Logo

بمختلف الألوان
رِسالةٌ إلى قَلبِكَ (الرَّحمَةُ) عِندَما تَضِيقُ بِكَ الدُّنيا، وَعِندَما تَتَسَاءَلُ: أينَ الفَرجُ مَتَى تَنكَشِفُ الغُمَّةُ تَذَكَّرْ هذهِ الآيَةَ العَظيمَةَ: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
ثقافة الانتظار الإيجابي دراسة روائية في معالم الإعداد والتطوير الذاتي

منذ 10 ساعات
في 2026/08/10م
عدد المشاهدات :12
تؤكد النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أن الانتظار ليس حالةً سلبيةً تقوم على الترقب أو مجرد أمنية تُختزن في القلب، بل هو مشروعٌ إصلاحي متكامل يهدف إلى بناء الإنسان المؤمن القادر على حمل مسؤولية نصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فالمنتظِر الحقيقي هو الذي يجعل من زمن الغيبة ميدانًا للإعداد المستمر، فيُنمّي إيمانه، ويهذّب أخلاقه، ويُعمّق علمه، ويُصلح سلوكه، حتى يكون أهلًا للانضمام إلى ركب أنصار الإمام عند ظهوره.
وهذا المعنى تؤكده سنة التغيير الإلهية التي بيّنها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، فالإصلاح يبدأ من داخل الإنسان، ثم ينعكس على الأسرة والمجتمع، ليُشكّل قاعدةً راسخةً للمشروع الإلهي الكبير. ومن هنا فإن الاستعداد لنصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يتحقق بالشعارات أو الأمنيات، وإنما ببناء الشخصية المؤمنة الواعية، التي تجعل من كل يوم في حياتها خطوةً عمليةً نحو تحقيق
معنى الانتظار في الروايات الشريفة:
قراءة تحليلية في البعد العقدي والعملي
أولت الروايات الواردة عن النبي الأكرم وأهل البيت (عليهم السلام) قضية الانتظار عنايةً خاصة، حتى أصبح مفهوم الانتظار من أبرز المفاهيم المؤسسة للهوية الإيمانية في عصر الغيبة. فالانتظار في الرؤية الإمامية ليس حالةً نفسيةً تقوم على الترقب المجرد، ولا موقفًا سلبيًا يقتصر على التمني والدعاء، بل هو منهج حياة متكامل يجمع بين المعرفة والإيمان والعمل والإعداد المستمر. ومن هنا جاءت النصوص الشريفة لتربط بين الانتظار وبين أعلى مراتب العبادة والطاعة والثبات.
فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص644). وهذه الرواية تكشف عن حقيقةٍ مهمة، وهي أن الانتظار ليس أمرًا هامشيًا في حياة المؤمن، بل هو من أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا. ومن المعلوم أن العمل لا يكون عملاً إلا إذا اقترن بالسعي والحركة والالتزام، أما التمني المجرد فلا يُعد عملاً في المنظور الشرعي. وعليه فإن وصف الانتظار بأنه من أفضل الأعمال يدل على أن المنتظر الحقيقي يعيش حالةً دائمة من الإصلاح والاستقامة والاستعداد لنصرة الحق.
كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص645). إن هذا التشبيه لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة الانتظار الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام)، إذ ليس المقصود مجرد التمني القلبي، وإنما الانتظار الذي يصنع الإنسان المؤمن ويهيئه ليكون جنديًا حقيقيًا في مشروع الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فالمعية المعنوية مع الإمام لا تتحقق إلا بالمشابهة في الهدف، والالتزام بالمنهج، والثبات على المبادئ، والاستعداد لتحمل المسؤولية.
وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «من مات وهو عارف بإمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر» (الكليني، الكافي، ج1، ص377). وتؤكد هذه الرواية أن الانتظار يرتكز أولاً على المعرفة؛ لأن معرفة الإمام ليست معرفةً اسمية أو تاريخية، بل هي معرفة عقدية وسلوكية تجعل الإنسان مرتبطًا بإمامه فكراً ومنهجاً وطاعةً. فكلما ازداد الإنسان معرفةً بإمامه ازداد التزامًا بأهدافه وقيمه، وأصبح أكثر قدرةً على الثبات أمام الفتن والانحرافات التي قد ترافق عصر الغيبة.
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص357). وتُظهر هذه الرواية العلاقة الوثيقة بين الانتظار والطاعة، فالمنتظر الحقيقي هو الذي يلتزم بأوامر الله تعالى ويسير وفق نهج أهل البيت (عليهم السلام)، لأن من لا يطيع الله في زمن الغيبة لن يكون مؤهلاً لطاعة الإمام عند ظهوره.
ومن الروايات المهمة أيضًا ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ليعدن أحدكم لخروج القائم ولو سهماً، فإن الله تعالى إذا علم ذلك من نيته رجوت لأن ينسئ في عمره حتى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره» (الغيبة للنعماني، ص320). وهذه الرواية تُعد من أوضح النصوص الدالة على البعد العملي للانتظار؛ إذ تدعو إلى الإعداد والاستعداد، ولو بأبسط الإمكانات. فالمطلوب من المؤمن أن يعيش روح الجهوزية الدائمة، وأن يعد نفسه علميًا وأخلاقيًا وإيمانيًا واجتماعيًا ليكون عنصرًا فاعلًا في مشروع الإصلاح الإلهي.
ومن خلال مجموع هذه الروايات يتبين أن الانتظار يقوم على أربعة أركان أساسية:
1. المعرفة: بمعرفة الإمام والاعتقاد بإمامته والارتباط بمنهجه.
2. الثبات: بالتمسك بالدين وعدم الانحراف أمام الشبهات والفتن.
3. الإصلاح الذاتي: عبر تهذيب النفس وبناء الشخصية المؤمنة الصالحة.
4. الاستعداد العملي: بالإعداد المستمر لنصرة الإمام وخدمة مشروعه الإصلاحي.
وعليه فإن الانتظار في الفكر الإمامي ليس انتظارًا سلبيًا، بل هو حركة إصلاح دائمة تبدأ من النفس وتمتد إلى المجتمع. إنه مشروع لبناء الإنسان الرسالي الذي يعيش قضية الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عقيدته وأخلاقه وسلوكه، ليكون مؤهلاً للانضمام إلى أنصار دولة العدل الإلهي. فالمنتظر الحقيقي لا يسأل متى يظهر الإمام فحسب، بل يسأل نفسه دائمًا: هل أصبحت اليوم أقرب إلى أن أكون من أنصاره؟
أولًا: بناء العلاقة مع الله تعالى
لا يمكن الحديث عن إعداد أنصار الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بمعزل عن العلاقة بالله تعالى، فهي المنطلق الذي تتشكل منه شخصية المؤمن، والمقياس الذي يحدد صدقه في الانتظار. فالذي يرجو أن يكون من أنصار الإمام لا بد أن يبدأ بإصلاح صلته بربه؛ لأن نصرة الحجة الإلهية ليست مسؤولية عسكرية أو اجتماعية فحسب، وإنما هي ثمرة لعبودية صادقة وإيمان راسخ.
وتشير آيات القرآن الكريم إلى أن التقوى والإخلاص هما أساس القرب من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. ومن هنا فإن المحافظة على الصلاة، والالتزام بالفرائض، واجتناب المعاصي، ليست أعمالًا منفصلة عن ثقافة الانتظار، بل هي الوسيلة التي يصنع بها الإنسان نفسه، ويهيئها لتحمل مسؤولية الانتماء إلى المشروع المهدوي.
