هو الاستدلال الذي كان في الكوفة أيضاً سنة 36 أو 37 ه. وتفسيره أنّ رهطاً جاءوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا: السلام عليك يَا مَوْلَانَا. قال: وكيف أكون مولاكم وأنتم عرب؟ (المولى: السيّد، وصاحب الغلام والجارية، وصاحب الأسير ونظير ذلك. ومع أنّكم عرب، ولستم أسرى أو عبيداً لي، فكيف ترونني مولى لكم؟) وتخاطبونني بكلمة مَوْلى؟ قالوا: سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خمّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.
وروى عليّ بن عيسى الأربليّ في «كشف الغُمَّة» أحاديث في منقبة أمير المؤمنين عليه السلام عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مَرْدَوَيْه. يقول في أوّلها: وأمَّا مَا رَوَاهُ الحَافِظُ أبُو بَكْر أحْمَدَ بنُ موسى بن مَرْدَوَيْه فَأنَا أذْكُرُهُ على سِيَاقَتِهِ، {وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإِلَيْهِ أُنِيبُ}.[1] ثمَّ يبدأ بذكر الفضائل إلى أن يقول: في رواية عن رياح بن الحرث، قال: كنت في الرحبة مع أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل ركب يسيرٌ حتّى أناخوا بالرُّحْبَة، ثمَّ أقبلوا يمشون حتّى أتوا عليّاً عليه السلام فقالوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ. قَالَ: مَنِ القوم؟ مَوَالِيكَ يَا أمِيرَ المؤمِنِينَ.
قال رياح: فنظرتُ إلى أمير المؤمنين وهو يضحك ويقول: مِنْ أيْنَ وأنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ؟ قالوا: سمِعْنَا رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول يوم غدير خمّ وهو آخذ بعضدك: أيُّهَا النَّاسُ! ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أنفُسِهِم؟! قُلْنَا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: إنّ اللهَ مَوْلَايَ، وأنَا مَوْلى المُؤْمِنِينَ، وعَلِيّ مَوْلى مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ.[2]
فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: أنتم تقولون ذلك؟ قالوا: نعم.قال: وتشهدون عليه؟ قالوا: نعم. قال: صَدَقْتُمْ.
فانطلق القوم وتبعتهم فقلت لرجل منهم: مَن أنتم يا عبد الله؟ قالوا:نحن رهط من الأنصار، وهذا أبو أيّوب صاحب منزل رسول الله صلّى الله عليه وآله. فأخذت بيده فسلّمت عليه وصافحته.[3]
وروي عن حبيب بن يَسار عن أبي رُمَيْلة أنّ ركباً أربعة أتوا عليّاً عليه السلام حتّى أناخوا بالرُّحبة. ثمّ أقبلوا إليه فقالوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المؤمِنِينَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ. قال: وعَلَيْكَمْ السَّلَامُ! أنِّى أقبَل الرَّكْبُ؟ قالوا: أقْبَلَ مَوَالِيكَ مِنْ أرْضِ كَذَا وكَذَا. قال: أنِّى أنْتُمْ مَوَالِيّ؟ قالوا: سمِعْنَا رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم غدير خمّ يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ.[4]
وذكر ابن الأثير الجزريّ في ترجمة حبيب بن بُدَيْل بن ورقاء أنّ أبا العبّاس بن عُقْدَة روى بإسناده عن زِرِّ بن حُبَيْش قال: خرج عليّ عليه السلام من القصر فاستقبله ركبان متقلّدي السيوف فقالوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المؤمِنِينَ! السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَانَا ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ هاهنا مِنْ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ فقام اثنا عشر، منهم: قَيْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ شماس، وهاشم بن عُتبة، وحَبيب بن بُدَيل بن وَرْقاء، فشهدوا أنّهم سمعوا النبيّ صلّى الله عليه وآله يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. وأخرجه أبو موسى.[5]
[1] «كشف الغمّة» ص 92، طبعة القطع الرحلي.
[2] نقل ابن المغازليّ الجُلابيّ الشافعيّ حديث الركبان عن أحمد بن محمّد البزّاز بسنده عن رياح بن الحارث في ص 22 من مناقبه. وذكره العلّامة الأمينيّ في «الغدير» عن أحمد بن حنبل عن رياح بن الحارث، ج 1، ص 187، وكذلك جاء في «إحقاق الحقّ» ج 6، ص 326.
[3] جاء في النسخة البدل هنا أنّ الأربليّ يقول: ذكرنا هذه الرواية سابقاً بألفاظ مختصرة عن مسند أحمد بن حنبل ورياح بن الحارث؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 212.
[4] «كشف الغمّة» ص 93 و94. وجاء هذا الحديث مختصراً في كتاب «الرِّياض النَّضرة» ج 3، ص 161، طبعة شركة الطباعة المتّحدة الفنّيّة، عن رياح بن الحارث، عن أحمد بن حنبل، وعن البَغَويّ في معجمه. ورواه أحمد مختصراً في «الفضائل» كما نقل ذلك المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 209.
[5] «اسد الغابة» ج 1، ص 368 و369.