إنّ مجالس التوسّل بوليّ العصر ومحافله هي في غاية الحسن والجودة. بَيدَ أنّ التوسّل الذي يُقْصَدُ من ورائه الحقّ؛ والوصول إلى الحقّ؛ ورفع الحجب الظلمانيّة والنورانيّة؛ وكشف حقيقة الولاية والتوحيد؛ وحصول العرفان الإلهيّ والفناء في ذاته المقدّسة، هو التوسّل المرغوب والمحمود. ولذلك فإنّ انتظار الفرج حتى في عصر الأئمّة عليهم السلام أنفسهم كان يعتبر من أعظم الأعمال وأكثرها فضيلة.
أنّ التوسّل بحقيقة ولاية الإمام لكشف حجب الطريق من أفضل الأعمال؛ لأنّ توحيد الحقّ من أفضل الأعمال. كما أنّ انتظار الظهور الخارجيّ للإمام بوصفه مقدّماً على ظهوره الباطنيّ وكشف ولايته مفيد.
وانتظار الظهور الخارجيّ محبوب ومحمود في ضوء ذلك.
وإذا كنّا نرمي إلى الظهور الخارجيّ وحده دون القصد إلى تلك الحقيقة ومحتواها، فقد بعنا الإمام بِثَمَنٍ بَخسٍ حينئذٍ؛ وبالتالى فنحن المتضرّرون كثيراً؛ لأنّ المراد والمقصود ليس التشرّف بحضوره الطبيعيّ؛ وإلّا فإنّ كثيراً من الناس كانوا يرون الأئمّة في عصورهم ويحضرون عندهم؛ ويتكلّمون معهم؛ بَيدَ أنهم كانوا لا خلاق لهم من حقيقتهم. ولو كنّا في مجالس التوسّل، أو عند الاختلاء بأنفسنا توّاقين إلى لقائه؛ ورزقنا الله ذلك، ولم تكن غايتنا لقاء الله وحقيقة الولاية، فإنّنا نتشرّف برؤيته على نفس النسق الذي كان الناس به يتشرّفون برؤية الأئمّة والحضور عندهم آنذاك. وأنه لغَبْن وضرر كبير أن نتشرّف بخدمته بعد الجدّ والجهد والكدّ والسعي، بينما ليس لدينا هدف أعلى وأسمى من اللقاء الظاهريّ- وهذا اللقاء في الحقيقة لرفع الشكّ والشبهة عن وجوده وطول عمره- أو أن نتوجّه إليه في قضاء حوائجنا المادّيّة ورفع ما يهمّنا من امورنا الخاصّة أو العامّة؛ وهو أمر كان متيسّراً لجميع الناس الذين شهدوا عصر الأئمّة عليهم السلام بدون مشقّة التوسّل.
على أنّ الشيء القيّم حقّاً هو التشرّف بحقيقة الإمام وبلوغها، والشوق إلى لقائه من حيث آيتيّة الحقّ سبحانه وتعالى؛ وهذا هو المهمّ؛ وهو من أفضل الأعمال؛ ومثل هذا الانتظار للفرج يحيى القلوب وينعش النفوس ويطيّب الأرواح رَزَقَنَا اللهُ وإيّاكُمْ إن شَاءَ اللهُ بِمحمّد وآلِهِ الطّاهِرِينَ.
ماهي القيمة من وراء العلم بزمن ظهوره الخارجيّ لنا؟ ولذلك فقد ورد في الأخبار النهي عن التفحّص والتجسّس في مثل هذه الامور.
افرضوا أننا عرفنا زمن ظهوره عن طريق علم الجَفْر والرَمْل الصحيح، فما ذا نفعل حينئذٍ؟ وما هو واجبنا؟ أنّ واجبنا هو تهذيب النفس الأمّارة وتزكيتها وإعدادها للقبول والتضحية والإيثار.
إنّنا مكلّفون بهذه الأمور دائماً؛ وما علينا إلّا أن نعيش أجواء تهذيب النفس وتزكيتها، وتطهير الضمير؛ سواء عرفنا وقت ظهوره أو لم نعرف ذلك؛ ولو أخلصنا نيّاتنا وتأهبّنا لذلك فسيحالفنا الحظّ والتوفيق بلقائه الحقيقيّ؛ ولو لم نكن كذلك، فإنّنا لن نقطف شيئاً ذا بال من وراء لقاء جسمه العنصريّ والمادّيّ؛ ولا نحصل على نتيجة من هذا اللقاء.
ولذلك نرى كثيراً من الأشخاص الذين أقاموا فيمسجد السهْلَةَ أو في مسجد الكوفة أو في غيرهما من الأماكن المقدّسة أربعينيّات متعدّدة لزيارة الإمام وظفروا بذلك، إلّا أنهم لم يحصلوا على شيء مهمّ من تلك الزيارة.
وما ينبغي ذكره أكثر من غيره هو أنّ الظهور الخارجيّ والعامّ لم يقع للإمام بعد؛ ومرتبط بأسباب وعلامات لا بدّ من تحقّقها؛ إلّا أنّ الظهور الخاصّ والباطنيّ ممكن للبعض؛ وبكلمة بديلة: أنّ سبيل الوصول إلى الإمام والتشرّف بخدمته مفتوح للجميع، غاية الأمر أنه يحتاج إلى تهذيب الأخلاق وتزكية النفس.
وكلّ من نوى لقاء الله هذا اليوم، وجاهد نفسه لهذا الهدف، فيستحظي بظهور الإمام الشخصيّ والباطنيّ دون أدنى شكّ، ذلك لأنّ لقاء الحقّ لا يتحقّق بدون اللقاء الآيتيّ والمرآتيّ للإمام.