وقد رسم الإمام الصادق (عليه السلام) هذا المعنى بكلمات موجزة جامعة، فقال: «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر» (النعماني، الغيبة، ص200). واللافت في هذه الرواية أن الإمام لم يجعل الانتظار وحده كافيًا، بل ربطه بالعمل. فالورع ليس مجرد الابتعاد عن الحرام، وإنما حالة من مراقبة الله في كل موقف، تدفع الإنسان إلى اختيار ما يرضيه، وترك ما يبعده عنه. أما حسن الخلق فهو الامتحان اليومي لصدق الإيمان، إذ تتجلى حقيقة العقيدة في تعامل الإنسان مع أهله، وجيرانه، والناس من حوله.
وهذا يكشف أن الاستعداد للظهور لا يبدأ عند وقوع الأحداث الكبرى، وإنما يبدأ في تفاصيل الحياة اليومية؛ في الأمانة، وصدق الكلمة، والوفاء بالوعد، وكظم الغيظ، والإحسان إلى الآخرين. فمن يعجز عن الانتصار على هوى نفسه، سيكون أعجز عن حمل مسؤولية نصرة الإمام عندما يؤذن له بالظهور.
وعليه، فإن أول لبنة في بناء الأنصار هي أن يعيش الإنسان مع الله حضورًا دائمًا، لا حضورًا موسميًا. فكل صلاةٍ تُؤدى بخشوع، وكل معصيةٍ تُترك ابتغاء مرضاته، وكل خلقٍ حسنٍ يُمارس مع الناس، هو خطوة حقيقية في طريق الانتظار، لأن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إنما يحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ صنعتهم الطاعة قبل أن تجمعهم رايته.
ثانيًا: الوعي والبصيرة
يُعدّ الوعي والبصيرة من أهم مقومات الشخصية المهدوية، لأن عصر الغيبة يمتاز بكثرة الفتن، وتزاحم الأفكار، وظهور الشبهات التي قد تزلزل عقيدة الإنسان إذا لم يكن مستندًا إلى معرفة راسخة. ولذلك لم تكتفِ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالدعوة إلى الإيمان، بل أكدت ضرورة أن يكون هذا الإيمان قائمًا على الفهم والتمييز، حتى يستطيع المؤمن أن يعرف الحق فيتبعه، ويعرف الباطل فيجتنبه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، فجعل البصيرة أساسًا للدعوة والسير في طريق الله، لأن الإيمان الذي لا يقوم على الوعي يكون أكثر عرضة للتأثر بالانحرافات الفكرية والفتن.
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «العالِمُ بِزَمانِهِ لا تَهجُمُ عَلَيهِ اللَّوابِسُ» (الكليني، الكافي، ج1، ص27). وتؤكد هذه الرواية أن معرفة الإنسان بظروف عصره، وما يحيط به من تحديات فكرية واجتماعية، تمنحه قدرة على تمييز الحق من الباطل، فلا يقع فريسةً للشبهات أو الدعايات المضللة.
كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): «لا خير في عبادةٍ لا فقه فيها» (الكليني، الكافي، ج1، ص36). وتبين هذه الرواية أن العبادة وحدها لا تكفي إذا خلت من الفهم الصحيح، لأن الفقه والبصيرة هما اللذان يحفظان العبادة من الانحراف ويجعلانها قائمة على أساس متين.
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «العاملُ على غيرِ بصيرةٍ كالسائرِ على غير الطريق، لا تزيده سرعةُ السير إلا بُعدًا» (الكليني، الكافي، ج1، ص43). وتقدم هذه الرواية قاعدةً تربويةً مهمة، وهي أن الحماس وحده لا يكفي، بل قد يقود إلى نتائج عكسية إذا لم يكن مصحوبًا بالعلم والبصيرة. ولذلك فإن العمل في سبيل الله، والتمهيد للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يحتاج إلى وعي يوجّه الجهد في الاتجاه الصحيح.
ومن الروايات التي ترتبط مباشرة بعصر الغيبة ما روي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): «إذا فُقِدَ الخامسُ من ولدِ السابعِ فاللهَ اللهَ في أديانِكم، لا يُزيلنَّكم عنها أحدٌ» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص34). وتكشف هذه الرواية عن خطورة مرحلة الغيبة، وما يصاحبها من محاولات لإبعاد المؤمنين عن عقيدتهم، الأمر الذي يجعل الوعي والثبات ضرورةً لا خيارًا.
