في «الدرّ المنثور» أخرج الطبرانيّ عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنِّي لَكُمْ فَرَطٌ وإنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي في الثَّقَلَيْنِ؟!
قيلَ: ومَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟!
قَالَ: الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَنْ تَزَالُوا ولَنْ تَضِلُّوا؛ والأصْغَرُ عِتْرَتِي، وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، وسَألْتُ لَهُمَا ذاكَ رَبِّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، ولَا تُعَلِّمُوهُمَا فَإنَّهُمَا أعْلَمُ مِنْكُمْ.
قال العلّامة: وحديث الثقلين من المتواترات التي أجمع على روايتها الفريقان (الشيعة والعامّة)؛ وقد تقدّم في أوّل السورة أنّ بعض علماء الحديث أنهى رواته من الصحابة إلى خمسة وثلاثين راوياً من الرجال والنساء؛ وقد رواه عنهم جمّ غفير من الرواة وأهل الحديث.
وفي تفسير «الدرّ المنثور» أيضاً أخرج ابن ماجة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى إحدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ امَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ في النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! ومَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ؟!
قَالَ: الجَمَاعَةُ. ثُمَّ قَالَ: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا».[1]
قال العلّامة: والرواية أيضاً من المشهورات. وقد روتها الشيعة بنحو آخر كما في «الخصال»، و«المعاني»، و«الاحتجاج»، و«الأمالى»، و«كتاب سُليم بن قيس»، و«تفسير العيّاشي».[2] واللفظ لما في «الخصال» بإسناده إلى سليمان بن مهران، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنّ امّة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية وسبعون في النار. وافترقت امّة عيسى بعده على اثنتين وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، وإحدى وسبعون في النار. وإنّ امّتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، واثنتان وسبعون في النار.
وفي «الدرّ المنثور» أخرج أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، والحاكم، وصحّحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرّقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة؛ وتفترق امّتي على ثلاث وسبعين فرقة.
قال العلّامة: وهذا المعنى مرويّ بطرق اخرى عن معاوية وغيره.
[1] ذكر العلّامة البحرانيّ في «غاية المرام» ص 577 و578، الباب 69 و70، ثلاثة أحاديث عن العامّة وحديثاً عن الخاصّة في هذا الموضوع. أمّا الأوّل عن العامّة فقد رواه موفّق بن أحمد الخوارزميّ بسنده المتّصل عن زاذان، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: تفترق هذه الامّة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنّة. وهم الذين قال الله عزّ وجلّ في حقّهم: «و ممّن خلقنا امَّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون». وهم أنا وشيعتي، وأمّا الثاني عنهم فقد رواه موفّق بن أحمد الخوارزميّ أيضاً بسنده المتّصل عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال لي رسول الله: يا عليّ! مَثَلك في امّتي مثل عيسى ابن مريم افترق قومه ثلاث فرق: فرقة مؤمنون وهم الحواريّون؛ وفرقة عادوه وهم اليهود؛ وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن الإيمان. وإنّ امّتي ستفترق فيك ثلاث فرق: شيعتك وهم المؤمنون؛ وفرقة هم أعداؤك وهم الناكثون؛ وفرقة غلوا فيك وهم الجاحدون وهم الضالّون. وأنت يا عليّ وشيعتك في الجنّة وعدوّك والغالي فيك في النار. وأمّا الثالث عن ابن مردويه وهو من ثقات العامّة إلى أبان بن تغلب عن مسلم قال: سمعت أبا ذرّ وسلمان والمقداد يقولون: كنّا قعوداً عند النبيّ صلى الله عليه وآله إذ أقبل ثلاثة من المهاجرين، فقال: تفترق امّتي بعدي ثلاث فرق: أهل حقّ لا يشوبونه بباطل، مثلهم كالذهب كلّما فَتَنَتْهُ النار زاد جودةً وإمامهم هذا، وأشار إلى أحد الثلاثة وهو الذي أمر الله في كتابه إماماً ورحمة. وفرقة أهل باطل لا يشوبونه بحقّ مثلهم كمثل الحديد كلّما فَتَنَتْهُ النار زاد خبثاً وإمامهم هذا. فسألتهم عن أهل الحقّ وإمامهم فقالوا: عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وأمسكوا عن الآخرين فجهدتُ في الآخرين أن يسمّوهما فلم يفعلوا - هذه رواية أهل المذهب. وأمّا حديث الخاصّة: فقد ذكر الشيخ الطوسيّ في أماليه بسنديه المتّصلَين عن المجاشعيّ، عن محمّد بن جعفر بن محمّد عليه السلام، عن الصادق عليه السلام، وعن المجاشعيّ، عن الإمام عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، قال المجاشعيّ: سمعتُ عليّاً (الرضا) عليه السلام يقول لرأس اليهود: على كم افترقتم؟ فقال: على كذا وكذا فرقة! فقال الإمام: كذبتَ. ثمّ أقبل على الناس وقال: والله لو ثنيت لي الوسادةُ لقضيتُ بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل القرآن بقرآنهم. افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة: سبعون منها في النار وواحدة ناجية في الجنّة، وهي التي اتّبعت يوشع بن نون وصيّ موسى. وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعين فرقة في النار وواحدة في الجنّة، وهي التي اتّبعت شمعون وصيّ عيسى عليه السلام. وتفترق هذه الامّة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنّة، وهي التي اتّبعت وصيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم. وضرب عليه السلام بيده على صدره (أي: أنا وصيّ محمّد صلى الله عليه وآله) ثمّ قال: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث وسبعين (السبعين - ظ) فرقة كلّها تنتحل مودّتي وحبّي واحدة منها في الجنّة وهم النمط الأوسط واثنتا عشرة في النار.
[2] روي الشيخ المفيد في أماليه، طبعة جماعة المدرّسين، ص 212 و213، بسنده المتّصل عن أبي هارون العبديّ، عن أبي عقيل قال: كنّا عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ قال: لتَفرقنَّ هذه الامّة علي ثلاث وسبعين فرقة. والذي نفسي بيده كلّها ضالّة إلّا من اتّبعني وكان من شيعتي.