

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
تمييز جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية عن الجرائم الناشئة عن الاحتكار
المؤلف:
علي فائق محمد باقر الخزاعي
المصدر:
المسؤولية الجزائية عن الإفلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية
الجزء والصفحة:
ص 47-58
2026-01-18
20
إن جريمة الإفلاس بالتقصير وجريمة الاحتكار من الجرائم الاقتصادية التي تؤثر سلباً في النظام المالي والتجاري، غير أن لكل منهما طبيعته القانونية الخاصة ومجاله المتميز، فجريمة الإفلاس بالتقصير تنشأ من سلوك التاجر الذي يخل بالتزاماته التجارية نتيجة الإهمال أو المضاربات غير المشروعة، مما يؤدي إلى عجزه عن الوفاء بديونه، أما جريمة الاحتكار فهي تتعلق بإساءة استغلال المركز الاقتصادي بقصد التأثير في الأسعار أو منع المنافسة، ويكمن الفرق الجوهري بين الجريمتين في أن الإفلاس بالتقصير غالبًا ما يرتبط بسوء إدارة أو تهور، في حين أن الاحتكار يرتبط بتعمد السيطرة على السوق لأغراض ربحية، كما تختلف الجهتان المختصتان بالتحقيق والمحاكمة في كل منهما، ومن هنا تنبع أهمية التمييز بين الجريمتين لضمان تطبيق العقوبة المناسبة لكل سلوك، بحسب طبيعته وأثره على السوق والمجتمع.
أما من الناحية القانونية فبعد صدور قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي رقم 4 1لسنة 2010 نقطة تحول مهمة في الحياة الاقتصادية والتجارية في السوق العراقي، حيث تعتبر جرائم الاحتكار من الجرائم الاقتصادية التي يعاقب عليها القانون ومخالفة السياسية الاقتصادية للدول وهناك محاولات كبيرة من المجتمع الدولي وذلك من خلال الحد والتغلب والسيطرة على المحتكرين وسوق الاحتكار على مقدرات الناس، إذ عرف قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي في نص الفقرة (ثانياً) من المادة (1) الاحتكار على أنه ( الاحتكار كل فعل أو أتفاق أو تفاهم صدر من شخص أو أكثر طبيعي أو معنوي أو ممن توسط بينهم التحكم بالسعر أو نوعية السلع والخدمات بما يؤدي الى ألحاق الضرر بالمجتمع) (1) ، ويعرف فقهاً بأنه ( عبارة عن مجموعة من المنشات التي تعمل على تنسيق نشاطها من اجل تكوين قوة احتكارية وتتمثل بمجوعة من المشاريع الاقتصادية والمؤسسات التي يتم تحديدها بموجب عقد يحدد نشاطها الاقتصادي والتجاري وتقسيم وتحديد نفوذ الشركات لتضمين بيع السلع والخدمات على المستويات الاقليمي والوطني والدولي ) ، أما القانون المصري، يُعرف الاحتكار من خلال قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم (3) لسنة (2005)، الذي يهدف إلى حماية حرية المنافسة ومنع الممارسات التي تضر يُعد في وضع مسيطر كل شخص تتجاوز حصته 25% من السوق المعنية، ويكون له القدرة على التأثير بشكل منفرد أو بالتعاون مع أطراف أخرى على أسعار أو كميات العرض أو الطلب دون أن يكون هناك منافسة فاعلة من أطراف أخرى."، كما نصت المادة (5) على حظر إساءة استخدام الوضع المسيطر في السوق، إذا كان من شأنه الحد من المنافسة أو تقييدها أو الإخلال بها.