ومن خلال هذه النصوص يتضح أن البصيرة ليست ثقافةً عامة أو اطلاعًا محدودًا، وإنما هي وعيٌ نابع من القرآن الكريم، ومن أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ومن فهم طبيعة المرحلة التي يعيشها المؤمن. فكلما ازداد الإنسان علمًا بدينه، ومعرفةً بإمامه، وإدراكًا لسنن الله في التاريخ والمجتمع، أصبح أكثر قدرةً على مواجهة الفتن، وأكثر استعدادًا للثبات على طريق الانتظار الحقيقي، حتى يكون من الذين يحفظون دينهم في زمن الغيبة، ويتهيؤون لنصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عند ظهوره.
ثالثًا: خدمة المجتمع
لا تنحصر ثقافة الانتظار في إصلاح الفرد وحده، بل تمتد إلى إصلاح المجتمع؛ لأن مشروع الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو مشروع إقامة العدل وإحياء القيم الإلهية بين الناس. ومن هنا فإن المنتظر الحقيقي لا ينعزل عن مجتمعه، ولا يكتفي بالاهتمام بعبادته الشخصية، بل يسعى – ضمن حدود قدرته – إلى نشر الخير، وإغاثة المحتاج، وتقوية أواصر المودة، وإصلاح ذات البين، والمساهمة في مواجهة الظلم والفساد بالحكمة والأساليب المشروعة.
وقد جعل القرآن الكريم هذه المسؤولية من صفات الأمة المؤمنة، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]. فالتمهيد لدولة العدل يبدأ من نشر المعروف وتقليل مساحة المنكر في المجتمع، وكل عملٍ يُسهم في إصلاح الناس هو خطوة في طريق التمهيد.
وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا أَحْيَا أَمْرَنَا»، فقيل له: وكيف يُحيي أمركم؟ فقال: «يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا» (الكليني، الكافي، ج1، ص32). وتبين هذه الرواية أن إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) لا يقتصر على إحياء مناسباتهم، بل يشمل نشر علومهم وقيمهم وأخلاقهم، حتى تتحول إلى سلوكٍ حي في المجتمع.
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كُونُوا لَنَا زَيْنًا وَلَا تَكُونُوا عَلَيْنَا شَيْنًا» (الكليني، الكافي، ج2، ص77). وهذه الرواية تجعل سلوك المؤمن رسالةً عملية تعكس أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، فكل تعامل قائم على الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، يمثل دعوةً صامتة إلى نهجهم، ويُسهم في بناء مجتمعٍ أكثر استقامة.
كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): «النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ» (نهج البلاغة، الكتاب 53). وهذا الأصل الأخلاقي يرسخ نظرة الإسلام إلى الإنسان، ويؤسس لعلاقاتٍ اجتماعية تقوم على الرحمة، والعدل، واحترام الكرامة الإنسانية، وهي القيم نفسها التي ستقوم عليها دولة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وعلى هذا الأساس، فإن خدمة المجتمع ليست عملًا اجتماعيًا منفصلًا عن الانتظار، بل هي من أبرز مظاهره. فكل جهد يُبذل في تعليم الجاهل، وإعانة الفقير، وإصلاح ذات البين، ورعاية الضعفاء، وترسيخ القيم الأخلاقية، يُعد مشاركةً عملية في التمهيد للمجتمع الذي يريده الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فالمنتظر الصادق لا ينتظر ظهور العدل ليعمل به، وإنما يبدأ بتجسيده في محيطه، ليكون شاهدًا على مبادئ أهل البيت (عليهم السلام) قبل أن يكون من أنصار قائمهم.

