

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
فتح ألف باب من العلم لأمير المؤمنين عليه السلام
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج12، ص238-276
2026-03-29
19
روى أبو نُعَيم الحافظ الأصفهانيّ باسناده عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ عليه السلام قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ألْفَ بَابٍ، يُفْتَحُ كُلُّ بَابٍ إلَى ألْفَ بَابٍ.
وقد روى أبو جعفر بن بابويه هذا الخبر في «الخصال» من أربعة وعشرين طريقاً، وسعد بن عبد الله القمّيّ في «بصائر الدرجات» من ستّة وستّين طريقاً.
وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: كَانَ في ذُؤَابَةِ سَيْفِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ صَحِيفَةٌ صَغِيرَةٌ هِيَ الأحْرُفِ التي يَفْتَحُ كُلُّ حَرْفٍ ألَفَ حَرْفٍ، فَمَا خَرَجَ مِنْهَا حَرْفَانِ حتى السَّاعَةِ.
وفي رواية أنّ عليّاً عليه السلام دفع تلك الصحيفة إلى الحسن عليه السلام. فقرأ منها حروفاً. ثمّ أعطاها الحسين عليه السلام، فقرأها أيضاً، ثمّ أعطاها محمّد ابن الحنفيّة فلم يقدر على أن يفتحها.
وقال أبو القاسم البُستيّ: وذلك نحو أن يقول: الرِّبَا في كُلِّ مَكِيلٍ في العَادَةِ أي مَوْضِعٍ كَانَ وفي كُلِّ مَوْزُونٍ.
ونحو أن يقول: يَحِلُّ مِنَ البَيْضِ كُلُّ مَا دَقَّ أعْلَاهُ وغَلُظَ أسْفَلُهُ.
ونحو أن يقول: يَحرُمُ مِنَ السِّبَاعِ كُلُّ ذِي نَابٍ، وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، ويَحِلُّ البَاقِي.
وكذلك قول الصادق عليه السلام: كُلُّ مَا غَلَبَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ أمْرِهِ فَاللهُ أعْذَرُ لِعَبْدِهِ.
قال الحِميَريّ:
حَدَّثَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ *** ألْفَ حَدِيثٍ مُعْجِبٍ حَاجِبِ
كُلُّ حَدِيثٍ مِنْ أحَادِيثِهِ *** يَفْتَحُ ألْفَ عُدَّةِ الحَاسبِ
فَتِلْكَ وَفَّتْ ألْفَ بَابٍ لَهُ *** فِيهَا جِمَاعُ المُحْكَمِ الصَّائِبِ[1]
وقال أيضاً:
وَكَفَاهُ بِألْفِ ألْفِ حَدِيثٍ *** قَدْ وعَاهُنَّ مِنْ وَحْيِ مَجِيدِ
وقال كذلك:
قَدْ وَعَاهَا في مَجْلِسٍ بِمَعَانِيهَا *** وأسْبَابِهَا ووَقْتِ الحُدُودِ[2]
عَلِيّ أميرُ المؤمِنِينَ أخُو الهُدَى *** وأفْضَلُ ذِي نَعْلٍ ومَنْ كَانَ حَافِيا
أسَرَّ إلَيْهِ أحْمَدُ العِلْمَ جُمْلَةً *** وكَانَ لَهُ دُونَ البَرِيَّةِ وَاعِيَا
وَدَوَّنَهُ في مَجْلِسٍ مِنْهُ وَاحِدٍ *** بِألْفِ حَدِيثٍ كُلُّهَا كَانَ هَادِيَا
وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْ اولَئِكَ فَاتِحٌ *** لَهُ ألْفَ بَابٍ فَاحْتَوَاهَا كَمَاهِيَا[3]
وروى أبان بن تَغْلِب، والحسين بن معاوية، وسليمان الجعفريّ، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر كلّهم عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام أنّه قال: لمّا حضر رسول الله صلى الله عليه وآله الممات، دخل عليه عليّ عليه السلام، فأدخل رأسه معه، ثمّ قال: يَا عَلِيّ! إذَا أنَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي وكَفِّنِي، ثُمَّ أقْعِدْنِي وسَايِلْنِي واكْتُبْ.
وفي «تهذيب الأحكام» بهذا اللفظ: فَخُذْ بِمَجَامِعِ كَفَنِي وأجْلِسْنِي ثُمَّ اسْألْنِي عَمَّا شِئْتَ، فَوَ اللهِ لَا تَسْألُنِي عَنْ شَيءٍ إلَّا أجَبْتُكَ فِيهِ.
وجاء في رواية أبي عوانة بإسناده: قَالَ عَلِيٌّ: فَفَعَلْتُ فَأنْبَأنِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.[4]
وروى جميع بن عمير التيميّ عن عائشة في خبر أنّها قالت: وسَالَتْ نَفْسُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ في كَفِّهِ (كفّ عليّ عليه السلام) ثُمَ رَدَّهَا في فِيهِ.
وبلغني عن الصفوانيّ أنّه قال: حدّثني أبو بكر بن مهرويه بإسناده إلى امّ سلمة في خبر، قالت: كنتُ عند النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، فدفع إليّ كتاباً فقال: من طلب هذا الكتاب منكِ ممّن يقوم بعدي، فادفعيه إليه! ثمّ ذكرت قيام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأنّهم ما طلبوه.
وقالت: فلمّا بويع عليّ عليه السلام، نزل عن المنبر، ومرّ، وقال لي: يا امّ سلمة هاتي الكتاب الذي دفعه إليكِ رسول الله صلى الله عليه وآله. فقلتُ له: أنتَ صاحبه؟ فقال: نعم. فدفعته إليه. وسئل عليّ عليه السلام: ما كان في الكتاب؟ قال: كُلُّ شَيءٍ دُونَ قِيَامِ السَّاعَةِ.
وفي رواية ابن عبّاس: فلمّا قام عليّ عليه السلام بأمر الخلافة، أتاها وطلب الكتاب، ففتحه ونظر فيه فقال: هَذَا عِلْمُ الأبَدِ.
وقال الصادق عليه السلام: يَمُصُّونَ الثِّمَادَ ويَدَعُونَ النَّهْرَ العَظِيمَ. (الثماد جمع الثَّمْد، وهو الماء القليل والنزّ[5] الذي يتجمّع في الشتاء وينضب في الصيف).
فسئل عن معنى ذلك، فقال: عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأسْرِهِ أوْحَاهُ اللهُ إلَى مُحَمَّدٍ، فَجَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ عَلِيّ، وكَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَدَّعِي في العِلْمِ دَعْوَى مَا سُمِعَتْ قَطُّ مِنْ أحَدٍ.
وروى حنش الكنانيّ أنّه سمع عليّاً يقول: واللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالاتِ وتَصْدِيقِ العِدَاتِ وتَمَامِ الكَلِمَاتِ.
وقوله عليه السلام: إنَّ بَيْنَ جَنْبَيّ لَعِلْماً جَمَّاً لَوْ أصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، شاهد على ذلك.
وقوله أيضاً: لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً.
وروى عن سلمان أنّ عليّاً قال: عِنْدِي عِلْمُ المَنَايَا والبَلَايَا والوَصَايَا والأنْسَابُ (تُعرف به الأنساب)، وفَصْلُ الخِطَاب (وبه يتميّز الحقّ عن الباطل بنحو جازم)، ومَوْلِدُ الإسْلَامِ ومَوْلدُ الكُفْرِ (وبه يتّضح المخلوق من فطرة الإسلام، والمخلوق من فطرة الكفر)، وأنَا صَاحِبُ المِيسَمِ (حديدة أو شيء آخر يُوسَم به ويُختم ويُكْوَى. وبواسطة هذا المِيسَم يسم الإمام المنافقين والمنكرين والظالمين يوم القيامة بعلامة جهنّم ليعرفوا أنّهم من أهلها)، وأنَا الفَارُوقُ الأكْبَرُ (أنا أكبر فاصل ومميّز بين السعادة والشقاء، وأهل الجنّة وأهل النار، والحقّ والباطل، والإيمان والكفر)، ودَوْلَةُ الدُّوَلِ (أي: موضع الانقلابات والتغييرات). فَسَلُونِي عَمَّا يَكُونُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وعَمَّا كَانَ قَبْلِي وعَلَى عَهْدِي وإلَى أنْ يُعْبَدَ اللهُ.
قال ابن المُسَيِّب: مَا كَانَ في أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أحَدٌ يَقُولُ: سَلُونِي، غَيْرُ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.[6]
وقال ابن شُبْرُمة: مَا أحَدٌ قَالَ عَلَى المِنْبَرِ: سَلُونِي، غَيْرُ عَلِيّ.
وقال الله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ.[7] وقال: وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.[8] وقال أيضاً: ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.[9] فإذا كان ذلك غير موجود في ظاهره، فهل يكون موجوداً إلّا في تأويله؟
كما قال تعالى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.[10] (أي الحقائق الباطنيّة وتأويل القرآن) وهو الذي عني عليه السلام بقوله: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي.
ولو كان قد عنى به ظاهره، ففي الامّة كثير يعلم ذلك ولا يخطئ فيه حرفاً. ولم يكن علي عليه السلام ليقول من ذلك على رؤوس الأشهاد ما يعلم أنّه لا يصحّ من قوله، وأنّ غيره يساويه فيه، أو يدّعي على شيءٍ منه معه. فاذا ثبت أنّه لا نظير له عليه السلام في العلم، صحّ أنّه أولى بالإمامة. قال ابن حمّاد:
قُلْتَ سَلُونِي قَبْلَ فَقْدِي إنَّ لِي *** عِلْمَاً ومَا فِيكُمْ لَهُ مُسْتَوْدَعُ
وَكَذَاكَ لَوْ ثُنِى الوَسَادُ حَكَمْتُ *** بِالكُتُبِ التي فِيهَا الشَّرَائِعُ تُشْرَعُ
وقال العونيّ:
وَكَمْ عُلُومٍ مَقَفَلَاتٍ في الوَرَى *** قَدْ فَتَحَ اللهُ بِهِ أقْفَالَهَا
حَرَّمَ بَعْدَ المُصْطَفَى حَرَامَهَا *** كَمَا أحَلَّ بَيْنَهُمْ حَلَالَهَا
وَكَمْ بِحَمْدِ اللهِ مِنْ قَضِيَّةٍ *** مُشْكِلَةٍ حَلَّ بِهِمْ إشكَالَهَا
حتى أقَرَّتْ أنْفُسُ القَوْمِ بِأنْ *** لَوْ لَا الوَصِيّ ارْتَكَبَتْ ضَلَالَهَا
وقال العونيّ أيضاً:
وَمَنْ رَكِبَ الأعْوَادَ يَخْطُبُ في الوَرَى *** وقَالَ: سَلُونِي قَبْلَ فَقْدِي لُافْهِمَا
وقال ابن حمّاد:
هَلْ سَمِعْتُمْ بِقَائِلٍ قَبْلَهُ *** قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِ
وله أيضاً:
سَلُونِي أيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ فِقْدَانِي *** فَعِنْدِي عِلْمُ مَا كَانَ ومَا يَأتِي ومَا يَأنِي
شَهِدْنَا أنَّكَ العَالِمُ في عِلْمِكَ رَبَّانِي *** وقُلْتَ الحَقَّ يَا حَقُّ ولَمْ تَنْطِقْ بِبُهْتَانِ
وله كذلك:
مَن قَالَ بِالبَصْرَةِ لِلنَّاسِ سَلُونِي *** مِنْ قَبْلِ أنْ افْقَدَ مِنْ طُرْقِ السَّمَاء
وقال زيد المرزكيّ:
مَدِينَةُ العِلْمِ عَلِيّ بَابُهَا *** وكُلُّ مَنْ حَادَ عَنِ البَابِ جَهَلْ
أمْ هَلْ سَمِعْتُمْ قَبْلَهُ مِنْ قَائِلٍ *** قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ إدْرَاكِ الأجَلْ
وأنشد شاعر آخر قائلًا:
قَالَ: اسْألُونِي قَبْلَ فَقْدِي وذَا *** إبَانَةٌ عَنْ عِلْمِهِ البَاهِرِ
لَوْ شِئْتُ أخْبَرْتُ بِمَنْ قَدْ مَضَى *** ومَا بَقِي في الزَّمَنِ الغَابِر[11]
وروى ابن شهرآشوب أيضاً عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في تفسير الآية الشريفة: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[12] أنّه قال: كَانَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ يَخْشَى اللهَ ويُرَاقِبُهُ ويَعْمَلُ بِفَرائِضِهِ ويُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ.