اما في التشريع المصري فالاحتكار لا يُفهم فقط على أنه الانفراد الكامل بالسوق، بل يشمل أيضا الوضع المسيطر الذي يُستغل لإلحاق الضرر بالمنافسين أو المستهلكين، كمنع دخول السوق، أو فرض أسعار غير عادلة، أو تقييد الإنتاج أو التوزيع (2) ، فهو أذن كل فعل يؤدي الى السيطرة والنفوذ بهدف أحداث اختناقات في معدلات وفرة السلع وجودتها وأسعارها بفرض ألغاء المنافسة أو أجبار المتنافسين على أخلاء السوق (3) ، كما يرى أن المضاربات تقترن بالاحتكار، فهناك مضاربون كبار يستحوذون على السلع والأوراق ويتصرفون ويتحكمون فيها وعندئذ تتقلب المضاربات من أداة لتوقع الأسعار إلى أداة لفرض الأسعار، كما أن تغيير المنافسة عن مسارها الحقيقي وتحولها الى صراع ما بين التجار، بأن يحاول كل منهم الى جذب عملاء غيرهم، ويتحقق ذلك بأتباع التاجر لأساليب وطرق غير مشروعة من أجل تحقيق هذه الغاية، كما إن المحتكرون يسيطرون على السوق والإنتاج فيه ويلاحظ من خلال تلك السيطرة هناك إضرار اقتصادية واجتماعية تصيب الدول وتعد تلك الوضعية مباحة سواء كانت للإفراد او للمؤسسات إذ يلاحظ هناك أسباب عديدة ومختلفة نظمت في الاحتكار منها ما استخدمه بعض الباعة من خلال استغلال الناس عند وجود ندرة في السلع فيقومون بشرائها وحفظها وإخفاءها عن السوق بغية الحصول على السعر الأعلى عند ندرتها في السوق، وهناك شركات تنظم هذا النوع من خلال اتفاق يكون بين تلك الشركات على تقاسم الأسواق والسلع بينهم أو الاندماج في شركة واحدة بغية السيطرة على السوق وتحتكر المادة المنتجة لصالحها (4)، أما المشرع الجزائري فعرف الاحتكار ضمن الاطار التشريعي المنظم للمنافسة وتحديداً بموجب الأمر رقم (03-03) والمؤرخ في (19 يوليو (2003) والمتعلق بالمنافسة والمعدل والتمم، والذي يهدف الى ضمان الشفافية والنزاهة في السوق وكذلك منع الممارسات المنافية للمنافسة الحرة (5) وعليه سنوضح أهم أوجه التشابه والاختلاف بين الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية وبين الاحتكار :
أولاً أوجه الشبه :-
1 - كلاهما من جرائم الصفة تتشابه جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضابات الوهمية مع جريمة الاحتكار أن كلت الجريمتين تُرتكبان ترتكب من قبل من ينطق عليه وصف التاجر ، حيث يشترط في كلتا الجريمتين أن يكون الجاني ممن يمارس نشاطا اقتصاديًا منظما، ففي الإفلاس بالتقصير لا تقوم الجريمة إلا من شخص يحمل صفة التاجر أو من يتولى إدارة مؤسسة تجارية، كونه المسؤول عن القرارات المالية والمضاربات التي قد تؤدي إلى الإفلاس، وبالمثل فإن جريمة الاحتكار غالبا ما تُرتكب من قبل أشخاص أو جهات ذات وضع اقتصادي مؤثر في السوق، كالشركات الكبرى أو التجار المسيطرين على سلعة أو خدمة معينة لا تسري أحكام هذا القانون على أنشطة الإنتاج والتجارة والخدمات التي يقوم بها الأشخاص الطبيعية والمعنوية داخل العراق، كما تسري أحكامة على أية أنشطة اقتصادية تتم خارج العراق وتترتب عليها أثار داخلية، ومن ثم فإن الصفة الاحترافية أو الاقتصادية للجاني ضرورية في كلا الجريمتين، لأنها تمثل الأساس الذي تنشأ عنه المسؤولية (6).
كما تتجلى في عدة جوانب مهمة توضح أن كلا الجريمتين لا تُرتكب إلا من قبل أشخاص يتمتعون بصفات معينة ترتبط بوضعهم القانوني أو المهني:
1. الصفة الاحترافية: كلا الجريمتين تفترض وجود صفة مهنية لدى الجاني؛ ففي الإفلاس بالتقصير يشترط أن يكون الجاني تاجزا، وفي الاحتكار يشترط أن يكون الفاعل شخصا طبيعيًا أو معنويا يمارس نشاطا اقتصاديًا في السوق.
