بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام في رسالة الحقوق :
فَحَقُّ أُمِّكَ، فَـــــــــأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتكَ حَيْثُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَدًا وَأَطْعَمَتكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبها مَا لا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَنَّهَا وَقَتكَ بسَمْعِهَـــــــا وبَصَرِهَــــــا ويَدِهَــــا وَرِجْلهـــــا وَشَعْرِهَا وبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَـــــا مُسْتَبشِرَةً بذَلِكَ، فَرِحَـــــــــــةً مُوَابلَةً، مُحْتَمِلَةً لِمَـــــــــا فِيهِ مَكْرُوهُهــا وأَلَمُهـــا وثِقْلُهـــا وَغَمُّهَا حَتَّى دَفَعَتهَا عَنْكَ يَدُ الـــــــــــــقُدْرَةِ وَأَخرَجَتكَ إلَى الأَرضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَــــــعَ وتجــــــــــــُوعُ هِيَ، وَتَكْسُوكَ وَتعْرَى، وَتُرْوِيكَ وَتَظْمَـــــــــأُ، وَتُظِلُّكَ وتَضْحَى، وَتُنَعِّمَـــــــكَ ببُؤْسِهَـــــــــــــــا، وَتُلَذِّذُكَ بالنَّوْمِ بأَرَقِهَا، وَكَانَ بَطْنُهَــــــا لَكَ وِعَاءً، وَحِجْرُهَـــا لَكَ حِوَاءً، وثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً، ونَفْسُهَـــا لَكَ وِقَــــــــــــاءً، تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنيَا وبَرْدِهَـــــــــــــــــــا لَكَ وَدُونَكَ، فَتَشْكُرَهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إلاّ بعَونِ اللَّهِ وَتَوفِيقِهِ.
بهذه الكلمات العطرة والصور المستوحاة من حياتنا اليومية، يستجيش الإمام عليه السلام البر والرحمة المكنونة في قلوبنا تجاه أعظم انسانة في الوجود، نعم انها امي وامك وأم كل من يقرأ كلماتي ،
الامام علي بن الحسين عليه السلام يخاطب الذرية الناشئة ، الجيل المقبل. لأن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام، وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة. إلى الحياة المولية. إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد، إلى التضحية بكل شئ حتى بالذات. وكما تمتص النبتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وإذا هما مع ذلك سعيدين!
فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى الأمام إلى الزوجات والذرية... وهكذا تسير الحياة.
ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء، إنما يحتاج الأبناء إلى استجاشة وجدانهم بقوة، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف!
ويصور الإمام (سلام الله عليه) هنا تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبدا إحسان من الأولاد مهما أحسنوا القيام بحقها.
وتركيب هذه الألفاظ وتناغمها من الإمام (عليه السلام) يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال، الذي تتحمله الأم أيام الحمل وأثناء الوضع في صورة حسية مؤثرة.
وعن الإمام الصادق عليه السلام:
"ميراث الله من عبده المؤمن، الولد الصالح يستغفر له"١.
والولد ليس مختصا بالذكر كما قد يفهم البعض بل يُطلق "الولد" على الذكر والأنثى على حد سواء؛ ومثال ذلك قوله تعالى في آية المواريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}، فشمَل اللفظ الذكور والإناث.
- وعنه عليه السلام، قال: "كان أبي عليه السلام يقول: خمس دعوات لا يُحجبن عن الربّ تبارك وتعالى... ودعوة الولد الصالح لوالديه..."٢.
وعن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن مسلم ، قال : كنت جالساً عند أبي عبدالله عليهالسلام اذ دخل يونس بن يعقوب فرأيته تأنّ( من الالم) ، فقال : طفل لي تأذّيت به اللّيل أجمع.