رابعًا: إعداد الكفاءة
لا يقتصر الإعداد لنصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على البناء الإيماني والأخلاقي، بل يشمل إعداد الإنسان ليكون قادرًا على أداء مسؤوليته بكفاءة واقتدار. فالمشروع المهدوي مشروع عالمي لإقامة العدل، ولا يمكن أن يقوم إلا على أيدي رجال ونساء يجمعون بين قوة العقيدة وحسن الأداء، وبين الإخلاص والخبرة، وبين التقوى والإتقان.
وقد دعا الإسلام إلى تنمية القدرات والاستعداد لمواجهة التحديات، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. والآية وإن وردت في سياق الإعداد لمواجهة الأعداء، إلا أن مفهوم القوة فيها يشمل كل ما تحتاج إليه الأمة من عناصر القوة؛ من العلم، والمعرفة، والإدارة، والتنظيم، والخبرة، وسائر الوسائل التي تحفظ المجتمع وتعينه على أداء رسالته.
وتصف الروايات أصحاب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بأنهم أصحاب عزيمة وثبات، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «رِجَالٌ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبَرُ الْحَدِيدِ، لَا يَشُوبُهَا شَكٌّ فِي ذَاتِ اللَّهِ، أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ...» (النعماني، الغيبة، ص315). وهذه الرواية لا تتحدث عن القوة الجسدية وحدها، بل تشير إلى شخصية متماسكة تمتلك يقينًا راسخًا، وإرادةً صلبة، وقدرةً على تحمل المسؤوليات والضغوط دون تردد أو اضطراب.
كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحدُكم عملًا أن يُتقِنَهُ» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج17، ص258). وتؤسس هذه الرواية لثقافة الإتقان، فكل عمل يؤديه المؤمن ينبغي أن يكون قائمًا على الجودة والإحكام، سواء كان في مجال العلم، أو التعليم، أو الإدارة، أو الصناعة، أو سائر المهن التي تخدم المجتمع.
ومن هنا، فإن إعداد الكفاءة يعني أن يسعى المؤمن إلى تطوير نفسه باستمرار، وأن يتقن تخصصه، ويكتسب المهارات التي يحتاجها مجتمعه، لأن المجتمع الذي يمهد لدولة الإمام لا يُبنى بالعواطف وحدها، وإنما يُبنى بالعلم، والعمل، والانضباط، والشعور بالمسؤولية. فكل طبيب يتقن مهنته، وكل معلم يؤدي رسالته بإخلاص، وكل باحث يطور معارفه، وكل عامل يحسن عمله، يشارك في بناء مجتمع قوي قادر على حمل الرسالة.
وعليه، فإن الكفاءة في المنظور المهدوي ليست غاية دنيوية، بل هي عبادة إذا اقترنت بالإخلاص لله تعالى، ووسيلة للإسهام في بناء مجتمع أكثر عدلًا واستقرارًا. فالمنتظر الحقيقي لا يكتفي بتمني الظهور، بل يعمل على أن يكون عنصرًا نافعًا ومؤهلًا، حتى إذا أذن الله بظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، كان مستعدًا لأن يؤدي دوره بعلم، وحكمة، وإتقان.
خامسًا: الثبات أمام الابتلاء
يُعدّ الثبات من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المنتظر في عصر الغيبة، لأن طريق الانتظار ليس طريقًا خاليًا من التحديات، بل هو ميدان للابتلاء والامتحان الإلهي. فالمؤمن قد يواجه فتنًا فكرية، وضغوطًا اجتماعية، وتأخرًا في تحقق ما يرجوه، وكل ذلك يتطلب إيمانًا راسخًا وصبرًا لا يتزعزع. ولهذا أكدت النصوص الشرعية أن قيمة الإنسان لا تظهر في أوقات الرخاء، وإنما تتجلى في قدرته على الثبات عندما تشتد المحن.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. فالابتلاء سنة إلهية، والصبر هو السبيل الذي يحفظ المؤمن من الانهيار، ويمنحه القدرة على مواصلة طريقه بثقة واطمئنان.