2. الصفة القانونية الجريمة في الحالتين لا تقوم إلا إذا توفر في الجاني مركز قانوني معين؛ كأن يكون التاجر قد توقف عن الدفع في الإفلاس، أو أن تكون المؤسسة في وضعية هيمنة بالسوق في جريمة الاحتكار.
3. علاقة الجريمة بالنشاط الاقتصادي: يتوقف هذا الارتباط في وجود رابطة ذاتية وذهنية بين النشاط وارادة الفاعل، فهي تستهدف المعاملات التجارية بتصرف مضاد لها.
4. حماية النظام الاقتصادي: تهدف كل من جريمة الإفلاس بالتقصير وجريمة الاحتكار إلى حماية النظام الاقتصادي الوطني، من خلال ردع السلوكيات التي تؤدي إلى اضطراب السوق أو الإضرار بالدائنين أو المنافسين.
5. تقدير الفعل وفقًا للخبرة في كلا الجريمتين غالبًا ما يُلجأ إلى أهل الخبرة لتقييم مدى توافر العناصر المكونة للجريمة، مثل تقييم "المضاربات "الوهمية في الإفلاس، أو "الهيمنة" في السوق في الاحتكار (7)
هذه الأوجه من الشبه تؤكد أن كلتا الجريمتين تنتميان إلى فئة جرائم الصفة التي تتطلب توافر شروط خاصة في الفاعل ولا يمكن أن يرتكبها أي شخص.
من حيث وصف الجريمة تتشابه كلا الجريمتين الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية والاحتكار بأنهما من الجنح في جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية، (8) وكذلك الجرائم الناشئة عن الاحتكار لقانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم (14) لسنة (2010)(9).
وفي المقابل، يُعد الإفلاس بالتقصير نتيجة لإهمال جسيم أو مضاربات وهمية غير محسوبة، تؤدي إلى انهيار المؤسسة وتضيع معها حقوق الدائنين، وتفقد الثقة في المعاملات التجارية. فكلا الفعلين يُرتكب من شخص له سلطة اقتصادية ويستغل مركزه بما يُلحق أضرارا كبيرة بالأمن الاقتصادي، ويكمن التشابه أيضا في أن القانون يعامل الفعل في الجريمتين على أنه من الجرائم ذات الخطورة الاقتصادية العالية، وقد يفرض عليهما عقوبات مشددة سواء بالحبس أو بالغرامة الكبيرة، لحماية المصلحة الاقتصادية العليا ومنع تفاقم الخطر الناتج عن هذه الأفعال، على وفق نص المادة (469) من قانون العقوبات العراقي النافذ إذ نصت على أنه (يعد مفلساً بالتقصير ويعاقب بالحبس .....) ، وكذلك الجرائم التي تنشأ عن الاحتكار تعد من قبيل الجنح كذلك الجرائم الناشئة عن الاحتكار في المادة (13) التي نصت على أولاً: يعاقب بالحبس او بالغرامة) والحبس والغرامة من قبيل العقوبات الخاصة بالجنح(10) .
كما تتشابه جريمة الاحتكار وجريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية من حيث الوصف بعدهما من الجرائم الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، التي تمس النظام المالي والاقتصادي للدولة، فكلا الجريمتين لا ترتكب إلا من قبل أشخاص ذوي صفة معينة، فجريمة الافلاس بالتقصير يشترط أن يكون فيها الجاني ،تاجراً، أما جريمة الاحتكار فتقع غالباً من قبل الاشخاص الطبيعيين أو المعنويين الذين يزاولون اقتصادا مهيمناً، كما أن كلتا الجريمتين تقومان على الاضرار بالمصلحة العامة من خلال الاخلال بالتوازن المالي أو التنافسي في السوق، وتحتاج الجريمتين الى معرفة فنية ومالية دقيقة من قبل القضاء والجهات التحقيقية لتقدير مدى التقصير او الاحتكار، ويلاحظ ان الجريمتين غالباً ما يكونان ايجابيتين في صورتهما، حيث تتجسد أفعال الجاني بسلوك ظاهر کالافراط في المضاربات او السيطرة على السوق، كما وان العقوبات في الجريمتين تتنوع بين عقوبات اصلية واخرى تبعية او تكميلية لما لها من أثر بالغ على النظام الاقتصادي والاجتماعي للدولة (11).