وروى الصفوانيّ في كتاب «الإحن والمحن» عن الكَلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: لَحْمَ، اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ. عسق، عِلْمُ عَلِيّ سَبَقَ كُلَّ جَمَاعَةٍ وتعالى عَنْ كُلِّ فِرْقَةٍ.[13]
و خاطب الزاهيّ أمير المؤمنين عليه السلام واصفاً بحر علمه الموّاج المتلاطم فقال:
مَا زِلْتَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ مُنْفَرِدَاً *** بَحْرَاً يَفِيضُ عَلَى الوُرَّادِ أزْخُرُهُ
أمْوَاجُهُ العِلْمُ والبُرْهَانُ لُجَّتُهُ *** والحِلْمُ شَطَّاهُ والتَّقْوَى جَوَاهِرُهُ[14]
(فإذا ماج البحر، تألّق ذلك العلم والوضوح والبرهان وأبرز حقيقته). وحلمك وصبرك كجانبي البحر، إذ يحفظان بحر العلم والمعرفة المتلاطم الزخّار (و لا يدعان مياهه تنساب منه، فتطغى كثرة العلم، وينفلت الزمام، ويُفرض على الناس كلام فوق طاقتهم، أو تُحسم امورهم بالسيف).
وإنّ ما يُعدّ من جواهر هذا البحر وأشيائه النفيسة، وما يحصل منه من جوهرة ثمينة هو التقوى والعصمة والطهارة التي يُتْحَفُ بها عالم الإنسانيّة.
أجل، إنّ ما اثِر عن الإمام في العلوم الإلهيّة والمعارف السبحانيّ ووحدة ذات الحقّ تعالى وتقدّس، وكشف رموز العالم وأسراره العجيبة، سواء كان في «نهج البلاغة» أم في سائر الكتب، على درجة عالية من العظمة والفخامة، وله مرتبته السامقة الرفيعة البالغة ذروة العلوّ والرفعة بحيث حيّر العقول. ولم يكن أحد قبل الإمام وبعده يباريه في درجته أو يفاضله. وننقل فيما يأتي عدداً من الأخبار في هذا الموضوع:
الأوّل: حديث ذِعْلب الذي رواه الشيخ الصدوق عن أحمد بن الحسن القطّان، وعليّ بن أحمد بن محمّد بن عِمران الدقّاق، وهما روياه عن أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان، وهو رواه عن محمّد بن العبّاس، وهذا رواه عن محمّد بن أبي السَّرِيّ، ومحمّد نقله عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعد الكِنانيّ، عن الأصبغ بن نُباتة قال: لمّا جلس عليّ عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله، لابساً بردة رسول الله صلى الله عليه وآله، متنعّلًا نعل رسول الله صلى الله عليه وآله، متقلّداً سيف رسول الله صلى الله عليه وآله، فصعد المنبر، فجلس عليه متمكّناً، ثمّ شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثمّ قال:
يَا مَعْشَرَ النَّاسِ! سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، هَذَا سَفَطُ (نوع من الزنبيل أو الجوالق يوضع فيه الحِمل) العِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ، هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ زَقَّاً زَقَّاً، سَلُونِي فَإنَّ عِنْدِي عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. أمَا واللهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لأفْتَيْتُ أهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ حتى تَنْطِقَ التَّوْرَاةُ فَتَقُولَ: صَدَقَ عَلِيّ، مَا كَذَبَ، لَقَدْ أفْتَاكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ في.
وَأفْتَيْتُ أهْلَ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ حتى يَنْطِقُ الإنْجِيلُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِيّ، مَا كَذَبَ، لَقَدْ أفْتَاكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ في.وَ أفْتَيْتُ أهْلَ القُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ حتى يَنْطِقَ القُرْآنُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِيّ، مَا كَذَبَ، لَقَدْ أفْتَاكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ في، وأنْتُمْ تَتْلُونَ القُرْآنَ لَيْلًا ونَهَارَاً.[15] (والقرآن كتاب يعنيكم وأنتم تشتغلون به وتأنسون إليه) فَهَلْ فِيكُمْ أحَدٌ يَعْلَمُ مَا نَزَلَ فِيهِ؟
وَلَوْ لَا آيَةٌ في كِتَابِ اللهِ لأخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ وبِمَا يَكُونُ ومَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وهِيَ هَذِهِ الآيَةُ: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ .[16] (أصل الكتب والمقدّرات والقضاء الذي لا يقبل التبديل والتغيير).
ثمّ قال: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ اللهِ الذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ لَوْ سَألْتُمُونِي عَنْ أيَةٍ في لَيْلٍ انْزِلَتْ أوْ في نَهَارٍ انْزِلَتْ؟ مَكِّيِّهَا ومَدَنِيِّهَا؟ سَفَريِّهَا وحَضَرِيِّهَا؟ نَاسِخِهَا ومَنْسُوخِهَا؟ مُحْكَمِهَا ومُتَشَابِهِهَا؟ وتَأوِيلِهَا وتَنْزِيلِهَا؟ لأخْبَرْتُكُمْ.
فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ ذِعلِبٌ، وكَانَ ذَرِبَ اللِّسَانِ، بَلِيغَاً في الخُطَبِ، شُجَاعَ القَلْبِ، فَقَالَ: لَقَدِ ارْتَقَى ابْنُ أبِي طَالِبٍ مِرْقَاةً صَعْبَةً، لُاخجِّلَنَّهُ اليَوْمَ لَكُمْ في مَسْألَتِي إيَّاهُ.
فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! لَمْ أكُنْ بِالَّذِي أعْبُدُ رَبّاً لَمْ أرَهُ. قَالَ: فَكَيْفَ رَأيْتَهُ؟ صِفْهُ لَنَا.
قَالَ: وَيْلَكَ! لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الأبْصَارِ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإيمَانِ. وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! إنَّ رَبِّي لَا يُوصَفُ بِالبُعْدِ (ولا يمكن أن يقال له: بعيد)، ولَا بِالحَرَكَةِ، ولَا بِالسُّكُونِ (لا يمكن أن يقال له: متحرّك أو ساكن)، ولَا بِالقِيَامِ قِيَامَ انْتِصَابٍ، ولَا بِجِيئَةٍ ولَا بِذَهَابٍ (ولا يمكن أن يقال له: قائم، وجائي وذاهب)، لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لَا يُوصَفُ بِالُّلطْفِ، عَظِيمُ العَظَمَةِ لَا يُوصَفُ بِالعِظَمِ (ولا يمكن أن يقال له: عظيم)، كَبِيرُ الكِبْرِيَاءِ لَا يُوصَفُ بِالكِبَرِ (ولا يمكن أن يقال له: كبير)، جَلِيلُ الجَلَالَةِ لَا يُوصَفُ بِالغِلَظِ، رؤُوفُ الرَّحْمَةِ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ،[17] مُؤْمِنٌ لَا بِعَبادَةٍ، مُدْرِكٌ
لَا بِمِجَسَّةٍ، قَائِلٌ لَا بِاللَّفْظِ.
هُوَ في الأشْيَاءِ عَلَى غَيْرِ مُمَازَجَةٍ (فتشتبه الخالقيّة والمخلوقيّة)، خَارِجٌ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مُبَايَنَةٍ (و يظهر الانقطاع من حيث القيام الوجوديّ والذاتيّ بينها)، فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ فَلَا يُقَالُ: شَيءٌ فَوْقَهُ، وأمَامَ كُلِّ شَيءٍ فَلَا يُقَالُ: لَهُ أمَامٌ. دَاخِلٌ في الأشْيَاءِ لَا كَشَيْءٍ في شَيْءٍ دَاخِلٍ، وخَارِجٌ مِنْهَا لَا كَشَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ.
فخرّ ذِعلب مغشيّاً عليه، ثمّ قال: تاللهِ ما سمعتُ بمثل هذا الجواب. والله لاعدتُ إلى مثلها.
ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين! كيف يؤخذ من المجوس الجِزية ولم ينزل عليهم كتاب، ولم يُبعث إليهم نبيّ؟
قال عليه السلام: بلى يا أشعث؛ قد أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم رسولًا. حتى كان لهم مَلِكٌ سكر ذاتَ ليلةٍ فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلمّا أصبح تسامع به قومه، فاجتمعوا إلى بابه، فقالوا: أيّها الملك! دنّست علينا ديننا وأهلكته، فاخرج نطهِّرْك ونُقِم عليك الحدّ. فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي، فان يكن لي مخرج ممّا ارتكبتُ، وإلّا فشأنكم.
فاجتمعوا، فقال لهم: هل علمتم أنّ الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وامّنا حوّاء؟ قالوا: صدقتَ أيّها الملك. قال: أفليس قد زوّج بنيه من بناته وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقتَ أيّها الملك، هذا هو الدين (فلا إشكال في نكاح المحارم والبنت والامّ والاخت). فتعاقدوا على ذلك
(و منذ ذلك الحين تزوّجوا بمحارمهم).[18]
وعلى هذا الأساس محا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب. فهم كفرة يدخلون النار بلا حساب، والمنافقون أشدّ حالًا منهم.
قال الأشعث: والله ما سمعتُ بمثل هذا الجواب. والله لاعدتُ إلى مثلها أبداً.
ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عصاه، فلم يزل يتخطّى الناس حتى دنا منه عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين! دلّني على عمل إذا عملتُه نجّاني الله من النار.
قَالَ لَهُ: اسْمَعْ يَا هَذَا ثُمَّ افْهَمْ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ. قَامَتِ الدُّنْيَا بِثَلَاثَةٍ: بِعَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ لِعِلْمِهِ، وبَغَنِيّ لَا يَبْخَلُ بِمَالِهِ عَلَى أهْلِ دِينِ اللهِ، وبِفَقِيرٍ صَابِرٍ، فَاذَا كَتَمَ العَالِمُ عِلْمَهُ، وبَخِلَ الغَنِيّ، ولَمْ يَصْبِرِ الفَقَيرُ، فَعِنْدَهَا الوَيْلُ والثُّبُورُ، وعِنْدَهَا يَعْرِفُ العَارِفُونَ بِاللهِ أنَّ الدَّارَ قَدْ رَجَعَتْ إلَى بَدْئِهَا، أي: الكُفْرِ بَعْدَ الإيمَانِ.
أيُّهَا السَّائِلُ! فَلَا تَغْتَرَّنَّ بِكَثْرَةِ المَسَاجِدِ وجَمَاعَةِ أقْوَامٍ أجْسَادُهُمْ مُجْتَمِعَةٌ وقُلُوبُهُمْ شَتَّى. أيُّهَا السَّائِلُ! إنَّمَا النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: زَاهِدٌ ورَاغِبٌ وصَابِرٌ. فَأمَّا الزَّاهِدُ فَلَا يَفْرَحُ بِشَيءٍ مِنَ الدُّنْيَا أتَاهُ ولَا يَحْزَنُ عَلَى شَيءٍ مِنْهَا فَاتَهُ. وأمَّا الصَّابِرُ فَيَتَمَنَّاهَا بِقَلْبِهِ، فَانْ أدْرَكَ مِنْهَا شَيْئاً، صَرَفَ عَنْهَا نَفْسَهُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ سُوءٍ عَاقِبَتِهَا. وأمَّا الرَّاغِبُ فَلَا يُبَالِي مِنْ حِلٍّ أصَابَهَا أمْ مِنْ حَرَامِ.
