بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
تُمثّل شخصية المختار بن أبي عبيد الثقفي (رضوان الله عليه) واحدةً من أكثر الشخصيات مفصليةً وإشكالية في التاريخ الإسلامي؛ لما ارتبط بحركته من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية كبرى عقب فاجعة كربلاء الخالدة. فقد شكّلت قيادته للمطالبة بثأر الأمام الحسين (عليه السلام) والقصاص من قتَلَته محطة فارقة، جعلت سيرته وحكومته محطّ اهتمام وقراءة مستمرة لدى المؤرخين والرجاليين عبر العصور.
ولم تقتصر التساؤلات والتحقيقات العلمية حول حركة المختار وأهدافه فحسب، بل امتدت لتشمل جثمانه الشريف وموضع ضريحه؛ إذ خضع القبر لظروف قاهرة من التكتم والاندثار والتغييب لمئات السنين، فرضتها طبيعة البطش السياسي والتنكيل التي مارسها السلطويون عقب استشهاده سنة 67 هـ، مما جعل موضع دفنه سرّاً متوارثاً في الذاكرة المحلية الخواص من أهالي الكوفة، إلى أن أتاح الله تعالى للفقيه المحقق السيد محمد مهدي بحر العلوم (توفي 1212 هـ) إعادة استكشافه وإظهاره داخل مسجد الكوفة المعظم سنة 1189 هـ.
الشرح التفصيلي ما جاء في إظهار قبر المختار الثقفي على يد السيد بحر العلوم في تحقيقات إظهار قبر المختار الثقفي المعطيات التاريخية والتحليل المنهجي لتسليط الضوء على نسبه، وموقعه، وظروف وفاته، وقصة اكتشافه.
ينتمي المختار إلى قبيلة ثقيف العريقة من قيس عيلان، وموطنها الأصلي مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، وقد امتد انتشار عشائر ثقيف مع الفتوحات الإسلامية لتستقر في العراق (الكوفة، البصرة، بغداد، والحلة) إضافة إلى بلاد الشام والمغرب العربي.
أما موقع ضريحه الحالي فيقع داخل مسجد الكوفة المعظم في العراق، بجوار الجدار القبلي للمسجد وقريباً من مرقد مسلم بن عقيل. وقد ظل القبر مخفياً ومندثراً لقرون طويلة حمايةً له، إلى أن أجرى عالم الدين السيد محمد مهدي بحر العلوم (توفي 1212 هـ) عملية التنقيب وأعاد اكتشاف موقعه وتجديد بنائه في القرن الثاني عشر الهجري (القرن الثامن عشر الميلادي)، اعتماداً على الروايات والدلائل التاريخية.
تعود جذور إخفاء جثمانه إلى ظروف استشهاده عام 67 هـ بعد حصار قصر الإمارة في الكوفة من قبل جيش مصعب بن الزبير؛ إذ لم يُبنَ له ضريحٌ علني في حينه لأسباب أمنية وسياسية قاهرة تمثلت في التنكيل بالجسد بقطع رأسه وإرساله إلى مكة وقطع يده وتعليقها على جدار المسجد. كما خشى الموالون له من نبش القبر أو التمثيل ببقية جثمانه، وأسهمت سيطرة الزبيريين وإعدام آلاف الأسرى في خلق مناخ من الرعب منع أي مظاهر للتكريم أو إشهار القبر.
التحليل المنهجي لمعرفة من الذي دفنه فعلياً، يُستبعد تماماً الجانب المدافع، إذ لم يدفنه مصعب بن الزبير إكراماً بل اقتصر دوره على التشفي والتنكيل. ومع غياب النص الصريح وأسماء محددة في أمهات المصادر التاريخية (كالطبري والبلاذري) نظراً لطبيعة التكتم والسرية، في مرجحة بنسبة عالية؛ أبرزها استغلال خواص أهله أو أنصاره المتخفين جنح الليل وفوضى ما بعد المعركة لستر الجسد ودفنه سراً وتسويه الأرض فوقه، أو إصدار سلطة الكوفة أمراً لعامة العمال بجمع جثث القتلى ودفنها سريعاً لمنع الفساد والرائحة، ليعرف أنصاره موضع جسده تحديداً ويحفظوا السر ويتناقلوه بين الأجيال.