3- من حيث الطبيعة :- تعرف الجريمة العادية بأنها ( هي فعل أو امتناع يعاقب عليه القانون الجنائي ويؤثر على مصالح الأفراد او المجتمع)، إذ تتشابة كل من من جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية مع جريمة الاحتكار بأن كليهما تعد من الجرائم العادية (12)، كما تختلفان جريمة الاحتكار وجريمة الإفلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية من حيث الطبيعة القانونية، إذ يُنظر إلى كل منهما كجريمة اقتصادية تهدف إلى حماية النظام الاقتصادي من الأفعال المضرة بالسوق أو بالمصلحة العامة، فكلا الجريمتين تمسان الثقة بالتعاملات التجارية والمالية، وتؤثران سلباً في استقرار السوق وحقوق الدائنين والمستهلكين، كما تتصفان بطبيعة خاصة لكونهما تتطلبان فاعلا ذا صفة معينة، فمرتكب جريمة الاحتكار يجب أن يكون شخصاً ذا نفوذ اقتصادي أو مسيطراً على السوق، بينما الإفلاس بالتقصير غالبا ما يرتكبه التاجر أو مدير الشركة عند إساءة التصرف في الأموال أو اللجوء للمضاربات غير الواقعية، كذلك تشترك الجريمتان في أن سلوك الجاني فيهما يتسم بالإيجابية، أي أنه يقوم بفعل مادي يؤدي إلى الإضرار بالمصلحة الاقتصادية العامة، فضلا عن ذلك فإن كلا الجريمتين قد تتطلبان خبرات فنية في التحقيق والتدقيق المالي لإثبات أركانهما، مما يميزهما عن الجرائم التقليدية، وختاماً فإن المشرع غالباً ما يعالج كلتا الجريمتين في قوانين خاصة أو ضمن فصول مستقلة في قانون العقوبات لما لهما من طابع اقتصادي وتنظيمي خاص(13) .
إذ تختلف جريمة الإفلاس بالتقصير عن جريمة الاحتكار من حيث طبيعتها القانونية، أن الإفلاس بالتقصير تعد من الجرائم التي تمس الثقة في المجال المالي والتجاري، وتنشأ غالبا عن سلوك غير عمدي أو تقصير في التزام التاجر بالحذر والحيطة في إدارة أمواله، مما يؤدي إلى الإضرار بحقوق الدائنين فهي جريمة ذات طبيعة اقتصادية خاصة مرتبطة بسوء الإدارة التجارية، أما جريمة الاحتكار فهي من الجرائم التي تمس النظام الاقتصادي العام، وتُصنف ضمن الجرائم ذات الطابع العمدي والهيكلي، إذ يقوم الفاعل بإجراءات مقصودة لتقييد حرية السوق أو رفع الأسعار بشكل اصطناعي، تظهر جريمة الاحتكار طابعا تجميعيا ومنظماً كونها قد تُرتكب من شركات كبرى أو عبر اتفاقات ممنهجة، بينما الإفلاس بالتقصير غالبًا ما يكون فرديًا وناشنا عن قرارات شخصية خاطئة ولذلك فإن طبيعة الجريمة الأولى تتعلق بسلامة السوق والمنافسة، والثانية تتعلق بثقة المعاملات وحقوق الدائنين (14) .