قال له ذلك السائل: يا أمير المؤمنين! فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قَالَ: يَنْظُرُ إلَى مَا أوْجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ حَقٍّ فَيَتَوَلَّاهُ ويَنْظُرُ إلَى مَا خَالَفَهُ فَيَتَبَرَّا مِنْهُ وإنْ كَانَ حَمِيمَاً قَرِيبَاً.
قال السائل: صدقت والله يا أمير المؤمنين. ثمّ غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس، فلم يجدوه، فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر، ثمّ قال: ما لكم؟ هذا أخي الخضر عليه السلام.[19]
ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. فلم يقم إليه أحد. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى عليه نبيّه صلى الله عليه وآله، ثمّ قال للحسن عليه السلام: يَا حَسَنُ! قُمْ فَاصْعَدِ المِنْبَرَ فَتَكَلَّمْ بِكَلَامٍ لَا تَجْهَلُكَ قُرَيْشٌ مِنْ بَعْدِي فَيَقُولُونَ: إنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيّ لَا يُحْسِنُ شَيئاً.
فقال الحسن عليه السلام: يا أبتِ كيف أصعد وأنت في الناس تسمع وترى؟ قال له: بأبي وامّي اواري نفسي عنك وأسمع وأرى وأنت لا تراني.
فصعد الإمام الحسن عليه السلام المنبر فحمد الله بمحامد بليغة شريفة، وصلى على النبيّ صلى الله عليه وآله صلاة موجزة، ثمّ قال: أيُّهَا النَّاسُ! سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَقُولُ: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا، وهَلْ تُدْخَلُ المَدِينَةُ إلَّا مِنْ بَابِهَا!
قال هذا، ثمّ نزل فوثب إليه عليّ عليه السلام فحمله وضمّه إلى صدره. ثمّ قال للحسين عليه السلام: يا نور عيني! اصعد المنبر وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: إنّ الحسين بن عليّ لا يبصر شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك.
فصعد الإمام الحسين عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيّه صلى الله عليه وآله صلاة موجزة، ثمّ قال: مَعَاشِرَ النَّاسِ! سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وهُوَ يَقُولُ: إنَّ عَلِيَّاً هُوَ مَدِيَنةُ هُدَى، فَمَنْ دَخَلَهَا نَجَا، ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ.
فوثب إليه عليّ عليه السلام، فضمّه إلى صدره وقبّله، ثمّ قال: مَعَاشِرَ النَّاسِ! اشْهَدُوا أنَّهُمَا فَرْخَا رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ ووَدِيعَتُهُ التي اسْتَوْدَعَنِيهَا وأنَا أسْتَوْدِعُكُمُوهَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، ورَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سَائِلُكُمْ عَنْهُمَا.[20]
الثاني: حديث ذِعلب أيضاً، وقد رواه الشيخ الصدوق أيضاً عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق رحمه الله، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، عن الحسين بن الحسن، عن عبد الله بن داهر، عن الحسين بن يحيي الكوفيّ، عن قُثم بن قتادة، عن عبد الله بن يونس، عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: بَيْنَا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، إذْ قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ذِعْلِبٌ ذَرِبُ اللِّسَانِ، بَلِيغٌ في الخِطَابِ، شُجَاعُ القَلْبِ. فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ؟ مَا كُنْتُ أعْبُدُ رَبّاً لَمْ أرَهُ. قَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! كَيْفَ رَأيْتَهُ؟
قَالَ: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الأبْصَارِ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإيمَانِ. وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ اللَّطَافَةِ (أي: أنّه لطيف بالنسبة إلى معنى اللطافة ومفهومها) فَلَا يُوصَفُ بِاللُّطْفِ (بل هو أعلى من اللطف، وخالق اللطف)، عَظِيمُ العَظَمَةِ (أي: هو عظيم بالنسبة إلى معنى العظمة ومفهومها) لَا يُوصَفُ بالعِظَمِ (بل هو يفوق العظمة، وهو خالق العظمة وموجدها)، كَبِيرُ الكِبْرِيَاءِ (أي: هو كبير بالنسبة إلى معنى الكبرياء ومفهومها مع سعة مفادها) لَا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ (بل هو أعلى من الكبرياء، وهو خالق الكِبر)، جَلِيلُ الجَلَالَةِ (أي: هو جليل بالنسبة إلى معنى الجلال ومفهومه مع إطلاقه وعمومه) لَا يُوصَفُ بِالغِلَظِ. قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ فَلَا يُقَالُ: شَيءٌ قَبْلَهُ. وبَعْدَ كُلِّ شَيءٍ فَلَا يُقَالُ: شَيءٌ بَعْدَهُ. شَائِي الأشْيَاءِ لَا بِهِمَّةٍ، دَرَّاكٌ لَا بِخَدِيعَةٍ. هُوَ في الأشْيَاءِ كُلِّهَا غَيْرُ مُتَمَازِجٍ بِهَا ولَا بَائِنٌ عَنْهَا. ظَاهِرٌ لَا بِتَأوِيلِ المُبَاشَرَةِ، مُتَجَلٍّ لَا بِاسْتِهْلَالِ رُؤْيَةٍ، بَائِنٌ لَا بِمَسَافَةٍ، قَرِيبٌ لَا بِمُدَانَاةٍ، لَطِيفٌ لَا بِتَجَسُّمٍ، مَوْجُودٌ لَا بَعْدَ عَدَمٍ، فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَارٍ، مُقَدِّرٌ لَا بِحَرْكَةٍ، مُرِيدٌ لَا بِهَمَامَةٍ، سَمِيعٌ لَا بِآلَةٍ، بَصِيرٌ لَا بِأدَاةٍ، لَا تَحْوِيهِ الأمَاكِنُ، ولَا تَصْحَبَهُ الأوْقَاتُ، ولَا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ، (من العلم والقدرة والحياة وما يتفرّع منها) ولَا تَأخُذُهُ السِّنَاتُ. (لا يغفل لحظة واحدة).
سَبَقَ الأوْقَاتُ كَوْنُهُ، والعَدَمَ وُجُودُهُ، والإبْتِدَاءَ أزَلُهُ، بِتَشْعِيرِهِ المَشَاعِرَ عُرِفَ أنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ، وبَتَجْهِيرِهِ الجَوَاهِرَ (الطبائع والجبلّات والكائنات الموضوعة لعروض العوارض) عُرِفَ أنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ، وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أنْ لَا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أنْ لَا قَرِينَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والجَسْوَ بِالبَلَلِ، والصَّرْدَ بِالحَرُورِ،[1] مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا، دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا، وبِتَألِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [2] (و اعلموا أنّ هذا العالم الفسيح المخلوق من ذَكَرٍ وانثى هو تحت عناية الله تعالى)[3] فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وبَعْدٍ لِيُعْلَمَ أنْ لَا قَبْلَ لَهُ ولَا بَعْدَ. شاهدة بغرائزها على أن لا غريزة لمغرزها (هو خالق الغريزة)، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها. حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه. (نفس مخلوقيّتها وإنّيّتها حجاب) كان ربا إذ لامربوب، وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع.
ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ:
ولَمْ يَزَلْ سَيِّدِي بِالحَمْدِ مَعْرُوفَا *** ولَمْ يَزَلْ سَيِّدِي بِالجُودِ مَوْصُوفَا
وَكُنْتَ[4] إذْ لَيْسَ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ *** ولَا ظَلَامٌ عَلَى الآفَاقِ مَعْكُوفَا
وَرَبُّنَا بِخِلَافِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ *** وكُلِّ مَا كَانَ في الأوْهَامِ مَوْصُوفَا
فَمَنْ يُرْدِهُ عَلَى التَّشْبِيهِ مُمْتَثِلًا *** يَرْجِعْ أخَا حَصَرٍ بِالعَجْزِ مَكْتُوفَا
وَفي المَعَارِجِ يَلْقَى مَوْجُ قُدْرَتِهِ *** مَرْجَاً يُعَارِضُ طَرْفَ الرُّوحِ مَكْفُوفَا
فَاتْرُكْ أخَا جَدَلٍ في الدِّينِ مُنْعَمِقاً *** قَدْ بَاشَرَ الشَّكَّ فِيهِ الرَّأي مَأوُوفَا
وَاصْحَبْ أخَا ثِقَةٍ حُبَّاً لِسَيِّدِه *** وبِالكَرَامَاتِ مِنْ مَوْلَاهُ مَحْفُوفَا
أمْسَى دَلِيلَ الهُدَى في الأرْضِ مُنْتَشِرَاً *** وفي السَّمَاءِ جَمِيلَ الحَالِ مَعْرُوفَا
لمّا سمع ذِعلب وصف أمير المؤمنين عليه السلام هذا، خَرّ مغشيّاً عليه، ثمّ أفاق، وقال: ما سمعتُ بهذا الكلام ولا أعود إلى شيء من ذلك.
وقال المرحوم الصدوق -أبو جعفر محمّد بن عليّ بن حسين بن بابويه القمّيّ- قال مصنّف هذا الكتاب: في هذا الخبر ألفاظ قد ذكرها الإمام الرضا عليه السلام في خطبته. وهذا تصديق قولنا في الأئمّة عليهم السلام: إنّ علم كلّ واحد منهم مأخوذ عن أبيه حتى يتّصل ذلك بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله.[5]
الثالث: الخطبة الاولى من خطب «نهج البلاغة»: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، ولَا يُحْصِى نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولَا يُؤَدِّي حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ، الذي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، ولَا يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الذي لَيْسَ لِصَفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، ولَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، ولَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، ولَا أجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ ونَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ ووَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أرْضِهِ. أوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخْلَاصُ لَهُ، وكَمَالُ الإخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أنَّهَا غَيْرُ المَوْصُوفِ، وشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. (و هذه الغيريّة توجب التعدّد والتركيب في ذاته المقدّسة. تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً).
فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ (و مدحه بصفة زائدة على الذات ممّا يلزم المحدوديّة بحدّ الصفة ومفهومها المشخّص والمنحصر بها) فَقَدْ قَرَنَهُ، ومَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، ومَنْ ثَنَّاه فَقَدْ جَزَّأهُ، ومَنْ جَزَّأهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، ومَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إلَيْهِ (لأنّ الإشارة من لوازم الممكنات التي تحتاج إلى جهة)، ومَنْ أشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ (و هو واحد لا بعدد، لأنّ كلّ واحد عدد محدود ومركّب. والحدّ والتركيب في الذات الأحديّة يستلزمان الفقر والاحتياج)، ومَنْ قَالَ: فِيمَ: فَقَدْ ضَمَّنَهُ، ومَنْ قَالَ: عَلَامَ؟ فَقَدْ أخْلَى مِنْهُ. كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ (لا بنحو الحلول والاتّحاد، بل بنحو الوجود الأصيل والواجب والاستقلاليّ مع الوجود التبعيّ والمجازيّ والظلّيّ)، وغَيْرُ كُلِّ شَيءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ. فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الحَرَكَاتِ والآلَةِ (بل هو يريد ويبلغ مراده بنفس الإرادة والمشيئة القاهرة بدون حركة واستعمال آلةٍ)، بَصِيرٌ إذْ لَا مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ (أي: أنّ بصيرته ليست بالإبصار الحسّيّ حتى تحتاج إلى منظور إليه حسّيّ. هو بصير بالذات لا بآلة بصريّة)، مُتَوَحِّدٌ إذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأنِسُ بِهِ ولَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ ... إلى آخر الخطبة.[6]
الرابع: الخطبة الثالثة والستّون من خطب «نهج البلاغة»: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا، فَيَكُونَ أوَّلًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ آخِراً، ويَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أنْ يَكُونَ بَاطِناً (لأنّ جميع أوصاف الله هي صفات ذاته، وصفاته واجبة أيضاً بوجوب ذاته. ولمّا لا تتغيّر ذاته ولا تتبدّل بسبب وجوب الوجود، فكذلك أوصافه لا تتغيّر ولا تتبدّل ولا تزول ولا تتدرّج. ولا تتقدّم صفة من صفاته على صفة اخرى، ولا تتأخّر عنها أيضاً، هو الأوّل كما هو الآخر، وهو الآخر كما هو الأوّل. وأوّليّته وآخريّته وأزليّته وأبديّته شيء واحد، وظهوره وبطونه واحد).