وفي خصوص عصر الغيبة، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ، وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ» (الكليني، الكافي، ج1، ص336). وتكشف هذه الرواية أن أبرز مسؤولية تقع على عاتق المؤمن في زمن الغيبة هي المحافظة على التقوى والثبات على الدين، لأن كثرة الفتن قد تدفع بعض الناس إلى التردد أو الانحراف، بينما يبقى المؤمن الصادق متمسكًا بمبادئه مهما تبدلت الظروف.
وروي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «إنَّ أهلَ زمانِ غيبتِهِ، القائلينَ بإمامته، والمنتظرينَ لظهورِهِ، أفضلُ أهلِ كلِّ زمانٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أعطاهم من العقولِ والأفهامِ والمعرفةِ ما صارت به الغيبةُ عندهم بمنزلةِ المشاهدة...» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص319). وتبرز هذه الرواية المنزلة العظيمة لمن يثبت على الإيمان في زمن الغيبة، إذ إن ثباته لا يقوم على المشاهدة، وإنما على اليقين والمعرفة.
كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ ماتَ مِنْكُمْ وهو مُنْتَظِرٌ لهذا الأمرِ كَمَنْ هو مع القائمِ في فُسْطاطِهِ» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص645). وهذه الرواية تؤكد أن قيمة الانتظار تكمن في الاستمرار والثبات حتى نهاية العمر، لا في الحماس المؤقت الذي يزول عند أول اختبار.
ومن هنا، فإن الثبات في عصر الغيبة لا يعني مجرد الصبر على تأخر الظهور، بل يعني المحافظة على العقيدة، والالتزام بالطاعة، ومقاومة الفتن، وعدم الانجرار خلف الشبهات أو دعوات اليأس والإحباط. فكل موقف يثبت فيه المؤمن على الحق، وكل ابتلاء يتجاوزه وهو متمسك بدينه، يقربه من حقيقة الانتظار التي أرادها أهل البيت (عليهم السلام). ولهذا كان الثبات من أعظم صور النصرة قبل الظهور، لأنه يحفظ الإنسان على الطريق حتى يأتي وعد الله، وهو ثابت على عهده مع إمامه.
صور من الواقع
لا تكتمل قيمة الانتظار ما لم تتحول إلى سلوكٍ ينعكس في حياة الإنسان اليومية. فالمنتظر الحقيقي لا يعيش حالةً من الترقب المجرد، بل يجعل من كل موقع يشغله فرصةً للإصلاح وخدمة المجتمع. ولذلك فإن التمهيد للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يقتصر على ميادين معينة، وإنما يبدأ من الأسرة، والجامعة، ومكان العمل، والحي، وكل مساحة يستطيع الإنسان أن يؤدي فيها واجبه بإخلاص.
فالطالب الجامعي الذي يجتهد في تحصيل العلم، ويطوّر قدراته، ويجعل من تخصصه وسيلةً لخدمة الناس، يمارس لونًا من ألوان الانتظار العملي؛ لأنه يهيئ نفسه ليكون عنصرًا نافعًا في بناء المجتمع. وكذلك الأب والأم اللذان يربيان أبناءهما على الصلاة، والصدق، والأمانة، واحترام الآخرين، فإنهما يسهمان في إعداد جيل يحمل القيم التي تقوم عليها دولة العدل الإلهي.
كما أن الشباب الذين يبادرون إلى الأعمال التطوعية، ويشاركون في مساعدة الفقراء، ورعاية الأيتام، ونشر الوعي، وإصلاح ذات البين، يقدمون نموذجًا عمليًا للمنتظر الذي يشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه، ولا ينتظر تغير الواقع من دون أن يكون له دور في تغييره.
وفي ميدان العمل، يظهر الانتظار بأوضح صوره عندما يؤدي الموظف أو العامل أو التاجر مسؤوليته بأمانة وإتقان، ويرفض الرشوة، ويحفظ حقوق الناس، ويبتعد عن الظلم واستغلال المنصب. فمثل هذه المواقف اليومية، وإن بدت بسيطة، فإنها تعكس القيم التي دعا إليها أهل البيت (عليهم السلام)، وتسهم في بناء مجتمع يسوده العدل والثقة.