5- من الجرائم المادية :- تعرف الجريمة المادية ( سلوك اجرامي بأرتكاب فعل جرمه القانون أو الامتناع عن فعل امر به القانون) (15) تشابه جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية مع جريمة الاحتكار على أنهما من الجرائم التي يتحقق فيهما النتيجة بمدلولهما المادي والقانوني معاً، يُعد الركن المادي في الجرائم الاقتصادية عنصرًا أساسيا في قيام المسؤولية الجزائية، ويختلف في طبيعته بين جريمتي الإفلاس بالتقصير والاحتكار. ففي جريمة الإفلاس بالتقصير، يتمثل الركن المادي في أفعال سلبية أو غير مدروسة يقوم بها التاجر، كالمضاربات الوهمية، أو الاستمرار في الإنفاق دون مبرر رغم العجز المالي، أو إغفال إمساك الدفاتر التجارية النظامية، وكلها تصرفات تفقد المشروع توازنه المالي وتؤدي إلى الإفلاس هذه الأفعال لا تتطلب قصدًا جنائيا خاصا، بل يكفي إثبات التصرف غير المسؤول الذي أدى إلى الإضرار بالدائنين، أما في جريمة الاحتكار فيتجسد الركن المادي في سلوك إيجابي عمدي يتمثل في تنفيذ ممارسات احتكارية كرفع الأسعار أو تقليل العرض أو عقد اتفاقات غير مشروعة لتقاسم السوق وهي أفعال تهدف إلى الإخلال بحرية المنافسة، وتشترط القوانين أن يكون هذا السلوك قد أثر فعلا أو يمكن أن يؤثر على السوق، ما يجعله سلوكًا مقصودا ومنظماً، كما تتشابه جريمة الاحتكار وجريمة الإفلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية من حيث من الجرائم المادية، أي أن كلتيهما تقوم على نشاط مادي ملموس يُحدث اضطراباً في النظام الاقتصادي أو التجاري. ففي جريمة الاحتكار، يتمثل السلوك الإجرامي في ممارسة فعل مادي كحجب السلعة أو رفع الأسعار بشكل متعمد ومخالف لقواعد السوق، مما يضر بالمستهلكين والاقتصاد العام. وفي جريمة الإفلاس ،بالتقصير، يقوم التاجر بأفعال مادية تتمثل بالمضاربات الوهمية أو التصرف في أموال الشركة بشكل غير مسؤول، ما يؤدي إلى عجزه عن سداد ديونه والحاق الضرر بالدائنين، ويُلاحظ أن كلا الجريمتين يحتاجان إلى وقوع الفعل الضار فعلياً، فلا يكفي مجرد النية أو التفكير، بل يجب تحقق الأثر المادي، كاضطراب السوق في جريمة الاحتكار، أو إعلان الإفلاس نتيجة التصرفات التجارية غير المشروعة في الإفلاس بالتقصير ومن هنا تتجلى مادية الجريمتين في ضرورة توافر عنصر الفعل الظاهر الذي يُفضي إلى نتيجة ملموسة، وهو ما يميز الجرائم المادية عن الجرائم الشكلية أو الجرائم السلوكية البحتة (16).
6- من حيث محل ألاعتداء :- كل من جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية مع جريمة الاحتكار تقعا على الاموال المتعلقة بالتجاره، حيث أن تقارب جريمتا الإفلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية والاحتكار من حيث محل الاعتداء، إذ أن كلتيهما تمثلان تهديدًا مباشرًا لعنصر المال، سواء على مستوى الأفراد أم المجتمع، ففي جريمة الإفلاس بالتقصير يُلاحظ أن التاجر أو المدين يعمد إلى التصرف في أمواله بطريقة طائشة أو غير مدروسة كالدخول في مضاربات وهمية أو إهمال إدارة أمواله مما يؤدي إلى تبديد ذمته المالية، وبالتالي الإضرار بمصالح الدائنين فالمحل المعتدى عليه هنا هو المال لأنه يمثل حق الغير المرتبط بالذمة التجارية للمفلس المتقصر، أما في جريمة الاحتكار فإن الاعتداء على المال يتخذ صورة جماعية ومجتمعية حيث يقوم المحتكر برفع الأسعار أو حجب السلع أو منع المنافسة مما يؤدي إلى استنزاف أموال المستهلكين وتحقيق أرباح غير عادلة هنا يتجاوز الاعتداء المال الخاص إلى التأثير على الاقتصاد الكلي فيهدد الاستقرار المالي العام ورغم اختلاف نطاق التأثير، فإن المال يظل هو محل الاعتداء في الجريمتين، ويُلاحظ أن الأضرار الناتجة عن هاتين الجريمتين لا تتوقف عند الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى أنعدام الثقة في التعاملات الاقتصادية سواء بين التجار والدائنين أم بين الموردين والمستهلكين كما أن القانون في كلتا الحالتين يتدخل لحماية المال بوصفه أحد أهم المصالح القانونية المحمية، لأنه يرتبط بكيانات تجارية واقتصادية تؤثر في استقرار السوق، بذلك يشترك الإفلاس بالتقصير والاحتكار في أن كليهما يعتديان على الذمم المالية أو على رؤوس الأموال، ولكن يختلفان في حجم الأثر وطبيعته، إذ أن الإفلاس بالتقصير يؤثر على نطاق ضيق، بينما الاحتكار يُلحق ضررا واسعا بالمجتمع (17).