كُلُّ مُسَمَّى بِالوَحْدَةِ غَيْرُهُ قَلِيلٍ (الله كثير مع وحدته، لأنَّ كلّ موجود غير الله الواحد، هو وحده بلا معين ولا شريك ولا ناصر، وهو حقير -طبعاً- لضعفه، ولا اعتبار ولا شأن له لعدم وجود المعاضد والمعاون. أمّا وحدة الله، فهي علوّ ذاته المقدّسة المنزّهة عن التركيب، ومعناها بساطة وجوده وإطلاقه وسعته وتفرّده في العظمة والقدرة والحياة، وفناء جميع الموجودات واندكاك كافّة الكائنات في ذاته المقدّسة. وعلى هذا، فالوحدة في غير الله وحدة عدديّة تستلزم التقليل والنقص، وكمالها بالتكثير والاعتبار الزائد. والوحدة في الله توجب سعة الوجود والعموميّة والتكثير. وعلى هذا القياس تكون سائر أوصافه).
وَكُلُّ عَزِيزٍ غَيْرُهُ ذَلِيلٌ. وكُلُّ قَوِيّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ. وكُلُّ مَالِكٍ غَيْرُهُ مَمْلُوكٌ. وكُلُّ عَالِمٍ غَيْرُهُ مُتَعَلِّمٌ. وكُلُّ قَادِرٍ غَيْرُهُ يَقْدِرُ ويَعْجِزُ. وكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرُهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الأصْوَاتِ ويُصِمُّهُ كَبِيرُهَا ويَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا. وكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرُهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيّ الألْوَانِ، ولَطِيفِ الأجْسَامِ، (والله هو الذي عنده جميع الأصوات: قويّها وضعيفها، وكبيرها وصغيرها متساوية. وكافّة الألوان والأجسام، خفيّها وظاهرها، ولطيفها وغليظها متساوية أيضاً).
وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ بَاطِنٌ، وكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (لأنّ كلّ موجود وجوده بعناية الله كرمه. فهو في ذاته وماهيّته مخفيّ وباطن. أمّا وجود الحقّ تعالى فهو مخفيّ في حال ظهوره الذي شمل العوالم كلّها، وهو ظاهر في حال بطونه وخفائه: يا باطناً في ظُهوره، ويا ظاهراً في بطونه).
لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، ولَا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ، ولَا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مُثَاوِرٍ (الذي يحاول المحاربة والمنازعة)، ولَا شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ، ولَا ضِدٍّ مُنَافِرٍ، ولَكِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ، وعِبَادٌ دَاخِرُونَ لَمْ يَحْلُلْ في الأشْيَاءِ فَيُقَال: هُوَ فِيهَا كَائِنٌ، ولَمْ يَنَأ عَنْهَا فَيُقَال: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ. لَمْ يُؤدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأ، ولَا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأ، ولَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ، ولَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وقَدَّرَ، بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وعِلْمٌ مُحْكَمٌ وأمْرٌ مُبْرَمٌ، المأمُولُ مَعَ النِّقَمِ، والمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ.[7]
الخامس: الخطبة الخمسون والمائة في «نهج البلاغة»: الحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أزَلِيَّتِهِ، (إذ إنّ الحوادث ينبغي أن تنتهي بالواجب حتماً، وإلّا تستلزم الدَّور والتسلسل. ووجوب وجود الدليل على الأزليّة والسرمديّة. ولذلك فانّ ظهور الحوادث دليل على أزليّته) وبِاشْتِبِاهِهِمْ عَلَى أنْ لَا شِبْهَ لَهُ. لَا تَسْتَلِمُهُ المَشاعِرُ، (لأنّ شرط المحسوس وقوعه في جهة وناحية، والله ليس في جهة، وهو محيط بكلّ مكان) ولَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ. (حُجُب إنّيّات الموجودات من عالم الملك والملكوت لا تستطيع أن تستره) لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ والمَصْنُوعِ، والحَادِّ والمَحْدُودِ، والرَّبِّ والمَرْبُوبِ.
وكذلك الحمد للّه الأحَدِ لَا بِتَأوِيلِ عَدَدٍ، (أي: أنّ العدد (2) في مقابل ذلك محال ليس في الوجود والتحقّق، بل في الفرض والتصوّر. وهذه الوحدة وحدة بالصرافة، إذ ينتهي إليه كلّ ما يُفرض غيره بواسطة عمومه وشموله) والخَالِقِ لَا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ ونَصَبٍ، والسَّمِيعِ لَا بِأدَاةٍ، والبَصِيرِ لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ (وهي نشر النور وتفريق الأمواج البصريّة من العين)، والشَّاهِدِ لَا بِمُمَاسَّةٍ، والبَائِنِ لَا بِتَراخِي مَسَافَةٍ، والظَّاهِرِ لَا بِرُؤْيَةٍ، والبَاطِنِ لَا بِلَطَافَةٍ. بَانَ مِنَ الأشْيَاءِ بِالقَهْرِ لَهَا والقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وبَانَتِ الأشْيَاءُ مِنْهُ بِالخُضُوعِ لَهُ والرُّجُوعِ إلَيْهِ. مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أبْطَلَ أزَلَهُ (إذ لا بدّ من تحرّي المعدودات في المحدودات، ولمّا كان وجود الحدّ يناقض وجوب وجوده وأزليّته. لهذا من قال بعدّ الباري تعالى، فقد أبطل وجوب وجوده، ومن ثمّ أزليّته وسرمديّته). ومَنْ قَالَ: كَيْفَ؟ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ. ومَنْ قَالَ: أيْنَ؟ فَقَدْ حَيَّزَهُ. عَالِمٌ إذْ لَا مَعْلُومٌ. ورَبٌّ إذْ لَا مَرْبُوبٌ. وقَادِرٌ إذْ لَا مَقْدُورٌ[8] (صفاته الذاتيّة كالعلم، والقدرة، والربوبيّة من ذاته. ولذلك، فهذه الحقائق موجودة في ناحية الذات بحقيقتها، وإن لوحظ متعلّقها من معلوميّة الموجودات ومقدوريّتها ومربوبيّتها في مراتب واطئة).
السادس: الخطبة الحادية والستّون والمائة من «نهج البلاغةّ»: الحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ العِبَادِ، وسَاطِحِ المِهَادِ، ومُسِيلٍ الوِهَادِ، ومُخْصِبِ النِّجَادِ. لَيْسَ لأوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، ولَا لأزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ. هُوَ الأوَّلُ لَمْ يَزِلْ، والبَاقِي بِلَا أجَلٍ (لأنّه قديم بِقِدَم ذاتيّ ودهريّ وزمانيّ). خَرَّتْ لَهُ الجِبَاهُ، ووَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ. حَدَّ الأشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا (بدون حدّ وقيد) لَا تُقَدِّرُهُ الأوْهَامُ بِالحُدُودِ والحَرَكَاتِ، ولَا بِالجَوَارِحِ والأدَوَاتِ. لَا يُقَالُ لَهُ: مَتَى؟ (لأنّه ليس في زمان، بل الزمان ذاته مخلوقه والمحاط به من قِبَلِه) ولَا يُضْرَبُ لَهُ أمَدٌ بِحَتَّى (لأنّ هذه الكلمة لتعيين النهاية والغاية، والله لا غاية له وهو محيط بالغايات والأزمنة)، الظَّاهِرُ لَا يُقَالُ: مِمَّا؟ (إذ إنّه ليس ممكن الوجود، وليس له مادّة ومدّة)، والبَاطِنُ لَا يُقَالُ: فِيمَا؟ (ذلك أنّه ليس له مادّة ومحلّ ومكان)، لَا شَبَحٌ فَيَتقَضَّى، وَلَا مَحْجُوبٌ فَيُحْوى. لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الأشْيَاءِ بِالتِصَاقٍ، ولَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ. لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، ولَا كُرُورِ لَفْظَةٍ، ولَا ازْدِلَافُ رَبْوَةٍ (اقتراب محلّ مرتفع)، ولَا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ في لَيْلٍ دَاجٍ ولَا غَسَقٍ سَاجٍ، يَتَفَيَّا عَلَيْهِ القَمَرُ المُنِيرُ، وتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ في الافُولِ والكُرُورِ، وتَقَلُّبِ الأزْمِنَةِ والدُّهُورِ مِنْ إقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وإدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ. (في جميع هذه الليالي المظلمة التي تتعاقب وتتخالف إلى أبد الدهر بهذه الوسيلة، لا يخفى على الله -حتى في لحظة واحدة- شيء مختصر منها ولو بقدر لحظة وخطوة).
قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ ومُدَّةٍ وكُلِّ إحْصَاءٍ وعِدَّةٍ (هو أزَلُ الآزال وأبد الآباد وهو السرمد على الإطلاق). تعالى عَمَّا يَنْحَلُهُ المُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأقْدَارِ، ونِهَايَاتِ الأقْطَارِ، وتَأثُّلِ المَسَاكِنِ، وتَمَكُّنِ الأمَاكِنِ. فَالحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وإلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ. لَمْ يَخْلُقِ الأشْيَاءَ مِنْ اصُولٍ أزَلِيَّةٍ، ولَا أوَائِلَ أبَدِيَّةٍ. (بل أوجد الموجودات من عدم محض وكَتْم العدم) بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأقَامَ حَدَّهُ، وصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأحْسَنَ صُورَتَهُ. (بلا مادّة وأصل كان موجوداً من قبل) لَيْسَ لِشَيءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ، ولَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيءٍ انْتِفَاعٌ. عِلْمُهُ بِالأمْوَاتِ المَاضِينَ كَعِلْمِهِ بالأحْيَاءِ البَاقِينَ، وعِلْمُهُ بِمَا في السَّمَاوَاتِ العُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا في الأرَضِينَ السُّفْلَى.[9]
السابع: الخطبة الرابعة والثمانون والمائة من خطب «نهج البلاغة»: مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولَا حَقِيقَتَهُ أصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ (لأنّ مثلَ كلّ شيء إمّا مثله في ذاته أو في بعض أجزائه أو صفاته. والله تعالى لا مثل له ولا شريك في ذاته، وإلّا كان محتاجاً إلى مميّز من خارج ذاته يميّزه عن الشريك. وليس له مثل في الأجزاء، لأنّه ليس جزءاً أساساً، وإلّا كان مركّباً، والتركيب من صفات الإمكان، وهو تعالى واجب. وليس له مثل في الصفات، لعدم اتّصافه بصفات زائدة على الذات). ولَا إيَّاهُ عَنَي مَنْ شَبَّهَهُ، ولَا صَمَدَهُ (قَصَدَهُ) مَنْ أشَارَ إلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ. (لأنّه ليس له جهة، وهو منزّه من كلّ إشارة حسّيّة أو وهميّة أو عقليّة لعدم إحاطة الحسّ والوهم والعقل بكُنه ذاته المقدّسة من كلّ حيثيّة) كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وكُلُّ قَائِمٍ في سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيّ لَا بِاسْتَفَادَةٍ. لَا تَصْحَبُهُ الأوْقَاتُ. (لأنّ الوقت والزمان معلولان له، وفي مرتبة أوطأ) ولَا تَرْفِدُهُ الأدَوَاتُ. سَبَقَ الأوْقَاتَ كَوْنُهُ، والعَدَمَ وُجُودُهُ، والابْتِدَاءَ أزَلُهُ. بِتَشْعِيرِهِ المَشَاعِرَ عُرِفَ أنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ. (إذ إنّ تشعير المشاعر والحواسّ تجهيزها وإعدادها ومنحها الاستعداد بكيفيّة إذا دخلتها الموادّ تنفعل انفعالًا خاصّاً يقال له: الإحساس. ولهذا فكلّ حسّ من الحواسّ منفعل دائماً. أي: هو في حالة القبول. والله فاعل لا منفعل. أمّا كَونُهُ فاعلًا فلأنّا قلنا: شعّر المشاعر وجعل فيها الإحساس، ولذلك لا يمكن أن يكون منفعلًا من مصنوعاته). وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الامُورِ عُرِفَ أنْ لَا ضِدَّ لَه. (لأنّه إذا كانت له طبيعة تضادّ شيئاً، فانّ ما أوجده من الموجودات ينحصر في الأشياء التي توافق وتلائم تلك الطبيعة لا أنّها تضادّها وتنافرها. إنّ خلق الأشياء المتضادّة دليل على عدم وجود ضدّ له) وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أنْ لَا قَرِينَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والوُضُوحَ بِالبُهْمَةِ، والجُمُودَ بِالبَلَلِ، والحَرُورَ بِالصَّرَدِ (الحرّ بالبرد). مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعادِيَاتِهَا، (كالماء والنار) مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ، (إنّ أي حدٍّ من الحدود والقيود في الملك والملكوت بالمعنى الأعمّ، أي: عالم الطبع والحسّ والمثال والعقل، والناسوت والملكوت بالمعنى الأخصّ والجبروت، حتى الأسماء والصفات بحدودها لا بحقائقها، أي: اللاهوت، كلّ ذلك لا يستوعبه ولا يحويه، ولا يحدّ وجودَه البحت البسيط الدائم السرمديّ. حتى أنّ اسم «لا يزال» واسم الوجود البسيط هو اسم وتعبير. وأنّ ذاته المقدّسة فوق كلّ اسم ورسم، وفوق كلّ ما ينطبق عليه مفهوم الاسم) ولَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وإنَّمَا تَحُدُّ الأدَوَاتُ أنْفُسَهَا، (كالحواسّ والمدركات الفكريّة والذهنيّة) وتُشِيرُ الآلَةُ إلَى نَظَائِرِهَا (و ذاته المقدّسة أسمى وأعلى من كلّ ضرب من ضروب التحديد بالأدوات الفكريّة والآلات النفسيّة والعقليّة) مَنَعَتْها «مُنْذُ» القِدَمِيَّةَ (إنّ ما نقوله في الموجودات: إنّها وُجدت منذ ذلك الزمان (مُنْذ وُجِدَ) يمنع قِدَمَهَا ويدلّ على حدوثها. أمّا «الله» تعالى، فلا يمكن أن يقال له: كان «منذ» ذلك الزمان)، وحَمَتْهَا «قَدْ» الأزَلِيَّةَ، (و ما نقوله: إنّ الموجود الفلانيّ (قد وُجِدَ) في وقت قريب لتقريب تناهى الزمان يزيل أزليّته. على عكس الخالق جلّ وعلا إذ لا يقال له: قَدْ وُجِدَ) وجَنَّبَتْهَا «لَوْ لَا» التَّكْمِلَةَ. (و أنّ قولنا: لو لا خالق الموجودات، ما وُجِدَت (لو لا خالقه ما وُجِدَ) يسلب كمالها، ويختم على ناصيتها بختم النقصان. على عكس الباري تعالى، فانّه كامل بذاته، ووجوده ليس من غيره، ولا يقال له: لو لا فلانٌ مَا وُجِدَ). بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ العُيُونِ. لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ والحَرَكَةُ، (و لا يمكن أن يقال له: ساكن ومتحرّك) وكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أجْرَاهُ؟ ويَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أبْدَاهُ، ويُحْدِثُ فِيهِ مَا هُوَ أحْدَثَهُ؟ إذَاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، ولَتَجَزَّأ كُنْهُهُ، (لأنّ الأجسام قابلة للتجزئة والانقسام) ولَامْتَنَعَ مِنَ الأزَلِ مَعْنَاهُ، ولَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إذْ وُجِدَ لَهُ أمَامٌ، ولَالْتَمَسَ التَّمَامَ إذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ، (لتصل قواه إلى الفعليّة) وإذَاً لَقَامَتْ آيَةُ المَصْنُوعِ فِيهِ، ولَتَحَوَّلَ دَلِيلًا بَعْدَ أنْ كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ. (بعد أن كان وجوده الأقدس مدلولًا عليه بالموجودات والأشياء والممكنات، فاذا الموضوع ينقلب فيصبح هو نفسه دليلًا على صانع وخالق). وخَرَجَ بِسُلْطَانِ الامْتِنَاعِ مِنْ أنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ في غَيْرِهِ. الَّذِي لَا يَحُولُ، ولَا يَزُولُ، ولَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الافُولُ، ولَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، (إنّ التولّد -مهما كان- يستلزم الإمكان والمحدوديّة، سواء كان عن طريق التناسل المعروف، أم كان بواسطة النموّ كتولّد النباتات من العناصر، أم كان عن طريق الإيجاد والإخراج من الذات. لذلك فانّ الذين يرون وجود الله محدوداً بوجود الأشياء والممكنات، ويعتقدون بوجود الأصالة والاستقلال في الموجودات، ولو على نحو مختصر ومجمل، يحسبون الموجودات منحازة ومنفصلة عن الحقّ تعالى، ويخالون أنّ المتولّدات منه تعالى، وإن لم يصرّحوا بهذا التولّد. وأنّ إيجاد الموجودات ليس على نحو الوجود الاستقلاليّ، لا في الذات، ولا في الصفة، ولا في الفعل، بل هو ظهور ذات الحقّ فقط في مجال الإمكان ومظاهره، ووجودها تبعيّ وظلّيّ وغير استقلاليّ في مقابل وجود ذات الحقّ الذي هو وجود أصيل وحقيقيّ واستقلاليّ. وأنّ وجود الممكنات ظهور، وإيجاد الحقّ تعالى إظهار وجود ذاته لا غير، فتأمّل) ولَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً. جَلَّ عَنِ اتَّخَاذِ الأبْنَاءِ، وطَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ. لَا تَنَالُهُ الأوْهَامُ فَتُقَدرَهُ، ولَا تَتَوَهَّمُهُ الفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، ولَا تُدْرِكُهُ الحَوَاسُّ فَتَحُسَّهُ، ولَا تَلْمِسُهُ الأيْدِي فَتَمَسَّهُ. لَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، ولَا يَتَبَدَّلُ بِالأحْوَالِ، ولَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي والأيَّامُ، ولَا يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ والظَّلَامُ، ولَا يُوصَفُ بِشَيءٍ مِنَ الأجْزَاءِ، ولَا بِالجَوَارِحِ والأعْضَاءِ، ولَا بِعَرَضٍ مِنَ الأعْرَاضِ، ولَا بِالغَيْرِيَّةِ وَالأبْعَاضِ، ولَا يُقَالُ: لَهُ حَدٌّ ونِهَايَةٌ، ولَا انْقِطَاعٌ ولَا غَايَةٌ، ولَا أنَّ الأشْيَاءَ تَحْوِيِهِ فَتُقِلَّهُ (تسيطر عليه فترفعه) أوْ تُهْوِيهِ (تُسقِطُه)، أوْ أنَّ شَيئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أوْ يُعَدِّلَهُ.
لَيْسَ في الأشْيَاءِ بِوَالِجٍ، ولَا عَنْهَا بِخَارِجٍ. يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ ولَهَواتٍ، ويَسْمَعُ لَا بِخُروقٍ وأدَوَاتٍ. يَقُولُ ولَا يُلْفِظُ، ويَحْفَظُ ولَا يَتَحَفَّظُ، ويُرِيدُ ولَا يُضْمِرُ، يُحِبُّ ويَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ، ويُبْغِضُ ويَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ. يَقُولُ لِمَنْ أرَادَ كَوْنَهُ: «كُنْ» فَيَكُونَ، لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، ولَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ؛ وإنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أنْشَأهُ ومَثَّلَهُ، (كالقرآن وجميع الكائنات والموجودات التي هي كلماته) لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً، (فيكون حادثاً) ولَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إلَهَاً ثَانِيَاً.
لَا يُقَالُ: كَانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ المُحْدَثَاتُ، ولَا يَكُونُ بَيْنَهَا وبَيْنَهُ فَصْلٌ، ولَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِي الصَّانِعُ والمَصْنُوعُ، ويَتَكَافَا المُبْتَدِئُ (المُبْتَدِعُ) والبَدِيعُ. خَلَقَ الخَلائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وأنْشَأ الأرْضَ فَأمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ، وأرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ، وأقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، ورَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وحَصَّنَهَا مِنَ الأوَدِ والاعْوِجَاجِ، ومَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ والانْفِرَاجِ. أرْسَى أوْتَادَهَا، وضَرَبَ أسْدَادَهَا، (أقام الجبال في كلّ إقليم بما يناسبه من أجل حفظه) واسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وخَدَّ أوْدِيَتَهَا. فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، ولَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ. هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وعَظَمَتِهِ، وهُوَ البَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ ومَعْرَفَتِهِ، والعَالِي عَلَى كُلِّ شَيءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وعِزَّتِهِ. لَا يُعْجِزُهُ شَيءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، ولَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، ولَا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسبِقَهُ، ولَا يَحْتَاجُ إلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ.
خَضَعَتِ الأشْيَاءُ لَهُ وذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لَا تَسْتَطِيعُ الهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وضَرِّهِ، ولَا كُفوَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ، ولَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيهِ. هُوَ المِفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حتى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا. (و تُسْتَبْدَلُ صفحة عالم العدم بصفحة عالم الوجود بمظاهرها وظواهرها) ولَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأعْجَبَ مِنْ إنْشَائِهَا واخْتِرَاعِهَا. وكَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وبَهَائِمِهَا، ومَا كَان من مُراحِهَا (ما اخذ إلى حظيرته ليلًا) وسَائِمِهَا (التي تُطلق وترعى في المراتع) وأصْنَافِ أسْنَاخِهَا وأجْنَاسِهَا، ومُتَبَلِّدَةِ امَمِهَا وأكْيَاسِهَا عَلَى إحْدَاثِ بِعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إحْدَاثِهَا، ولَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إلَى إيجَادِهَا، ولَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا في عِلْمِ ذَلِكَ وتَاهَتْ، وعَجَزَتْ قُوَاهَا وتَنَاهَتْ، ورَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً عَارِفَةً بِأنَّهَا مَقْهُورَةٌ، (و مغلوبة بقوّة الله وسيطرة سلطانه) مُقِرَّةً بِالعَجْزِ عَنْ إنْشَائِهَا، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا. (لأنّ إفناءها أيضاً بأساب هي بِيَدِ الله، فاذا لم يَشَأ، لم تستطع أن تُهيّئ الأسباب، ويمكن أن يفيض الله تعالى على تلك البعوضة بقدرة تساوي قدرة أهل الدنيا كلّهم، وتغلبهم بها).
وَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيءِ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتَدِائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلَا وَقْتٍ ولَا مَكَانٍ، ولَا حِينٍ ولَا زَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآجَالُ والأوْقَاتُ، وزَالَتِ السِّنُونَ والسَّاعَاتُ، فَلَا شَيءَ إلَّا اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الذي إلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الامُورِ.
بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وبِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا. ولَوْ قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَاعِ دَامَ بَقَاؤُهَا. لَمْ يَتَكَاءَدْهُ (لم يعسر عليه) صُنْعُ شَيءٍ مِنْهَا إذْ صَنَعَهُ، ولَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وبَرَأهُ، ولَمْ يُكَوّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، ولَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ ونُقْصَانٍ، ولَا لِلاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِر، (شبيه له قويّ منازع) ولَا لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثاوِرٍ، (ضدّ يخاصم ويعاند) ولَا لِلازْدِيَادِ بِهَا في مُلْكِهِ، ولَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ في شِرْكِهِ، وَلَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأرَادَ أنْ يَسْتَأنِسَ إلَيْهَا.
ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينَها، لَا لِسَأمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ في تَصْرِيفِهَا وتَدْبِيرِهَا، ولَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إلَيْهِ، ولَا لِثِقْلِ شَيءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ. لَمْ يُمِلَّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إلَى سُرْعَةِ إفْنَائِهَا، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وأمْسَكَهَا بِأمْرِهِ، وأتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إلَيْهَا، ولَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، ولَا لانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إلَى حالِ اسْتِئْنَاسٍ، ولَا حَالِ جَهْلٍ وعَمى إلَى حَالِ عِلْمٍ والتِمَاسٍ؛ ولَا مِنْ فَقْرٍ وحَاجَةٍ إلَى غِنًى وكَثْرَةٍ، ولَا مِنْ ذُلٍّ وضَعَةٍ إلَى عِزٍّ وقُدْرَةٍ.[10]
تمّت هذه الخطبة المباركة هنا، ولمّا كانت تحتوي على موضوعات رائعة سامقة جدّاً، فقد أتينا عليها كلّها مع بعض التوضيحات. قال الشريف الرضيّ جامع «نهج البلاغة»: تجمع هذه الخطبة من اصول العلم ما لا تجمعه خطبة.[11]
الثامن: جواب أمير المؤمنين عليه السلام لأعرابيّ يوم الجمل في معنى التوحيد: روى الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ في كتاب «التوحيد» وكتاب «الخصال» بسند متّصل، وفي كتاب «معاني الأخبار» بسند متّصل آخر، وكلا السندين عن المقدام بن شُرَيحْ بن هانئ، عن أبيه أنّ أعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أ تَقُولُ: إنَّ اللهَ وَاحِدٌ؟ قَالَ: فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالُوا: يَا أعْرَابِيّ! أمَا تَرَى مَا فِيهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ القَلْبِ؟ (أي سؤالٍ هذا في تلك الجلبة وهجوم الهموم والغموم؟) فَقَالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ: دَعوُهُ فَانَّ الذي يُرِيدُهُ الأعْرَابِيّ هُوَ الذي نُرِيدُهُ مِنَ القَوْمِ. (أصحاب الجمل).ثُمَّ قَالَ: يَا أعْرَابِيّ! إنَّ القَوْلَ في أنَّ اللهَ وَاحِدٌ عَلَى أرْبَعَةِ أقْسَامٍ: فَوَجْهَانِ مِنْهَا لَا يَجُوزَانِ عَلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ووَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ.
فَأمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزَانِ عَلَيْهِ، فَقُولُ القَائِلِ: وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الأعْدَادِ. فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ، لأنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ في بَابِ الأعْدَادِ. أمَا تَرَى أنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ؟ (الأب، والابن، ورُوحُ القُدُس. أو الذات، والعلم، والحياة) وقَوْلُ القَائِلِ: هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الجِنْسِ.[12] فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، لأنَّهُ تَشبِيهٌ، وجَلَّ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ وتعالى.
وَأمَّا الوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ: فَقَوْلُ القَائِلِ: هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ في الأشْيَاءِ شِبْهٌ، كَذَلِكَ رَبُّنَا. وقَوْلُ القَائِلِ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدِيّ المَعْنَى، يَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ في وُجُودٍ ولَا عَقْلٍ ولَا وَهْمٍ. كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وجَلَّ.[13]
التاسع: كلام الإمام -على ما نقل الشيخ المفيد في «الإرشاد»- في وجوب المعرفة بالله تعالى، والتوحيد له، ونفي التشبيه عنه، والوصف لعدله، وصنوف الحكمة والدلائل. فقد روى أبو بكر الهُذليّ، عن الزهريّ، وعيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في الحثّ على معرفة الله تعالى والتوحيد له:
أوَّلُ عِبَادَةِ اللهِ مَعْرِفَتُهُ، وأصْلُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ، ونِظَامُ تَوْحِيدِهِ نَفْي التَّشْبِيهِ عَنْهُ.[14] جَلَّ عَنْ أنْ تَحِلَّهُ الصِّفَاتُ، لِشَهَادَةِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ مَنْ حَلَّتْهُ الصِّفَاتُ مَصْنُوعٌ، وشَهَادَةِ العُقُولِ أنَّهُ جَلَّ وعَلَا صَانِعٌ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ.
بِصُنْعِ اللهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وبِالعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ، وبِالنَّظَرِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ. جَعَلَ الخَلْقِ دَلِيلًا عَلَيْهِ فَكَشَفَ بِهِ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ. هُوَ الوَاحِدُ الفَرْدُ في أزَلِيَّتِهِ، لَا شَرِيكَ لَهُ في إلَهِيَّتِهِ، ولَا نِدَّ لَهُ في رُبُوبِيَّتِهِ. بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ المُضَادَّةِ، عُلِمَ أنْ لَا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الامُورِ المُقْتَرِنَةِ، عُلِمَ أنْ لَا قَرِينَ لَهُ. في كَلَامٍ طَوِيلٍ يَطُولُ بِإثْبَاتِهِ الكِتَابُ.[15]
و ذكر الشيخ المفيد بعد هذا الكلام أيضاً أنّ ممّا حفظ عنه عليه السلام في نفي التشبيه عن الله تعالى ما رواه الشعبيّ، قال: سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلًا يقول: والذي احْتَجَبَ بِسَبْعٍ طِبَاقٍ، فعلاه بالدِّرّة، ثمّ قال له: وَيْلَكَ! إنَّ اللهَ أجَلُّ مِنْ أنْ يَحْتَجِبَ عَنْ شَيءٍ، أوْ يَحْتَجَبَ عَنْهُ شَيءٌ. سُبحَانَ الذي لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، ولَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ في الأرْضِ ولَا في السَّمَاءِ.
فقال الرجل: أفأكفّر عن يميني، يا أمير المؤمنين؟ قال: لَا، إنَّكَ لَمْ تَحْلِفْ بِاللهِ فَتَلْزِمَكَ كَفَّارَةُ الحَنْثِ، وإنَّمَا حَلَفْتَ بِغَيْرِهِ.[16]
العاشر: كلامه عليه السلام في خطبة اخرى أحدثت انقلاباً حقّاً بعباراتها الموجزة في عرض التوحيد الخالص، وعدم تعدّد ذات الحقّ تعالى. وذكر الشيخ الطبرسيّ هذه الخطبة في «الاحتجاج» فقال: قال عليه السلام: دَلِيلُهُ آيَاتُهُ، ووُجُودُهُ إثْبَاتُهُ، ومَعْرَفِتُهُ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَمِييزُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وحُكْمُ التَّمِييزِ بَيْنُونَةُ صِفَةٍ لَا بَيْنُونَةُ عُزْلَةٍ. إنَّهُ رَبٌّ خَالِقٌ غَيْرُ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٍ، كُلُّ مَا تُصُوِّرَ فَهُوَ بِخَلَافِهِ.
ثمّ قال عليه السلام: لَيْسَ بِإلَهٍ مَنْ عُرِفَ بِنَفْسِهِ. هُوَ الدَّالُّ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، والمُؤدِّيّ بِالمَعْرِفَةِ إلَيْهِ.[17]
الحادي عشر: الخطبة الثالثة والثمانون والمائة من خطب «نهج البلاغة»: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، ولَا تَحْوِيهِ المَشَاهِدُ، ولَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ، ولَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالُّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وبِاشتِبَاهِهِمْ عَلَى أنْ لَا شِبْهَ لَهُ. الذي صَدَقَ في مِيعَادِهِ، وارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، وقَامَ بِالقِسْطِ في خَلْقِهِ، وعَدَلَ عَلَيْهِمْ في حُكْمِهِ.
مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأشْيَاءِ عَلَى أزَلِيَّتِهِ، وبِمَا وسَمَهَا بِهِ مِنَ العَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وبِمَا اضْطَرَّهَا إلَيْهِ مِنَ الفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ. وَاحِدٌ لَا بِعَدِدٍ، ودَائِمٌ لَا بِأمَدٍ، وقَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ.
تَتَلَقَّاهُ الأذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ، وتَشْهَدُ لَهُ المَرَائِي لَا بِمُحَاضَرَةٍ. لَمْ تُحِطْ بِهِ الأوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا (إذ إنّ معرفة الله تتمّ عبر هذه الأفكار)، وبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا (ذلك أنّ القوى الوهميّة عاجزة عن إدراك المعاني الكلّيّة والمجرّدات، بما فيها واجب الوجود المجرّد من جميع الجهات)، وإلَيْهَا حَاكَمَهَا (لأنّ الأوهام جميعها حائرة في معرفته، معترفة بعدم إمكانها، مذعنة بعجزها وحقارتها أمام عظمته وعلوّ شأنه ورفعته). لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيَماً، ولَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيدَاً، بَلْ كَبُرَ شَأناً، وعَظُمَ سُلْطَاناً- الخطبة.[18]
الثاني عشر: رواية رواها الشيخ الصدوق في «معاني الأخبار» بسنده المتّصل عن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التَّوْحيدُ ظَاهِرُهُ في بَاطِنِه، وبَاطِنُهُ في ظَاهِرِهِ. ظَاهِرُهُ مَوْصُوفٌ لَا يُرَى، وبَاطِنُهُ مَوْجُودٌ لَا يَخْفَى، يُطْلَبُ بِكُلِّ مَكَانٍ، ولَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ. حَاضِرٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وغَائِبٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ.[19]
هذه الأحاديث الأثنا عشر تمثّل نموذجاً من الأحاديث المأثورة عن أئمّة الشيعة في توحيد الذات الإلهيّة المقدّسة. وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو فاتح هذا الباب، وحلّال هذه المسألة للُامّة، إذ بيّن للناس بمنطقهِ البليغِ التوحيدَ الذي منحه الحقُّ سبحانه وتعالى خاتمَ أنبيائه صلى الله عليه وآله.
[1] ذكر الشيخ المفيد مثل هذه الرواية في «الإرشاد»، ص 125، الطبعة الحجريّة. قال: روى أهل السيرة وعلماء النقلة أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أمير المؤمنين! خبّرني عن الله تعالى أرأيته حين عبدتَه؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لم أك بالذي أعبد من لم أره. فقال له: كيف رأيتَه؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويحك! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، ولا تدركه الحواسّ. فانصرف الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
[2] الآية 49، من السورة 51: الذاريات.
[3] كانوا يظنّون في القديم أنّ الذكورة والانوثة مخصوصة بالإنسان والحيوان، ثمّ ثبت أنّ الأشجار والنباتات مشمولة بهذا الاختلاف، فبعضها ذكر، وبعضها انثى. وقوله تعالى: وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ يصرّح بهذا المعنى. أمّا الجمادات والأحجار فلا توالد ولا تناسل ولا ذكورة ولا انوثة فيها أبداً. والآية الكريمة: ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أثبتت أنّ الله خلق من كلّ شيء زوجين ذكر وانثى. وثبت اليوم في علم الفيزياء أنّ جميع الأجسام وذرّاتها حاملة لإحدى القوّتين المختلفتين: إمّا فيها كهربائيّة موجبة أو سالبة. وإذا كان هذان النوعان من جنس واحد واجتمعا في مكان واحد، كرقّاصَي الساعة اللذين فيهما شحنتان موجبتان أو سالبتان، فانّهما يتدافعان. وإذا كانا من جنسين كالرقّاص الذي له شحنة موجبة مع الرقّاص الذي له شحنة سالبة، فانّهما يتجاذبان. وأنّ الكلام المعجز لأمير المؤمنين عليه السلام: مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، ثمّ استشهاده عليه السلام بالآية الكريمة: ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ يبيّن موضعه ومحلّه جيّداً.
