، وَيْلَ امِّي إن لم تغفر لي، فلم يزل يقولها حتى خرجت نفسه.
[4] ذكر السيّد ابن طاووس في كتاب «الطرائف» ص 376 و377، طبعة خيّام بقم، أنّ عبد المحمود 1 قال: وما رأيتُ من تكذيب هؤلاء الأربعة المذاهب لأنفسهم ودينهم ولكثير من صحابة نبيّهم جملة وتفصيلًا، وشهادتهم أنّ نبيّهم ذمّهم وشهد عليهم بالضلال ما رواه الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» أيضاً في «مسند سهل بن سعد» في الحديث الثامن والعشرين من المتّفق عليه، قال: سمعتُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: أنَا فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، ومَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأ أبَداً، ولَيَرِدَنَّ عَلَيّ أقْوَامٌ أعْرِفُهُمْ ويَعْرِفُونِّي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ.
يقول أبو حازم [راوي هذا الحديث عن سهل بن سعد الساعديّ]: فسمع النعمان بن أبي عيّاش وأنا أحدّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلًا يقول؟! قال، فقلتُ: نَعَم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدريّ لَسمعته يزيد فيقول: إنَّهُمْ امَّتي! فَيُقَال: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ؟! فَأقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي وغَيَّرَ.[2] ومن ذلك ما رواه الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» في الحديث الستّين من المتّفق عليه من «مسند ابن عبّاس» 3 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألَا إنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ امَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشَّمَالِ (كناية عن الشقاء وجهنّم)، فَأقُولُ: يَا رَبِّ أصْحَابِي، فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ؟! فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ، 4: «وَ كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إن تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وإن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ». 5 قَالَ: فَيُقَالُ لي: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ على أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُم. 6 ومن ذلك ما رواه الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» في الحديث الحادي والثلاثين بعد المائة من المتّفق عليه من «مسند أنس» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لَيَرِدَنَّ عَلَيّ الحَوْضُ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حتى إذَا رَأيْتُهُمْ ورُفِعُوا إلَيّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلأقُولَنَّ: أي رَبِّ أصْحَابِي! أصْحَابِي! فَلَيُقَالَنَّ لي: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ 7 ومن ذلك ما رواه الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» في الحديث السابع والستّين بعد المائتين من المتّفق عليه من «مسند أبي هريرة» عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بَيْنَمَا أنَا قَائِمٌ فَإذَا زُمْرَةٌ، حتى إذَا عَرَفْتَهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إلى أيْنَ؟ قَالَ: إلى النَّارِ واللهِ. قُلْتُ: مَا شَأنُهُمْ؟ قَالَ: إنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ على أدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى. ثُمَّ إذا زُمْرَةٌ حتى إذا عَرَفْتَهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إلى أيْنَ؟! فَقَالَ: إلى النَّارِ واللهِ. قُلْتُ: مَا شَأنُهُمْ؟ قَالَ: إنَّهُمُ ارْتَدُّوا على أدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى، فَلَا أرَاهُ يُخَلِّصُ مِنْهُمْ إلَّا مِثْلَ هَمَلِ النَّعَمِ. 8 ورووا مثل ذلك من عدّة طرق من «مسند عائشة». ورووا نحو ذلك من عدّة طرق من «مسند أسماء بنت أبي بكر». ورووا نحو ذلك من عدّة طرق من «مسند امّ سلمة». ورووا نحو ذلك من «مسند سعيد بن المسيِّب». وجميع هذه الروايات في «الجمع بين الصحيحين» للحميديّ. ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في «مسند عبد الله بن مسعود» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنَا فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ، ولَيُرْفَعَنَّ إلَيّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حتى إذَا أهْوَيْتُ إلَيْهِمْ لُانَاوِلَهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي. فَأقُولُ: أي رَبِّ أصْحَابِي! فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ؟! 9 وروى نحوه الحميديّ في «مسند حُذيفة بن اليمان» في الحديث السابع من المتّفق عليه. 10، 11 قال الملّا عليّ المتّقي في «كنز العمّال» ج 11، ص 176 و177، طبعة بيروت، في الأحاديث من 31112 إلى 31115 بالترتيب: قال رسول الله: أنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ أقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ! اتَّقُوا الحُدُودَ! فَإذَا مُتُّ تَركتكم، وأنَا فَرَطُكمْ على الحَوْضِ، فمن ورد فقد أفْلَحَ! فيؤتى بِأقوامٍ فَيُؤخَذُ بهم ذاتَ الشمال فأقول: يا ربّ امّتي، فيقول: إنَّهُمْ لم يزالوا بعدك يرتدّوا على أعقابهم. (أحمد بن حنبل في «المسند»، والطبرانيّ في «المعجم الكبير»، وأبو نصر السجزيّ في «الإبانة» عن ابن عبّاس). أنَا آخذ بحُجَزكم عن النار. أقول: إيّاكم وجهنّم! إيّاكم والحدودَ؛ فإذا مُتُّ فأنا فرطكم، وموعدكم