ثانيا / أوجه الاختلاف :-
وعليه سنوضح أهم أوجه الاختلاف بين جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية وجريمة الاحتكار.
1- من حيث الركن المعنوي: تعد جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية من جرائم الخطأ إذ نصت المادة (469) لقانون العقوبات العراقي على أنه " يكون قد تسبب بتقصيره الجسيم في خسارة دائنيه ....."، في حين تعد الجرائم التي تنشأ عن الاحتكار من جرائم عمدية أذ نصت المادة (13) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار أولاً يعاقب كل من خالف أحكام القانون"، حيث المخالفة أنها تدل على الفعل الايجابي التي أوجب القانون الامتناع عنها، أذ يُعد الركن المعنوي من أهم العناصر التي تميز بين جريمة الإفلاس بالتقصير وجريمة الاحتكار، إذ يختلف القصد الجرمي في كل منهما من حيث طبيعة السلوك والإرادة المصاحبة له (18) .
تختلف جريمة الإفلاس بالتقصير عن جريمة الاحتكار من حيث الركن المعنوي في عدد من الجوانب الجوهرية التي تؤثر في طبيعة الجريمة وتحديد المسؤولية الجزائية عنها، ويمكن بيان أوجه هذا الاختلاف في النقاط الأتية:
في جريمة الإفلاس بالتقصير، يكون الركن المعنوي قائماً على الإهمال أو التقصير أو قلة الاحتياط، دون الحاجة إلى توافر نية جنائية أو قصد خاص، إذ يكفي أن يكون التاجر قد ارتكب أفعالاً من قبيل المضاربات الوهمية أو التوسع غير المحسوب في الإنفاق أو عدم مسك الدفاتر التجارية بالشكل المطلوب مما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالذمة المالية للمشروع ومن ثم إفلاسه، وهذا ما يجعلها جريمة غير عمدية بطبيعتها، أما في جريمة الاحتكار ، فإن الركن المعنوي يتمثل في القصد الجنائي العام والخاص، إذ يتطلب أن يكون الجاني قد تعد القيام بأفعال من شأنها السيطرة على السوق أو حجب السلعة أو رفع أسعارها أو الإضرار بالمنافسين أو المستهلكين، ويشترط أن يكون عالماً بأثار فعله، ومريداً ،لها ومحققاً لمصلحة اقتصادية غير مشروعة، وبذلك فإن جريمة الإفلاس بالتقصير تقوم على الخطأ غير العمدي، بينما جريمة الاحتكار تقوم على الإرادة العمدية المتجهة إلى تحقيق نتيجة مجرمة قانوناً. لذا، تختلف المسؤولية القانونية في كل منهما، حيث يُسأل المفلس بالتقصير بسبب الرعونة، أما المحتكر فيُسأل عن سوء نيته وقصده الإجرامي (19).