[4] قال في «بحار الأنوار»: وفي نسخة (ج) و(و): وكان. .. إلى آخره.
[5] «التوحيد» للشيخ الصدوق، ص 308 و309، الحديث الثاني من الباب 43؛ ورواه (سؤال ذعلب) الكلينيّ في «أصول الكافي» ج 1، ص 138 و139، الحديث الرابع، باب جوامع التوحيد، طبعة حيدري، عن محمّد بن أبي عبد الله مرفوعاً، عن الصادق عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته. ورواه الشريف الرضي رحمه الله في «نهج البلاغة» الخطبة 184، شرح محمّد عبده، طبعة مصر، ص 354 إلى 361 مع إضافات؛ و«التوحيد» ص 34 إلى 41؛ و«عيون أخبار الرضا» للصدوق أيضاً، ج 1، ص 150 إلى 153، طبعة انتشارات جهان(/ إصدارات العالم)، مع إضافات في العبارات، عن الإمام الرضا عليه السلام. وفي «عيون أخبار الرضا» و«التوحيد» عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمّد بن عمرو الكاتب، عن محمّد بن زياد القلزميّ، عن محمّد بن أبي زياد الجُدّيّ، عن محمّد بن يحيى بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، قال: سمعتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام يتكلّم بهذا الكلام في التوحيد عند المأمون. قال ابن أبي زياد: ورواه لي أيضاً أحمد بن عبد الله العلويّ مولى لهم وخالًا لبعضهم عن القاسم بن أيّوب العلويّ أنّ المأمون لمّا أراد أن يستعمل الرضا عليه السلام على هذا الأمر، جمع بني هاشم (بني العبّاس) فقال: إنّي اريد أن استعمل الرضا على هذا الأمر من بعدي، فحسده بنو هاشم، وقالوا: أتولّى رجلًا جاهلًا ليس له بصيرة بتدبير الخلافة؟ فابعث إليه رجلًا يأتنا فنرى من جهل ما يستدلّ به عليه، فبعث إليه فأتاه، فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن! اصعد المنبر وانصب لنا عَلَماً في التوحيد نعبد الله عليه. فصعد عليه السلام المنبر، فقعد مليّاً لا يتكلّم مطرقاً، ثمّ انتفض انتفاضة، واستوى قائماً، وحمد الله وأثنى عليه. وصلى عليه نبيّه وأهل بيته، ثمّ قال: أوّل عبادة الله معرفته. .. إلى آخر الخطبة.
[6] «نهج البلاغة» ج 1، ص 14 إلى 16، الخطبة الاولى، طبعة مصر، شرح وتعليق الشيخ محمّد عبده؛ وذكرها الطبرسيّ أيضاً في «الاحتجاج» ج 1، ص 294 إلى 298، طبعة النجف.
[7] «نهج البلاغة» ج 1، ص 112 إلى 114 الخطبة 63، طبعة مصر، شرح وتعليق عبده.
[8] «نهج البلاغة» ج 1، ص 274 و275، الخطبة 150، من طبعة مصر وشرح عبده.
[9] «نهج البلاغة» ج 1، ص 300 إلى 302، الخطبة 161، طبعة مصر وتعليق عبده.
[10] «نهج البلاغة» الخطبة 184، طبعة مصر وشرح عبده، ج 1، ص 354 إلى 361؛ وذكرها الشيخ الطبرسيّ في «الاحتجاج» ج 1، ص 299 إلى 304 من كلامه عليه السلام: لَا يُشْمَلُ بِحدٍّ، ولَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وإنَّما تحدّ الأوقات أنفسها- إلى آخر الخطبة.
[11] «نهج البلاغة» طبعة مصر وشرح عبده، ج 1، ص 354.
[12] المراد من النوع هنا المعنى اللغويّ، والقِسم. مثلًا يقول القائل: زيد واحد. أي: زيد نوع من جنس الإنسان، وحصّة واحدة، وقسم واحد من هذا الجنس، لذلك سيشمل الوحدة الفرديّة، والنوعيّة، والجنسيّة. مثلًا نحن نقول: زيد واحد، أي: نوع واحد من جنس الإنسان. والإنسان واحد، أي: نوع واحد من جنس الجسم والمادّة. وعلى ضوء ذلك نلحظ في كلام الإمام أنّ النوع والجنس بمعناهما اللغويّ يشملان جميع أقسام الوحدة العدديّة الفرديّة مثل زيد، والوحدة النوعيّة مثل الإنسان، والوحدة الجنسيّة مثل الحيوان وأعمّ من ذلك، وينفي الجميع. ولا يريد الإمام من النوع والجنس هنا معناهما الاصطلاحيّ المنطقيّ.
[13] «التوحيد» للصدوق، ص 83 و84، طبعة مكتبة الصدوق، 1398 ه-؛ و«الخصال» للصدوق أيضاً، ص 2، طبعة مكتبة الصدوق؛ و«معاني الأخبار» له أيضاً، ص 4، وطبعة المكتبة المذكورة.
[14] جاء في «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 1، ص 298، الذي نقل هذه الخطبة عن «الإرشاد» للمفيد: نفي الصفات عنه، المصدر المذكور.
[15] «الإرشاد» ص 124 و125 الطبعة الحجريّة؛ و«الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ، ج 1، ص 298 و299، طبعة النجف.
[16] «الإرشاد» ص 125.
[17] «الاحتجاج» ج 1، ص 299.
[18] «نهج البلاغة» الخطبة 183، طبعة مصر وشرح عبده، ج 1، ص 350 و351؛ وذكرها الطبرسيّ كلّها في «الاحتجاج» ج 1، ص 305، طبعة النجف.
[19] «معاني الأخبار» ص 10، باب التوحيد والعدل، الحديث رقم 1، طبعة مكتبة الصدوق.
[1] عدد هذه الأبيات خمسة. وهي في «ديوان الحميريّ» ص 128. اخرجت من «أعيان الشيعة»، و«مناقب آل أبي طالب». والبيتان الأوّل والثاني منها هما:
مُحَمَّدٌ خَيْرُ بَنِي غَالِبِ *** وبَعْدَهُ ابْنِ أبِي طَالِبِ
هَذَا نَبِيّ ووَصِيّ لَهُ *** ويُعْزَلُ العَالَمُ في جَانِبِ
ثمّ ذكر الأبيات الثلاثة التي نقلناها عن «مناقب آل أبي طالب» لابن شهرآشوب بالألفاظ نفسها ما عدا البيت الأوّل، إذ أوردناه: «معجب حاجب» بالحاء نقلًا عن «مناقب. ..» وجاء في «ديوان الحميريّ»: «معجب عاجب» بالعين المهملة، أي: إنّ الأحاديث الألف كلّها عجيبة وتثير الإعجاب.
[2] هذان البيتان ضمن أبيات مجموعها اثنا عشر بيتاً، اخرجت في «ديوان الحميريّ» ص 178 و179، من «أعيان الشيعة». وأوّلها:
وارث السيف والعمامة والرا *** ية مطويّة وذات القيود
[3] هذه الأبيات الأربعة في «ديوان الحميريّ» ص 460، اخرجت من «أعيان الشيعة» و«مناقب آل أبي طالب».
[4] من هنا انطلق الشاعر الشيعيّ الناشئ الأكبر شاعر أهل البيت في أشعاره، فوصف المنزلة العلميّة لأمير المؤمنين عليه السلام بنحو لم يطقه الناس، وكانوا يخشونه. قال:
بِآلِ محمّدٍ عُرف الصوابُ *** وفي أبياتهم نزل الكتابُ
وهم حجج الإله على البرايا *** بهم وبجدّهم لا يُسترابُ
طعامُ سيوفهم مُهج الأعادي *** وفيضُ دمِ الرقاب لها شرابُ
و لا سيّما أبا حسنٍ عليّاً *** له في العلم مرتبة تُهابُ
إذا نادت صوارمُهُ نفوساً *** فليس لها سوى نعمٍ جوابُ
وبين سنانه والدرع صُلحٌ *** وبين البيض والبيض اصطحابُ
هو النبأ العظيم وفلك نوح *** وباب الله وانقطع الخطابُ
بحث صاحب «نامه دانشوران ناصري (= كتاب الحكماء الناصري) ج 5، ص 405 إلى 407 حول مُنشد هذه الأبيات، وقال: نسبها المحدّث النيسابوريّ إلى العارف المشهور ابن الفارض المصريّ، وعدّها دليلًا صريحاً على تشيّعه. وذهب سبهر القاسانيّ في «ناسخ التواريخ»، وكذلك صاحب «كفاية الخصام»- وكتابه ترجمة لكتاب «غاية المرام»- إلى أنّها لعمرو بن العاص، حتى قال صاحب «كفاية الخصام»: نصّ الإمام الفخر الرازيّ على ذلك في تفسيره، وذكرها أيضاً بعض المحدّثين كمهذّب الدين أحمد بن رضا في «تحفة الذخائر» إذ أوردها في جملة القصائد التي انشدت في يوم غدير خم، ونسبها إلى عمرو بن العاص. وعند ما نقل سبهر هذه الأبيات عن عمرو بن العاص في ذيل يوم الغدير، أضاف إليها البيتين الآتيين قبل البيت الأخير:
عليّ الدُّرُّ والذهب المصفّي *** وباقي الناس كلّهم ترابُ
هو البكّاء في المحراب ليلًا *** هو الضحّاك إذا اشتدّ الضرابُ
أحوال الشاعر الشيعيّ الناشئ الأكبر
ثمّ قال: ويستفاد من ترجمة الشاعر الشيعيّ عليّ بن عبد الله- الذي يقال له: الناشئ الأكبر- أنّها له. قال الناشئ: كنتُ املي شعري في جامع الكوفة سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين من الهجرة، والناس يكتبون. وكان أبو الطيّب المتنبّي حاضراً، وهو لم يشتهر يومئذٍ ولم يعرف بلقب المتنبّي. وكنتُ ذات يوم املي القصيدة التي مطلعها:
بآل محمّد عُرفَ الصوابُ *** وفي أبياتهم نزل الكتابُ
ولمّا بلغتُ البيتين الآتيين وهما في مدح أمير المؤمنين عليه السلام:
كأنّ سنان ذابله ضميرٌ *** فليس عن القلوب له ذهابُ
و صارمه كبيعته بخُمٍ *** معاقده من القوم الرقابُ
رأيتُ أبا الطيّب المتنبّي قد كتبهما معاً واحتفظ بهما، ليأتي بمضمونهما في أشعاره فيما بعد. أجَل، إنّ مؤلّف «نامه دانشوران» يرى انتساب هذه الأبيات إلى الناشي الأكبر أقرب من انتسابها إلى غيره لجهاتٍ ذكرها. إذ إنّ اسلوبها وسياقها ومضمونها ونظمها كلّ ذلك لا ينسجم مع اسلوب الصدر الأوّل، ولا مع اسلوب شرف الدين عمر بن الفارض.
[5] في «أقرب الموارد»: نَزَّ الأرْضُ نَزَّاً ونَزِيزَاً من باب ضرب: تَحَلَّبَ مِنْها النَّزُّ. وفي «المصباح»: نَزَّتِ الأرْضُ نَزَّاً من باب ضرب: كَثُرَ نَزُّهَا. والنَّزُّ- بالفتح والكسر، وهو أجود-: ما يتحلّب من الماء فارسيّ معرّب. وفي «المصباح»: تسمية بالمصدر، ومنهم من يكسر النون، ويجعله اسماً، وهو النَّدَى السائل.