ظل موضع القبر محفوظاً في الذاكرة المحلية لأهالي الكوفة دون أن يظهر للعامة طوال قرون نتيجة الظروف السياسية المتعاقبة والخوف من الاعتداء عليه أو طمس معالمه. وفي أواخر القرن الثاني عشر الهجري، حقق الفقيه الكبير السيد محمد مهدي بحر العلوم في الموضع اعتماداً على ما توارثه أهل الكوفة والقرائن التاريخية، وتوصل إلى تحديد مكانه بدقة داخل مسجد الكوفة المعظم، فأمر بإظهار القبر وتجديد بنائه سنة 1189 هـ (الموافق تقريباً 1775م) بإشرافه ومشاركة عدد من علماء الكوفة ووجوهها، مع الإشارة إلى أن المصادر التاريخية المعتبرة لا تذكر أسماء من رافقه على نحو موثق. وقد أصبح القبر بعد ذلك معلماً معروفاً داخل المسجد إلى جوار مرقد مسلم بن عقيل، وتوالت عليه أعمال الترميم والتوسعة عبر العصور.
تُعد نسبة إظهار قبر المختار الثقفي إلى السيد محمد مهدي بحر العلوم من الوقائع المشهورة في التراث الإمامي، بينما تقتضي الأمانة العلمية الوقوف عند القدر الثابت المتمثل بكونه صاحب المبادرة والإشراف، مع الامتناع عن نسبة أسماء أو تفاصيل لم تثبت بدليل تاريخي معتبر. ويُعد القول بأن أنصاره أو المقربين منه هم من دفنوه سراً ترجيحاً عقلياً وثقافياً قوياً فرضته ظروف البطش والسرية، بينما يفرض المنهاج العلمي عدم الجزم التام بأسماء الفاعلين لغياب التوثيق الاسمي المباشر في المصادر المعاصرة للحدث.
ذكر في الروايات التي تمدح المختار الثقفي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب ثأرنا وزوج أراملنا وقسم فينا المال على العسرة وروي أنه دخل جماعة على أبي جعفر الباقر عليه السلام وفيهم عبد الله بن شريك قال فقعدت بين يديه إذ دخل عليهم شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال من أنت قال أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متباعدا منه عليه السلام فمد يده فأدناه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده فقال أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي والقول والله قولك قال وأي شيء يقولون قال يقولون كذاب ولا تأمرني بشيء إلا قبلته فقال سبحان الله أخبرني أبي أن مهر أمي مما بعث به المختار إليه أولم يبن دورنا وقتل قاتلنا وطلب بثأرنا فرحم الله أباك وكررها ثلاثا ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه.
المصدر:بحار الأنوار، ج 45، ص 351.
أراء التحقيق
أقوال المحقق السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) في معجم رجال الحديث إلى توثيق المختار والدفاع عنه، مؤكداً أن الروايات الواردة في ذمه إما ضعيفة السند أو معارضة بروايات صحيحة ومستفيضة تدل على ممدوحيته، وأن قيامه بطلب ثأر الحسين (عليه السلام) وإدخال السرور على قلوب أهل البيت (عليهم السلام) يكفي في إثبات حُسن سريرته وجلالة قدره.
موقف العلامة المجلسي: جمع طوائف الأخبار في المجلد 45 من بحار الأنوار، وخلص إلى ترجيح الجانب الممدوح بالنظر إلى الأثر الكبير والإيجابي لحركته في القصاص من قتلة كربلاء.
منهجية السيد بحر العلوم: لم يعتمد السيد محمد مهدي بحر العلوم (توفي 1212 هـ) في التنقيب وإظهار القبر على الاستنتاج العشوائي، بل جمع بين:
القرائن التاريخية المعتبرة.
التواتر الروائي والذاكرة المحلية المتوارثة لدى أهالي الكوفة المخلصين الذين تناقلوا سر الموضع جيلاً بعد جيل حمايةً له من العبث.
تنظر روايات أهل البيت (عليهم السلام) إلى حكومة المختار باعتبارها سلطة نصرة ومظلومية، نجحت في تحقيق ما عجزت عنه الظروف السياسية الصعبة، متجاوزة حدود الانتقام العسكري البحت إلى تأسيس حالة من الدعم المالي والاجتماعي لعوائل الشهداء وإعادة الاعتبار لخط أهل البيت (عليهم السلام) في الكوفة.
رحَمَ اللَّهُ أَبَا إِسْحَاق المختارَ بنَ أبي عبيدِ بنِ مسعودٍ الثقفيّ
واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الطيّبين الطاهرين.







وائل الوائلي
منذ 10 ساعات
منهجية الإصلاح وتقويم الأمم
لغتنا المحتضرة
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
EN