الحوض. فمن ورد فقد أفلح. ويأتي قوم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا ربّ! امّتي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك مرتدّين على أعقابهم (الطبرانيّ في «المعجم الكبير» عن ابن عبّاس). أنا فرطكم على الحوض أنتظر من يرد عَلَيّ منكم، فلا الفينَّ ما نوزعتُ في أحدكم فأقول: إنّه من امّتي فيقال: لا تدري ما أحدث بعدك. (طس، ق - عن أبي الدرداء). ألا ما بال أقوام يزعمون أنّ رحمي لا تنفع، والذي نفسي بيده إنّ رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة. ألا وإنّي فَرَطكم -أيّها الناس- على الحوض، ألا وسيجيء أقوام يوم القيامة فيقول القائل منهم: يا رسول الله! أنا فلان بن فلان، فأقول: أمّا النَّسب فقد عرفتُ ولكنّكم ارتَددْتم بعدي ورجعتم القهقرى (ط، حم وعبد بن حميد، ع، ل، ش - عن أبي سعيد). قال السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في «الفصول المهمّة» ص 191، الطبعة الثانية، بعد نقل عدد من الأخبار في هذا المعنى: أخرج البخاريّ في باب الحوض عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنِّي على الحَوْضِ حتى أنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيّ مِنْكُمْ، وسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي ومِنْ امَّتي! فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟! واللهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ على أعْقَابِهِم. قَالَ البُخَارِيّ: فَكَانَ ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ يَقُولُ: اللَهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ أنْ نَرْجِعَ على أعْقَابِنَا ونُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا - انتهى. قال آية الله العامليّ رحمه الله هنا بعد نقل خبرين آخرين: ومن وقف على ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي الطفيل في آخر الجزء الخامس من مسنده، يعلم أنّ فيهم قوماً دحرجوا الدبّاب 12 ليلة العقبة لينفروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ناقته وهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ومَا نَقَمُوا إلآ أنْ أغْنَاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ. 13 ومن تلا سورة التوبة، يعلم بأنّهم ابتغوا الفتنة من قبل، وقلّبوا الامور لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. 14 ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وما هُمْ مِنْكُمْ ولكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ، لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وهُمْ يَجْمَحُونَ15 ومِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ واللَّهُ ورَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ، أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ 16وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ 17 ومِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ18 الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ19وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهُمْ فاسِقُونَ ، ولا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وهُمْ كافِرُونَ ، وإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ20 سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ21 ، إلى آخر السورة الدالّة على فشوّ النفاق فيهم. فما أدري كيف صار كلّ من كانت له صحبة ثقة عدلًا بمجرّد أن مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؟! ومَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أ فَأين ماتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ على أعْقَابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئا وسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ. 22 الذين شكروا نعمة الرسالة فلم ينقلبوا، ولم يحدثوا بعد الرسول صلى الله عليه وآله حدثاً، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا واستقاموا على ما أمرهم الله تعالى به ورسوله واولَئكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ واولَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، أعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَأ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. 23 وهم في غنى عن مدحة المادحين، وتقريظ الواصفين، بما لهم من تأييد الدين، ونشر دعوة الحقّ المبين. فمودّتهم واجبة، والدعاء لهم فريضة. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. 24 إلى هنا انتهى كلام العلّامة السيّد شرف الدين في ص 194، من «الفصول المهمّة» وهو في آخر هذا الكتاب الثمين النفيس. وقال رحمه الله في ص 222 من كتابه الآخر: «الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء» الملحق بالكتاب السابق: وإنّما دخل البلاء باعتماد الجمهور على كلّ من كان في الصدر الأوّل، وبنائهم على عدالة كلّ فرد ممّن كانت له صحبة، مع ما يتلونه في الكتاب والسنّة من شئون المنافقين، وتربّصهم الدوائر بسيّد الأنبياء والمرسلين. وحسبهم من الكتاب سورتا التوبة والأحزاب، فإنّ فيهما الذكرى لُاولي الألباب. ومِنْ أهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا على النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ. 25 واشتدّ البلاء بالمنع من الخوض في تلك الأحوال، وسدّهم باب البحث عن حقائق اولئك الرجال فضيّعوا على أنفسهم كثيراً من الحقائق.