[6] أخرجها محبّ الدين الطبريّ في «ذخائر العقبي» ص 83 عن أحمد في مناقبه، والبغويّ في معجمه، وعن أبي عمر.
[7] قسم من الآية 89، من السورة 16: النحل: ويَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.
[8] نصف الآية 12، من السورة 36: يس: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.
[9] بعض من الآية 59، من السورة 6: الأنعام: وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ويَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
[10] بعض من الآية 7، من السورة 3: آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
[11] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 263 إلى 266، الطبعة الحجريّة.
[12] قسم من الآية 28، من السورة 35: فاطر: ومِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ والْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ.
[13] «المناقب» ج 1، ص 258، الطبعة الحجريّة.
[14] «المناقب» ج 1، ص 264.
[15] روى الحمّوئيّ هذه الخطبة إلى هنا في «فرائد السمطين» ج 1، ص 340 و341 بسنده المتّصل عن أبي البختريّ تحت الرقم 263، وعبارتها الأخيرة هي قوله: وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ [قوله تعالى] ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. ورواها الخوارزميّ في مناقبه، ص 47، في باب غزارة علمه، طبعة النجف، بسنده المتّصل عن أبي البختريّ أيضاً، إلى قوله: أفَلا تَعْقِلُونَ.
[16] الآية 39، من السورة 13: الرعد.
[17] يريد الإمام عليه السلام من هذه العبارات نفي الصفات عن الذات الأحديّة تعالى وتقدّس. ومعنى ذلك أنّ كلّ صفة لها حدٌّ ومفهوم معيّن تتميّز بهما عن سائر الصفات. فالعلم غير القدرة، والقدرة غير الحياة. وهذه الغيريّة ناتجة عن مفهوم هذه الأشياء، وهذا المفهوم محدود. ولمّا لم يجد الحدّ طريقه إلى الذات الأحديّة المقدّسة فلهذا فانّ ما كان في الذات متّحداً بها هو حقيقة العلم والقدرة والحياة بدون عنوانها. والعناوين محدودة وفي مرتبة أوطأ من الذات. وعلى هذا الأساس، قال الإمام: «الله لطيف اللطافة ولا يوصف باللطف»، أي: أنّ اللطافة صفة، ويمكن أن يقال للشيء: لطيف في مقابل غير اللطيف، «و الله لطيف اللطافة»، أي: بالنسبة إلى مفهوم اللطافة لطيف بنحو مطلق، أي: أعلى من مفهوم اللطيف، وبالسنبة إلى مصاديقها لطيف، أي: موجدها. وعلى ضوء ذلك، لن يوصف باللطافة بحدود مفهوم اللطافة وقيودها. وهكذا بالنسبة إلى سائر الصفات. مثلًا، العظمة صفة، ويقال للشيء: عظيم إذا كان في مقابله شيء صغير، أمّا الله، فهو غير عظيم بالنسبة إلى شيء صغير، بل هو عظيم بالنسبة إلى مفهوم العظمة، أي: أعلى من مفهوم العظمة ووصفها. فهو عظيم العظمة، ولا ينبغي أن تطلق عليه صفة العظيم. وفي مصاديق العظمة، الله موجد جميع المصاديق، فهو خالق العظمة وفاطرها. وبصورة عامّة نلاحظ في كافّة أسماء ذات الحقّ تعالى وصفاته أنّ مفاهيمها محدودة، ومصاديقها محدودة أيضاً. ونظراً إلى وجود الحدّ، فليس لها حقّ العينيّة مع ذات الحقّ. وهذا هو معنى كلام الإمام في الخطبة الاولى من خطب «نهج البلاغة» إذ قال: وكَمَالُ الإخلاص نَفيُ الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة.
[18] الآية الاولى من السورة 4: النساء هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ والْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. تنصّ هذه الآية على أنّ النسل الإنسانيّ ينتهي إلى آدم وحوّاء. ويلزم ذلك أنّ أولادهما تزوّجوا بناتهما، ولا يستدعي ذلك محذوراً، لأنّ قبح نكاح المحارم ليس من المستقلّات العقليّة، بل من الامور الاعتباريّة التي كانت حلالًا يومئذٍ ثمّ حُرّمت. ووردت روايات في هذا المجال، منها ما جاء في «الاحتجاج» عن الإمام السجّاد عليه السلام في حديث له مع قرشيّ يصف فيه تزويج هابيل بلوزا اخت قابيل، وكانا توأمين، وتزويج قابيل باقليما اخت هابيل، وكان توأمين أيضاً. فقال له القرشيّ: فأولداهما؟ قال الإمام: نعم. فقال له القرشيّ: فهذا فعل المجوس اليوم. فقال: إنّ المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله. ثمّ قال له: لا تنكر هذا إنّما هي شرائع الله جرت. أليس الله قد خلق آدم وخلق زوجته منه، ثمّ أحلّها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم في الحلّيّة، ثمّ أنزل الله التحريم بعد ذلك.
هذا الحديث يوافق ظاهر القرآن والاعتبار، لأنّنا إذا قدّمنا روايات اخرى، فانّ الروايات المعارضة لها التي تدلّ على أنّ الله أنزل لهابيل حوريّة من الجنّة، وزوّج قابيل بامرأة من الجنّ، يلزمها أنّ بني آدم ليسوا من أولاد آدم، بل من أولاد آدم والملائكة والجنّ، وينتهي نسب الإنسان بهؤلاء الثلاثة، لا بآدم وحوّاء. ومن الثابت أنّ هذا القول غير صحيح وأنّ جميع بني آدم ينتهي نسبهم إلى آدم، وهم بنو آدم لا بنو الجنّ والحُور. ناهيك عن أنّ هذه الروايات ضعيفة السند. ويضاف إلى ذلك أنّها مخالفة لظاهر الكتاب كما رأينا. فلهذا هي مرفوضة بناءً على قاعدة العرض على كتاب الله. هذا هو مجمل الموضوع الذي ذُكر هنا، وورد تفصيله في تفسير سماحة الاستاذ العلّامة روحي فداه: «الميزان في تفسير القرآن» ج 4، ص 143 إلى 160. وأمّا ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في الرواية التي تعنينا، في جواب الأشعث بن قيس، فانّه يدلّ على أنّ ذلك الملك قد غالط، وخلط الحكم العقليّ بالحكم الاعتباريّ الشرعيّ، وعلى ضوء تزاوج بنات آدم وأبنائه، أهمل الحكم الوارد في شريعته والقاضي بحرمة نكاح البنت، ونَسَخَهُ، وأغفل الناس، وروّج نكاح المحارم. إذاً لم يكن عند المجوس نكاح المحارم في أصل الشريعة، وكانت شريعتهم من الله. فلهذا عليهم أن يدفعوا الجزية والخراج كاليهود والنصارى. ولم يعدّ عمر المجوس من أهل الكتاب، وكان يتعامل معهم كمشركين. بَيدَ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يرى أنّهم من أهل الكتاب، ولم يطبّق عليهم أحكام الشرك. وعَزَّ هذا الأمر على الأشعث بن قيس، الذي كان من المنافقين ومن أعداء الإمام، فاعترض عليه.
[19] روى الشيخ الطبرسيّ هذه الرواية إلى قوله عليه السلام: «هذا أخي الخضر عليه السلام» فقط، وذلك في «الاحتجاج» ج 1، ص 384 و385، طبعة النجف، عن الأصبغ بن نباتة بدون ذكر السند، ولم يذكر الأشعث بن قيس في ذلك السؤال، ولكن ورد فيها سؤال ذِعلب بعنوان: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! هل رأيتَ ربّك؟ ولكنّه لا يذكر متن الجواب، ويقول: أجابه الإمام عليه السلام بما تقدّم وذكرناه. وهذا إشارة إلى ما ذكره في ص 312: روى أهل السِّيَرِ أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: خبّرني عن الله أرأيتَه حين عبدته؟ فقال عليه السلام: لم أك بالذي أعبد من لم أره. فقال الرجل: كيف رأيته يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويلك! لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته العقول بحقائق الإيمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، ولا يُدرَك بالحواسّ. فرجع الرجل وهو يقول مع نفسه: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
[20] «التوحيد» للشيخ الصدوق، ص 304، إلى 308، طبعة مكتبة الصدوق، سنة 1398 ه-، الحديث الأوّل من الباب 43؛ ورواها الصدوق أيضاً في «الأمالي» ص 205 إلى 208 بثلاثة أسناد عن أحمد بن الحسن القطّان، وعن عليّ بن أحمد بن موسى الدقّاق، وعن محمّد بن أحمد السنانيّ، وهؤلاء الثلاثة عن أبي العبّاس أحمد بن يحيي بن زكريّا القطّان، عن محمّد بن العبّاس، عن محمّد بن أبي السريّ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعد بن طريف الكنانيّ، عن الأصبغ بن نُباتة (المجلس الخامس والخمسون، يوم الجمعة الرابع من ربيع الآخر، سنة ثلاثمائة وثماني وستّين)، وذكر ذيلها المتعلّق بالحسنين عليهما السلام وصعودهما المنبر. ورواها السيّد هاشم البحرانيّ في «غاية المرام» القسم الثاني، ص 521، الحديث الأوّل عن الخاصّة، عن ابن بابويه في «الأمالي» بالأسناد الثلاثة المذكورة. ولمّا كان الكلام يدور حول الحديث النبويّ الشريف: أنَا مَدينةُ العِلْمِ وعليّ بَابُهَا، لذلك قطّع الرواية المشار إليها، ولكنّه رواها تامّة في ص 524 و525، الحديث الأوّل عن الخاصّة، إذ كان الكلام يدور حول الحديث: سَلُوني.... أقول: إنّ ما يبدو لي هو أنّ صدر هذه الرواية، المتعلّق بخطبة أمير المؤمنين عليه السلام، وذيلها المرتبط بأمره الحسنين عليهما السلام بصعود المنبر روايتان منفصلتان، وقد دمجهما أحد الرواة وجعل منها رواية واحدة سهواً. والدليل على ذلك أنّ صدر الرواية صريح بأنّ الإمام عليه السلام خطب خطبته المذكورة عند ما بويع بالخلافة، وكان ذلك في سنة خمس وثلاثين للهجرة، والإمام الحسن عليه السلام يومئذٍ ابن ثلاث وثلاثين سنة، والإمام الحسين عليه السلام ابن اثنتين وثلاثين سنة. وأنّ العبارة الواردة في ذيل الرواية- إذ أمرهما الإمام عليه السلام بالتكلّم لئلّا تجهلهما قريش بعده- غير مناسبة، ذلك أنّ قريش عرفتهما كما ينبغي خلال بضع وثلاثين سنة. ثانياً: أنّ قول الإمام عليه السلام للحسن عليه السلام: «اواري نفسي عنك وأسمع وأرى وأنت لا تراني» لا يليق بشأن رجل عظيم مثله، بل يليق برجل يرغّب طفلًا له في الخطبة. ثالثاً: أنّ الكلمتين الموجزتين للحسنين عليهما السلام- وفي كلّ منهما حديث نبويّ قصير- دليل آخر على ما نقول. رابعاً: جاء في الرواية أنّ الإمام الحسن عليه السلام لمّا نزل من المنبر حَمَلَهُ (الإمام أمير المؤمنين عليه السلام) وضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ، وهذا صريح بأنّه فعل ذلك مع طفل صغير. وعلى هذا ينبغي أن نقول: إنّ ذيل الرواية يُشعر أنّ خطبة أمير المؤمنين عليه السلام كانت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وانتقال الإمامة إليه، وكان للحسن عليه السلام يومئذٍ ثماني سنين وللحسين عليه السلام سبع سنين. ولمّا خطب أمير المؤمنين عليه السلام آنذاك لبيان فضائله، أمر الحسنين عليهما السلام بذلك. وخَالَ الراوي أنّهما خطبة واحدة فذكرهما معاً.
الاكثر قراءة في الامامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)