2 - من حيث القانون الذي عالج الجريمتين: لم ينص قانون التجارة على جريمة الافلاس بالتقصير بسبب المضاربات الوهمية، بل أن قانون العقوبات العراقي النافذ الذي عاقب على الجريمة في نص المادة (469) ، كما أن المشرع عاقب على الجرائم الناشئة عن مخالفة احكام الاحتكار في قانون المنافسة ومنع الاحتكار وذلك المادة (13)، رغم أن قانون المنافسة ومنع الاحتكار يعد من القوانين الخاصة التي تنظم المنافسة بين المحتكرين وفق ما جاء بنص المادة (2) من القانون اعلاه بنصه (20) ( يهدف هذا القانون الى تنظيم المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الضارة بالمجتمع التي يقوم بها المستثمرين أو المنتجون أو المسوقون أو غيرهم في جميع النشاطات الاقتصادية).
يضاف الى ما تقدم أن هناك اختلافاً جوهرياً بين جريمة الإفلاس بالتقصير وجريمة الاحتكار من حيث القانون الذي عالج كل جريمة، فقد عالج قانون العقوبات العراقي جريمة الإفلاس بالتقصير بوصفها جريمة جنائية ترتبط بإخلال التاجر بالتزاماته المالية نتيجة تصرفات غير مسؤولة كالمضاربات الوهمية والإهمال في إدارة أعماله، وذلك في المواد (456-457)(21). في المقابل، فإن جريمة الاحتكار عالجها قانون المنافسة ومنع الاحتكار بوصفها جريمة اقتصادية تهدف إلى حماية السوق والمستهلك من الممارسات المنافية للمنافسة كحجب السلع أو رفع الأسعار اصطناعياً أو استغلال المركز المسيطر ، ويُعد الفرق الجوهري في أن قانون العقوبات يتعامل مع الإفلاس بالتقصير كجريمة تمس الذمة المالية للمدين وتستهدف حماية حقوق الدائنين، بينما يتعامل قانون المنافسة مع الاحتكار كفعل يُخل بالتوازن الاقتصادي ويؤثر على النظام العام الاقتصادي، كما أن الجهتين المختصتين بالتحقيق والمحاكمة تختلفان حيث يُحال المفلس المقصر غالباً إلى المحاكم الجزائية العامة، أما المحتكر فيُحال إلى محكمة مختصة أو هيئة خاصة بالنظر في الجرائم الاقتصادية أو المخالفات التجارية.
3- من حيث المصلحة المحمية : تختلف جريمة الإفلاس بالتقصير عن جريمة الاحتكار من حيث المصلحة القانونية المحمية التي يسعى كل تشريع إلى صيانتها من خلال تجريم الأفعال المرتبطة بهما، فجريمة الإفلاس بالتقصير، وخاصة تلك الناشئة عن المضاربات الوهمية تحمي بالدرجة الأولى حقوق الدائنين واستقرار المعاملات المالية والتجارية، إذ يسعى المشرع إلى ضمان عدم تلاعب التاجر بماله أو بأموال الآخرين على نحو يؤدي إلى عجزه عن الوفاء بديونه بطرق غير مشروعة أو نتيجة إهماله الجسيم (22).
أما جريمة الاحتكار ، فإنها تهدف إلى حماية المصلحة الاقتصادية العامة والمستهلكين من هيمنة فئة معينة من التجار أو الشركات على السوق، حيث يؤدي الاحتكار إلى تعطيل آليات العرض والطلب، ورفع الأسعار، وإضعاف المنافسة، ما يضر بالصالح العام، من هذا المنطلق، يُلاحظ أن المصلحة المحمية في الإفلاس بالتقصير ذات طابع فردي خاص (الدائنون)، بينما المصلحة في جريمة الاحتكار ذات طابع جماعي عام (المجتمع والسوق)، مما يعكس اختلاف جوهر كل جريمة من حيث الغاية القانونية من تجريمها (23) .
