اثبات الوصي
قال تعالى : {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [الشورى: 9، 18].
قال ابن شهرآشوب : من كتاب العلويّ البصري : أن جماعة من اليمن أتوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالوا : نحن بقايا الملك المقدّم من آل نوح ، وكان لنبينا وصي اسمه سام ، وأخبر في كتابه : أنّ لكل نبي معجزة ، وله وصي يقوم مقامه ؛ فمن وصيك ؟ فأشار بيده نحو علي عليه السّلام ، فقالوا : يا محمد ، إن سألناه أن يرينا سام بن نوح ، فيفعل ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « نعم ، بإذن اللّه » وقال : « يا علي ، قم معهم إلى داخل المسجد فصل ركعتين ، واضرب برجلك الأرض عند المحراب ».
فذهب عليّ ، وبأيديهم صحف ، إلى أن دخل محراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم داخل المسجد ، فصلى ركعتين ، ثم قام فضرب برجله على الأرض فانشقّ الأرض وظهر لحد وتابوت ، فقام من التابوت شيخ يتلألأ وجهه مثل القمر ليلة البدر ، وينفض التراب من رأسه ، وله لحية إلى سرته ، وصلى على عليّ عليه السّلام ، وقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، سيد المرسلين ، وأنك علي وصي محمد ، سيد الوصيين ، أنا سام بن نوح ، فنشروا أولئك صحفهم ، فوجدوه كما وصفوه في الصحف ، ثم قالوا : نريد أن يقرأ من صحفه سورة ، فأخذ في قراءته حتى تمم السورة ، ثم سلم على علي ، ونام كما كان ، فانضمت الأرض ، وقالوا بأسرهم : إن الدين عند اللّه الإسلام .
وآمنوا ، فأنزل اللّه تعالى : {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى} إلى قوله : أُنِيبُ « 1 ».
وقال علي بن إبراهيم : قوله تعالى :{ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ} إِلَى اللَّهِ يعني وما اختلفتم فيه من المذاهب ، واخترتم لأنفسكم من الأديان ، فحكم ذلك كله إلى اللّه يوم القيامة .
وقوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني النساء وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني ذكورا وإناثا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني النسل الذي يكون من الذكور والإناث . ثم ردّ على من وصف اللّه فقال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 2 ».
وكتب الرضا عليه السّلام إلى عبد اللّه بن جندب : « أمّا بعد ، فإنّ محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان أمين اللّه في خلقه ، فلما قبض صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كنا أهل البيت ورثته ، فنحن أمناء اللّه في أرضه ، عندنا علم البلايا والمنايا ، وأنساب العرب ، ومولد الإسلام ، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق ، وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ، أخذ اللّه علينا وعليهم الميثاق ، يردون موردنا ، ويدخلون مدخلنا ، ليس على ملّة الإسلام غيرنا وغيرهم .
نحن النجباء والنجاة ، ونحن أفراط الأنبياء ، ونحن أبناء الأوصياء ، ونحن المخصوصون في كتاب اللّه عز وجل ، ونحن أولى الناس بكتاب اللّه ، ونحن أولى الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ونحن الذين شرع لنا دينه ، فقال في كتابه :
شَرَعَ لَكُمْ يا آل محمد مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً قد وصانا بما وصى به نوحا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى فقد علمنا وبلغنا علم ما علمنا واستودعنا علمهم ، نحن ورثة أولي العزم من الرسل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يا آل محمد وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وكونوا على جماعة كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ من أشرك بولاية عليّ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية علي ، إنّ اللَّهُ يا محمد يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ من يجيبك إلى ولاية عليّ عليه السّلام » « 3 ».
وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « إن اللّه عز وجل قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ولقد وصيناك بما وصينا به آدم ونوحا وإبراهيم والنبيين من قبلك أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من تولية « 4 » علي بن أبي طالب عليه السّلام . قال عليه السّلام : « إن اللّه عزّ وجلّ أخذ ميثاق كل نبي ، وكل مؤمن ليؤمنن بمحمد وعلي ، وبكل نبي ، وبالولاية ، ثم قال لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، يعني آدم ونوحا وكل نبي بعده » « 5 ».
وقال علي بن إبراهيم : قوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مخاطبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي تعلموا الدين ، يعني التوحيد ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت ، والسنن والأحكام التي في الكتب ، والإقرار بولاية أمير المؤمنين عليه السّلام وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ أي لا تختلفوا فيه ] كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ذكر هذه الشرائع.
ثم قال : {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي يختار وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} وهم الأئمة الذين اجتباهم الله واختارهم ، قال : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ قال : لم يتفرقوا بجهل ، ولكنهم تفرقوا لما جاءهم العلم وعرفوه ، وحسد بعضهم بعضا ، وبغى بعضهم على بعض ، لما رأوا من تفضيل أمير المؤمنين عليه السّلام بأمر اللّه ، فتفرّقوا في المذاهب ، وأخذوا بالآراء والأهواء.
ثم قال عزّ وجلّ : {وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ }، قال : لولا أن اللّه قدّر ذلك أن يكون في التقدير الأول لقضي بينهم إذا اختلفوا ، وأهلكهم ولم ينظرهم ، ولكن آخرهم إلى أجل مسمى مقدر.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ كناية عن الذين نقضوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ثم قال : فَلِذلِكَ فَادْعُ يعني هذه الأمور ، والذي تقدم ذكره ، وموالاة أمير المؤمنين عليه السّلام وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ « 6 ».
وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام ، في قول اللّه تعالى : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ، « الإمام وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كناية عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، ثم قال : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية علي عليه السّلام اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ كناية عن علي عليه السّلام وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ، ثم قال : فَلِذلِكَ فَادْعُ يعن إلى ولاية علي أمير المؤمنين عليه السّلام ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ فيه وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ إلى قوله :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ » « 7 ».
وقال الرضا عليه السّلام ، في قول اللّه عزّ وجلّ : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بولاية عليّ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يا محمد من ولاية عليّ ، هكذا في الكتاب مخطوطة » « 8 ».
نرجع إلى رواية علي بن إبراهيم : ثم قال عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ أي يحتجون على اللّه بعد ما شاء [ اللّه ] أن يبعث إليهم الرّسل [ والكتب ] ، فبعث اللّه إليهم الرّسل والكتب فغيروا وبدلوا ، ثم يحتجون يوم القيامة على اللّه حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ أي باطلة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ .
ثم قال عزّ وجلّ : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ ، قال :
الميزان : أمير المؤمنين عليه السّلام ، والدليل على ذلك قوله في سورة الرحمن :
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ } [الرحمن: 7] يعني الإمام .
وقوله تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها كناية عن القيامة فإنهم كانوا يقولون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أقم لنا الساعة وائتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين ، قال اللّه : أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ أي يخاصمون « 9 ».
______________
( 1 ) المناقب : ج 2 ، ص 339 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 273 .
( 3 ) الكافي : ج 1 ، ص 174 ، ح 1.
( 4 ) في النسخ : من قول .
( 5 ) مختصر بصائر الدرجات : ص 63 .
( 6 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 273 .
( 7 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 273 .
( 8 ) الكافي : ج 1 ، ص 346 ، ح 32 .
( 9 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 274 .