هذه الأحاديث التي تدعو إلى أهل البيت وأمير المؤمنين عليه السلام لا تتلخّص في حديث الثقلين. فقد ذكّر النبيّ صلى الله عليه وآله في مواطن كثيرة وبألفاظ عديدة باتّحاد نفس أمير المؤمنين وآله الذين هم آل رسول الله، وأصرّ على ذلك إصراراً وثيقاً، وأبرمه إبراماً أكيداً. وهذه الحقيقة كانت مشهودة ملحوظة.
روى الحافظ جمال الدين الزرنديّ عن عبد الله بن زيد بن ثابت، عن أبيه أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مَنْ أحَبَّ أنْ يُنْسَأ لَهُ -أي يُتَأخَّرُ في أجَلِهِ- وأنْ يُمَتَّعَ بِمَا خَوَّلَهُ اللهُ فَلْيُخْلُفْنِي في أهْلِي خِلَافَةً حَسَنَةً، فَمَنْ لَمْ يَخْلُفْنِي فِيهِمْ بُتِرَ عُمْرُهُ، ووَرَدَ عَلَيّ يَوْمَ القِيَامَةِ مُسْوَدَّاً.[1]
ورواه الطبرانيّ في مجمعه الأوسط عن ابن عمر أنّه قال: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: اخلُفُونِي في أهْلِ بَيْتِي خَيْراً.[2] (أي: اجعلوني واجعلوا حقّي في أهل بيتي خيراً، وارعوني وارعوا حقّي فيهم).
وذكر الملّا عليّ المتّقي في «كنز العمّال» بتخريج الديلميّ عن أنس، وأبي سعيد الخُدريّ أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال: يَا عَلِيّ! أنْتَ تُبَيِّنُ لُامَّتِي مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَعْدِي.[3]
وفي «كنز العمّال» أيضاً بنصّ ابن عبّاس أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال: أنَا المُنْذِرُ، وعَلِيّ الهَادِي، وبِكَ يَا عَلِيّ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ.[4]
وروى الصفوريّ الشافعيّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال لأمير المؤمنين عليه السلام: أنْتَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ، وأنْتَ الفَارُوقُ الذي تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلُ.[5]
وكذلك روى في «كنز العمّال» عن كعب بن عُجَرَة أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فُرْقَةٌ واخْتِلَافٌ فَيَكُونُ هَذَا وأصْحَابُهُ عَلَى الحَقِّ. - يَعْنِي صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ عَلِيَّاً.[6]
وروى في «كنز العمّال» أيضاً أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مَنْ أحَبَّ أنْ يَحْيَا حَيَاتِي، ويَمُوتَ مِيتَتِي، ويَدْخُلَ الجَنَّةَ التي وَعَدَنِي رَبِّي قُضْبَاناً مِنْ قُضْبَانِهَا غَرَسَهُ بِيَدِهِ وهي جَنَّةُ الخُلْدِ، فَلْيَتَوَلَّ عَلِيَّاً وذُرِّيَّتَهُ مِنْ بَعْدِي، فَإنَّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بَابِ هُدَى ولَنْ يُدْخِلُوكُمْ في بَابِ ضَلَالَةٍ.[7]
وفي ضوء هذه الروايات المتضافرة، والأحاديث المتكاثرة، وإجماع أهل اليقين والأوفياء لرسول الله والحفّاظ لميعاد الربّ الودود وميثاقه، علت صيحات الشيعة منذ عصر الرسول الأكرم حتى يومنا هذا وهي تارةً مظفّرة. واخرى مظلومة، وحيناً غالبة، وآخر مهجورة. والشيعة هم الذين تمسّكوا بالثقلين، والتزموا بكلام نبيّهم طائعين راغبين، إذ يعلمون أنّ من تقدّم على أهل بيت نبيّه، فقد هلك، ومن تأخّر عنهم ولم يلحق بهم، فقد هوى. وليس لأحد أن يعلّمهم لأنّهم أعلم من كلّ أحد.
[1] ذكره في «نظم درر السمطين» ص 231، عن عبد الله بن بدر عن أبيه، وبلفظ: من أحبّ أن يسأله في أجله. والحديث الذي أوردناه في المتن نقلناه عن «ينابيع المودّة»، ص 41.
[2] «ينابيع المودّة» ص 41، عن كتاب «جواهر العِقدين».
[3] «مناقب الخوارزميّ» ص 24، طبعة النجف؛ والملّا عليّ المتّقي في «كنز العمّال» ج 6، ص 156، الطبعة القديمة، وقال هناك: أخرجه الديلميّ عن أنس.
[4] «ميزان الاعتدال» ج 1، ص 255، طبعة دار السعادة؛ وكذلك ذكره في «كنز العمّال» ج 6، ص 157، الطبعة القديمة، بتخريج الديلميّ في «فردوس الأخبار».
[5] «نزهة المجالس» للصفوريّ، ج 1، ص 205، طبعة القاهرة.
[6] الطبرانيّ في «المعجم الكبير»؛ كما نقل صاحب «كنز العمّال» ج 6، ص 157.
[7] «مناقب الخوارزميّ» ص 34، طبعة النجف؛ وكذلك ذكره الطبرانيّ في «المعجم الكبير»، والحاكم في «المستدرك»، وأبو نُعيم في «فضائل الصحابة»؛ كما نقل ذلك المتّقي في «كنز العمّال» ج 6، ص 155.