4- من حيث تأقيت السلوك :- يظهر الاختلاف بين جريمة الإفلاس بالتقصير وجريمة الاحتكار من حيث تأقيت السلوك بشكل واضح من طبيعة الفعل الجرمي لكل منهما. فجريمة الإفلاس بالتقصير تعد من الجرائم الوقتية، لأن السلوك الإجرامي المتمثل في قيام التاجر بتصرفات مالية غير مسؤولة، كالمضاربات الوهمية أو التصرف في أموال المشروع بطريقة تضر بالدائنين، يحدث في لحظة معينة أو في مدة زمنية قصيرة تنتهي بتحقق الإفلاس. وبمجرد صدور حكم الإفلاس من المحكمة يُعتبر الفعل قد اكتمل من حيث الزمن ولا يستمر، أما جريمة الاحتكار فهي تعد من الجرائم المستمرة، لأن سلوك الجاني يتمثل في الامتناع عن بيع سلعة، أو إخفائها، أو رفع سعرها بغرض السيطرة على السوق، وهذا السلوك يستمر مع مرور الوقت طالما أن الفعل الاحتكاري لا يزال قائماً ويؤثر على السوق والمستهلك، ومن ثم فإن مدة الجريمة في الاحتكار قد تطول، وتبقى قائمة إلى أن يتوقف السلوك الاحتكاري طوعاً أو بفعل تدخل قانوني، هذا التباين في تأقيت السلوك له أثر مهم في تحديد بدء سريان التقادم، وصلاحية جهات الضبط للتدخل، وإمكانية إحالة القضية إلى القضاء (24) .
__________
1- الفقرة (ثانيا)، المادة (1) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي رقم (14) لسنة (2010) المنشور في الوقائع العراقية.
2- المادة (4-5) من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية المصري رقم (3) لسنة (2005).
3- محمد سلمان الغريب الاحتكار والمنافسة غير المشروعة دار النهضة العربي مصر، القاهرة، 2004، ص 111.
4- نص الفقرة السادسة من المادة الأولى من قانون المنافسة العراقي بأن المقصود بسعر الشراء الحقيقي (السعر المثبت في قائمة الشراء بعد تنزيل الخصومات المنصوص عليها فيها).
5- المادة (6) من الامر رقم (03-03) والمؤرخ في (26 يوليو 2003).
6- ينظر : باسم محمد صالح القسم الأول للقانون التجاري، مكتبة السنهوري بغداد، دون سنة نشر، ص87.
7- المواد (7-8-9-10) من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية المصري.
8- الفقرة (ثانيا) من المادة (469) من قانون العقوبات العراقي.
9- الفقرة (أولاً) من المادة (13) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم (14) لسنة (2010) .
10- قانون العقوبات العراقي النافد المواد المتعلقة بجرائم الافلاس، وقانون المنافسة ومنع الاحتكار، ينظر البسطويسي، الجرائم الاقتصادية، دار النهضة العربية القاهره، 2015، ص178.
11- المادة (3) من الامر رقم (303) والمؤرخ في 19 جويلية لسنه 2003 المتعلق بالمنافسة الجزائري المعدل والتمم.
12- المادة (20) من قانون العقوبات العراقي.
13- المادة (2-3) من باب الافلاس في قانون التجارة العراقي.
14- د. إلياس ناصيف موسوعة الوسيط في قانون التجارة، ج 6، أحكام الافلاس، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2008، ص21.
15- المادة (28) من قانون العقوبات العراقي.
16- د.حسام الدين محمد أحمد الافلاس الجنائي دراسة مقارنة، الطبعة الثالثة دار النهضة العربية، 2003، ص 166.
17- د. ناصر محسن الشمري شرح قانون العقوبات القسم الخاص الجرائم الاقتصادية، منشورات دار الثقافة، بغداد، بدون سنة نشر، ص 167-173.
18- الفقرة (أولاً) من المادة (13) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي .
19- المادة (3) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي
20- المادة (2) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي .
21- المواد من (469) من قانون العقوبات العراقي .
22- الفقرة (2) من المادة (13) من باب الافلاس النافذ من قانون التجارة العراقي.
23- الفقرة (1) من المادة (3) من قانون المنافسة ومنع الاحتكار.
24- المادة ( 80-81) من قانون العقوبات العراقي
الاكثر قراءة في القانون التجاري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)