[1] المقصود من عبدالمحمود هو نفسه. وأنّي قال في طرائفه: عبدالمحمود فإنّما يريد نفسه.
[2] «صحيح مسلم» ج 4، ص 1793؛ و«صحیح البخاری»: الجزء الثامنلإ ص 26، والجزء السابع، ص 208؛ وكذالك رواه آية الله السيّد شرف الدين العاملي في «الفصول سعد» ووضع في آخره علامة (اهـ).
[3] وأخرج البخاريّ مثل هذا الحديث في المفاد، في اوّل باب قوله تعالي: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا من كتاب بدء الخلق، من الجزء الثاني من صحيحه، عن ابن عباس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلّم قال: إنّكم تُحْشَرُونَ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ، وأوَّلُ مَن يُكْسَى يوم القيامة إِبْرَاهِيمُ، وإن اُناساً مِن أَصْحَابِي یؤخذ بهم ذَاتَ الشِّمَالِ، فأقُولُ: أَصْحَابِي! أَصْحَابِي! فيُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فأقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ -الي قوله- الْحَكِيمُ} («الفصول المهمّة» ص 192، الطبعة الثانية).
[4] أي: عيسي ابن مريم عليه السلام.
[5] الآيتان 117 و118، من السورة 5: المائدة، ضمن الآيات الأخيرة في سورة المائدة. وهذا الجواب هو جواب عيسي ابن مريم لله يوم القيامة، إذ يؤاخذه الله علی اتّخاذ امَّتِه إيّاه وامَّهُ مريم إلهين من دون الله. فيجيبه بهذا الجواب. والحقّ أنّه جواب رصين قويم. وكلّما كان يتلو علينا سماحة استاذنا الفقيد العلّامة الفذّ الفريد آية الله العظمى السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ التبريزيّ أفاض الله علينا من بركات رمسه هذه الآيات، كان يغرق في عالم من الوجد والسرور، ويتغيّر حاله حتى يرى ذلك على قسمات وجهه. وكان يقول: في هذه الآيات القرآنيّة من قوله: وإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى آخر السورة، نكات بديعة في أدب العبوديّة. وقد بلغ القرآن الكريم بالموضوع ذروته حقّاً.
[6] «صحيح مسلم» ج 4، ص 2195، كتاب الجنّة.
[7]«صحيح مسلم» ج 4، ص 1800؛ و«صحيح البخاريّ» ج 7، ص 207.
[8] «صحيح البخاريّ»، ج 7، ص 208.
[9] «مسند أحمد بن حنبل» ج 1، ص 253 و258.
[10] يُنظَر: «صحيح مسلم» ج 4، ص 1796.
[11]كما قلنا في صدر التعليقة، فإنّ هذه الأحاديث كلّها نقلناها عن كتاب «الطرائف» للسيّد ابن طاووس رحمة الله عليه، طبعة مطبعة الخيّام، قم، ص 376 إلى 378.
[12] الدبّاب المدرّعة سابقاً وكانت تصنع على شكل حجيرة من الجلد الصلب القويّ. كان يدخل فيها الأشخاص كي لا تصلهم السهام والحِراب والأحجار. فإذا أرادوا فتح قلعة أو حصن، كانوا يجعلون الدبّاب إلى جانب القلعة أو الحصن متّصلًا بجدارهما فيثقبون الجدار ويدخلون القلعة أو الحصن دون أن يراهم أحد ويباغتونهم بالهجوم.
[13] الآية 74، من السورة 9: التوبة.
[14] اقتباس من الآية 48، من السورة 9: التوبة.
[15] الآيتان 56 و57، من السورة 9: التوبة.
[16] الآيات 61 إلى 63، من السورة 9: التوبة.
[17] الآية 65، من السورة 9: التوبة.
[18] الآيات 75 إلى 77، من السورة 9: التوبة.
[19] الآيتان 79 و80، من السورة 9: التوبة.
[20] الآيات 84 إلى 87، من السورة 9: التوبة.
[21] الآيتان 95 و96، من السورة 9: التوبة.
[22] الآية 144، من السورة 3: آل عمران.
[23] الآيتان 88 و89، من السورة 9: التوبة.
[24] الآية 10، من السورة 59: الحشر.
[25] الآية 101، من السورة 9: التوبة.