نقول حول الإعلان العامّ عن ولاية مولى الموحّدين وأمير المؤمنين عليه السلام أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم كان حذراً خائفاً، وذلك لما عرفناه من الحالة العامّة للصحابة والمعارضين إجمالًا. كان رسول الله خائفاً من عواقب إعلانه عن ولاية الإمام عليه السلام؟
ولم يخف نبيّنا الأكرم على نفسه من القتل، أو الرمي من شاهق، أو سقيه السمّ؛ ذلك لأنه كان لا يرى لنفسه أيّ قيمة أمام أمر الله، إذ سلّم أمره للّه كاملًا ونذر نفسه الشريفة للّه كأسهل ما يكون بكلّ إخلاص، بل كان خائفاً من تمرّد الناس؛ من أن يعمد المعارضون الذين كانوا من الشخصيّات الاجتماعيّة المتنفّذة ولهم مكانتهم المرموقة بين الناس ويعرفون كيف يحرّكونهم وقد ملكوا قلوبهم ودخلوا في نفوسهم، إلى إنكار النبوّة دفعةً واحدة وإلى الارتداد عن الإسلام، ويعلنون للناس أنّ هذه الخطوة التي أقدم عليها النبيّ العظيم تترجم حبّه للجاه والرئاسة. وأنّ النبوّة حكومة مادّيّة ورئاسة ظاهريّة، ويقولون للناس: ها هو يودّع الحياة جاعلًا الرئاسة والإمامة لصهره وابن عمّه. إذ ليس للنبيّ ولد يرثه، والصهر عند انتفاء الولد في حكم الولد والوارث. وها هو قد فوّض الرئاسة التي هي في حكم التاج والعرش إلى زوج ابنته.
ولو كانوا قد فعلوا ذلك، وعارضوا في ذلك المجلس العلنيّ، وتجاوزوا حدودهم بالامتهان والتمرّد وإثارة الفتن، فما الذي كان سيحدث؟ إنّ النبوّة والجهود الشاقّة التي بذلها النبيّ خلال ثلاث وعشرين سنة كانت ستذهب سدىً وتضيع ولا يبقى منها شيء وسيشعر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالخجل والمسئوليّة في مقابل العهد الذي قطعه لربّه أن يضطلع بعبء النبوّة مع جميع ما يكتنفها من مشاكل ومصاعب، لذلك كان النبيّ ينتظر الفرصة المناسبة والوقت الملائم، ويقوّي الأرضيّة ويمهّد الأجواء أكثر فأكثر. وعلى الرغم من أنّ جبريل الأمين قد هبط وأمره بتبليغ ولاية ابن عمّه للناس، غير أنه لم يحدّد وقتاً للتبليغ. ومع كافّة تلك الخصوصيّات والكيفيّات والسفر العظيم المتمثّل بحجّة الوداع التي كان أساسها لتعليم مناسك الحجّ، وبالأخص للإعلان عن الولاية العامّة، كان النبيّ يعمل دائباً وباستمرار لإعداد الأرضيّة المناسبة ويخطّط لها.
فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكان قد أرسله إلى اليمن أن يرجع إلى مكّة ومعه جزية أهل نجران. والتقيا في مكّة؛ وأصبحا شريكين في الحجّ، ونحرا مائة من البُدن في منى. وكان الفخر في المشاركة في الحجّ من نصيب مولى الموالى فحسب. وقد ثقل ذلك على البعض؛ بخاصّة اولئك الذين رفعوا عقيرتهم بالاعتراض في العمرة وحجّ التمتّع. فأرهقوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأغضبوه وأزعجوه كثيراً.
وخطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مكّة وعرفات ومنى خمس خطب. وكلّما أراد أن يعلن للملأ بصراحة عن ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عملا بتعليمات جبرئيل في هذا الصدد. وشعوراً بالمسؤوليّة حيال عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لم يجد الفرصة مؤاتية لذلك. فلهذا كان يوصي بعترته وأهل بيته في تلك الخطب.
فهذه درجة متقدّمة، إذ تمهّد الأرضيّة للإعلان والتعريف الشخصيّ؛ وحتّى أننا نجد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في آخر خطبة خطبها بمنى يوصي بكتاب الله وعدم افتراقه عن العترة الطاهرة من أهل بيت النبوّة. وأنهما متلازمان متلاصقان لا يفترقان؛ وأنهما مترافقان إلى قيام الساعة حتّى يردا على رسول الله الحوض في تلك العرصات. وأنهما معاً يضمنان سعادة الإنسان دوماً وأبداً.
ثمّ خرج النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم من مكّة يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجّة. وتوجّه إلى المدينة مع تلك المواكب والمحامل، وفي غد ذلك اليوم وقبل يوم الغدير بثلاثة أيّام نزل جبرئيل بقوله عزّ من قائل: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ}.[1]
نزلت الآية المذكورة بهذه الشدّة والتهديد بأنه لا يوجد وقت للتفكير بالمصلحة وإعداد الأرضيّة؛ إذ ينقضي الوقت وتمرّ الفرصة مرّ السحاب؛ والله جلّ شأنه هو المتكفّل لحفظ الإسلام وصيانته من تلاعب الكفّار، وهو الذي يحول بينهم وبين مآربهم.
إنّ الولاية على درجة من الأهميّة بحيث جعلت مكافئة للنبوّة وفي منزلتها وإذا ما فرّطتَ في الإعلان عنها، فإنّك لم تضطلع بأعباء الرسالة.
ولا بدّ أن يُقَدَّمَ عَلِيّ عليه السلام إلى الملأ، ويُعَرَّف لهم في مجلس واحد يشهده الجميع، فهو حافظ دينك ورسالتك بعدك! وهو الذي نُصِبَ خَليفة ووارثاً ووليّاً بعدك منذ اليوم الأوّل الذي تألّق فيه فجر الدعوة، وذلك في مجلس العشيرة، ووفقاً لآية الإنذار وحديث العشيرة! وهو الذي رافقك خطوة خطوة في كلّ سنة وشهر ويوم وساعة، وواساك في السرّاء والضرّاء، وكشف الكرب والغمّ والحزن عن وجهك المنير في الغزوات والسرايا بسيفه البتّار! وهو بحر العلم ويمّ المعرفة الخضمّ الموّاج، العلم الذي ارتشفه منك متّبعاً أثرك متتلمذاً على يديك، وقد تعلّم في كلّ يوم باباً من العلم كان يفتح منه ألف باب! وهو الذي بات في فراشك ليلة الهجرة، وعرّض نفسه للبلاء مضحيّاً بها في سبيلك، وجلس جبريل وميكال عنده حتّى الصباح، وباهى الله به ذينك المَلَكين المقرّبين!
تحرّك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى إذا قارب الجُحْفَة- حيث ينفصل طريق المدينة عن الشام والعراق، وحيث النقطة الأخيرة التي تتلاقى فيها قوافل الحجّ، ومنها يفترقون- حطّ رحاله في وادي غدير خُمّ.
وأمر جميع الحجّاج أن يجتمعوا، فهذا هو المكان الذي ينصّب فيه أمير المؤمنين عليه السلام.
وجاء في بعض الروايات والتفاسير أنّ قوله: بَلِّغْ ... نزل في هذا المكان؛ وعندئذٍ نزل النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصدر أوامره المباركة باجتماع الحجيج.
[1] الآية67، من السورة 5: المائدة.