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية» (الكليني، الكافي، ج2، ص78). وتؤكد هذه الرواية أن أعظم وسائل الدعوة هي السلوك الصالح، وأن تأثير القدوة الصامتة قد يكون أبلغ من كثير من الكلمات.
وروي أيضًا عن الإمام الصادق (عليه السلام): «عليكم بالصدق وأداء الأمانة إلى البرِّ والفاجر، فلو أن قاتل علي بن أبي طالب ائتمنني على أمانة لأديتها إليه» (الكليني، الكافي، ج2، ص104). وهذه الرواية تبرز أن القيم الأخلاقية ليست مرتبطة بالظروف أو بالأشخاص، بل هي التزام شرعي دائم، وهي من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المنتظر.
لذلك فإن الانتظار الحقيقي لا يُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بقدر ما يتركه الإنسان من أثرٍ صالح في محيطه. فكل علمٍ نافع، وكل أسرةٍ صالحة، وكل عملٍ متقن، وكل يدٍ تمتد لمساعدة محتاج، وكل موقفٍ ينتصر للحق والعدل، هو لبنةٌ في مشروع التمهيد، وخطوةٌ عملية في طريق نصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والاستعداد لنصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ما يبدأ وقت الظهور، بل يبدأ من الآن: بإصلاح النفس، وزيادة الوعي، وخدمة المجتمع، وإتقان العمل، والثبات على المبادئ. فالمنتظر الحقيقي هو اللي يخلي كل يوم من حياته خطوة أقرب ليكون جاهز للوقوف تحت راية الإمام إذا أذن الله تعالى بظهوره المبارك.
واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
في 4 من اغسطس من عام 1922
بقلم الكاتب : ياسين فؤاد الشريفي
وفاة أنور باشا أحد القادة العسكريين والسياسيين البارزين في السنوات الأخيرة من عهد الدولة العثمانية ففي 3 يناير 1914، عُيّن وزيرًا للحربية وهو في الـ32 من عمره، وأصبح لاحقًا إلى جانب طلعت باشا وجمال باشا من أبرز قادة جمعية الاتحاد والترقي، وهي المجموعة التي عُرفت باسم "الباشوات الثلاثة" خلال فترة الحرب... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً حين رنّ هاتفه. لم يكن بحاجة للنظر إلى الشاشة... المزيد
لم يكن الماء في حياة موسى عليه السلام ماءً. كان قدراً سائلاً، يلبس في كل مرةٍ... المزيد
في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي... المزيد
العبارة في اللغة هي مجموعة من الكلمات المترابطة التي تؤدي دلالة أو معنى معيناً،... المزيد
أولاً: وجود المجاز المرسل يوجد مجاز مرسل في عبارة "تفرقت كلمة القوم"، وهو من أبرز... المزيد
الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على... المزيد
جاء في موقع توينكل عن الجناس في اللغة العربية: تعريف الجناس: الجناس لغةً: هو ضربًا من كل شيء...
تتنزّل منظومة ابن العرندس الحسني في فضاء العرفان كشهابٍ قدسيٍّ يشقُّ حُجب المادة، ليرسم...
كانت الوحوشُ لا تعرفُ في حياتها سوى قانونٍ واحد: القوةُ لمن يملكُ الأنيابَ الأطول، والمخالبَ...
في شارع الرشيد، حيث يتنفس التاريخ من رئة الورق المعتّق، كان صوت البائع يشقُّ الزحام : "الكتاب...


منذ 11 ساعة
2026/08/10
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وأربعة عشر: خاتمة النسبية الخاصة: من هندسة...
منذ 11 ساعة
2026/08/10
قد يشعر الإنسان بالتعب أو الدوار بعد الوقوف تحت أشعة الشمس في يوم شديد الحرارة،...
منذ 11 ساعة
2026/08/10
تعتمد دول الخليج العربي على محطات تحلية مياه البحر لتوفير معظم احتياجاتها من مياه...