فقال : حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، عن آبائه ، عن جدّه رسول الله صلى اله عليه وآله ، أنّ جبرئيل عليهالسلام نزل عليه ورسول الله صلىاللهعليهوآله وعليّ عليهالسلام يأنّان فقال جبرئيل : يا حبيب الله ومالي أراك تأنّ؟فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أجل طفلين لنا تأذّينا ببكائهما. فقال جبرئيل : مه يا محمّد ، فإنّه سيبعث لهؤلاء شيعة إذا بكى أحدهم فبكاؤه لا إله إلا الله ، إلى أن يأتي عليه سبع سنين. فإذا جاز السّبع فبكاؤه استغفار لوالديه ، إلى أن يأتي على الحدود ( سن التكليف)، فإذا جاز الحدّ فما أتي من حسنة فلوالديه وما أتى من سيّئة فلا عليهما.3
فان برّ الوالدين أو الإحسان إلى الوالدين هو احترام كلٍّ من الأب والأمّ، وتعظيمهما وتقديم كلّ عمل خير لأجلهما، وقد قُرن الإحسان للوالدين في القرآن الكريم بـعبادة الله عزّ وجل. و قد اعتبر المفسّرون أنّ هذا القانون الإلهي يعمّ مطلق الوالدين، سواء أكانا كافرين أو مسلمين، صالحين كانا أو فاجرين. وفي مصادر الحديث، يُعتبر الإحسان إلى الوالدين من أفضل وأحبّ الأعمال التي تقرّبك إلى الله عزّ وجل.
[وقد بيّن المعصومون آثاراً مختلفةً تترتّب على برّ الوالدين، ومن جملتها: زيادة الرزق والبركة، وطول العمر، ومغفرة الذّنوب، ودخول الجنّة يوم القيامة. كما أنّ حسن التّصرف بدون أدنى حدّة مع الوالدين، والنظر بلطف إليهما، وعدم رفع الصوت أمامهما، تُعتبر من مصاديق الإحسان إلى الوالدين.
عن الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام، انه سأل عيسى بن صبيح وهو في الحبس: "هل رزقت من ولد" ، [فأجاب عيسى]قلت : لا، قال[عليه السلام]: "اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا. فنعم العضد الولد". ثم تمثل عليه السلام:
"من كان ذا عضد يدرك ظلامته ∗∗∗إن الذليل الذي ليست له عضد".
[قال عيسى بن صبيح ]
قلت: ألك ولد، قال عليه السلام: "أي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطا وعدلا، فأما الآن فلا"ثم تمثل:
لعلك يوما إن تراني كأنما * بني حوالي الأسود اللوابد
فان تميما قبل أن يلد الحصا * أقام زمانا (وهو) في الناس واحد.4
هذا وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: بئس الشيء الولد، إن عاش كدني، وإن مات هدني. فبلغ ذلك الإمام زين العابدين عليه السلام، فقال: "كذب، والله نعم الشيء الولد، إن عاش فدعاء حاضر، وإن مات فشفيع سابق".5
وقوله عليه السلام (إن عاش فدعاء حاضر)، ترى مصداقه واضحا إذا تأملت في القران الكريم، فإن فيه آيتين ذكرتا دعاء نبيين من اولي العزم يستغفران لوالديهما، فإبراهيم عليه السلام يستغفر لوالديه وهو في آواخر عمره الشريف، قال تعالى: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب}6، ويشبه دعاءه آخر ما دعا به نوح عليه السلام، قال تعالى: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا}7، ودعاء زكريا عليه السلام في طلب الذرية وهو الذي قد بلغ به الكبر عتيا، قال تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء)8.
إلهي ومولاي وسيدي! وصل إلينا من ولاة أمرك، وحماة دينك، وحججك على خلقك عليهمالسلام:
أن من وجد برد حبنا أهل البيت في قلبه فليكثر الدعاء لأمهِ، يا ربي ومولاي بأسمائك الحسنى وجدت برد حبهم في قلبي، اللهم بجودك ومنك ورحمتك اغفر لوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا.
مولاي، لك الحمد على ما أعطيتني اُماً شربت حب الوصي، وغذتني من لبنها، ووالدا هو محب وموال للأئمة الطاهرين - صلوات الله عليهم أجمعين.
لا عذب الله أمي إنها شربت * حب الوصي وغذتنيه باللبن وكان لي والد يهوى أبا حسن * وصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن .
نسألكم الدعاء لوالدي رحمهما الله تعالى.
الهوامش
1- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط2،ج3، ص481.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص509.
3- الوسائل : ج ١٥ ص ٢١١ ح ٢
4- مجمع الامثال، أبو الفضل الميداني: ج١ ص٢١ ت ٥٤.
5- بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج ٥١ ص١٦٢، نقله العلامة المجلسي(رض) .
6- الدعوات لقطب الدين الراوندي: صفحة ٢٨٥.
7- سورة إبراهيم، الآية ٤١. سورة نوح، الآية ٢٨.
8- سورة آل عمران، الآية ٣٨.







د. ضياء احمد حسين
منذ 5 ايام
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN