Logo

بمختلف الألوان
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيّبين الطاهرين الهداة الميامين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. أمّا بعد.. فإنّ الانخراط في المجتمع والتفاعل معه لا يعني الفوضويّة في الاحتكاك مع الآخرين فليس صحيحاً... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
فوالله لا تمحو ذكرنا.. فالمعركة لم تنتهِ بعد، بدأت الآن

منذ 1 شهر
في 2026/06/28م
عدد المشاهدات :307
لم تنتهِ حكاية الطفّ حين سكنت حركة السيف، بل إن الصليل الحقيقي بدأ لحظة انطفاء المشرعة. حين انقشع غبار العاشر من محوّم عن جسدٍ تلوح عليه عساليج الخطّي، لم يكن ذلك إيذاناً بنهاية الثورة، بل كان إعلاناً عن ولادة المعركة الكبرى؛ معركة الوعي التي لم يكن لها من قائدٍ سوى امرأةٍ أثقلت عاتقَها الرزايا، لكنها لم تطأطئ رأسَها للسيوف. السيدة زينب بنت علي (عليهما السلام) لم تكن مجرد شاهدة عيانٍ على الفاجعة، بل كانت الصائغة التاريخية التي حوّلت الرماد والدم إلى مشاعل أبدية تهز الضمائر وتزلزل عروش الطغيان عبر العصور.
تتجلى عظمة هذا الدور في تلك اللحظة التي تذوب فيها الأنفس هيبةً وجلالاً، حين وقفت العقيلة بين الخيام المحترقة والأشلاء الموزعة، فلم تندب ندبة اليائس، بل رفعت بيديها الطاهرتين جسد أخيها الحسين (ع) وقالت كلمتها التي تختزل عمق المعرفة الإلهية: «اللهم تقبل منا هذا القربان». هذا الموقف ليس مجرد صبْرٍ بشرىّ، بل هو إعلان انتقال المعركة من طابعها العسكري المحدود في الزمان والمكان، إلى طابعها الأخلاقي الإنساني الممتد. إنها رؤية أهل البيت (عليهم السلام) التي لا ترى في الموت في سبيل الله انكساراً، بل تراه ذروة الكمال والجمال، وهو ما رسخته في وجدان الأمة حين واجهت غطرسة عبيد الله بن زياد الذي أراد الشماتة والتصغير، فجاءها الجواب الكوني الذي يهدّ أركان النفس الطاغية: «ما رأيتُ إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم».
من هنا، تحول الأسر من حالة استضعافٍ جسدي إلى حركة تحريرٍ فكري. لقد سارت السيدة زينب (ع) في ركب السبايا وهي تحمل في صوتها حيدريّة أبيها وبلاغة أمها، لتسقط الرواية المزيفة التي حاول الإعلام الأموي تسويقها للأمة بأن المستشهدين هم "خوارج". في الكوفة وفي الشام، لم تكن العقيلة تتكلم بلسان المأسورة، بل بلسان الحاكم الأخلاقي على العصر. كانت كلماتها تقع على القلوب كالصواعق، تحوّل دموع الفرح الزائف في وجوه الشامتين إلى بكاء عويل ونادم، وتعيد صياغة مفهوم الهزيمة والانتصار؛ فالمنتصر ليس من يملك السيف والسوط، بل من يملك الحق والخلود. لقد هزت تيجان الملوك وهي مقيدة بالحبال، ملقيةً بنبوءتها التي ما زالت تتأهب لها مسامع التاريخ: «فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا».
إن هذا السرد الزينبي لم يكن مجرد دفاعٍ عن قضية فئوية، بل كان حقناً لروح الأخلاق الإنسانية في عروق أمةٍ كادت أن تموت بالخوف والتبعية. لقد علمتنا السيدة زينب (ع) أن الدمع ليس ضعفاً إذا كان دمعاً رسالياً يغسل ران القلوب ويحرك في النفوس كوامن الثورة ضد الظلم، وأن القوة الحقيقية تكمن في الثبات على المبدأ حتى وإن تلاشت كل الناصرين والمعينين. هذا الإرث الأخلاقي هو الذي يجعل قضية الحسين (ع) غضة طرية في كل عام، لأن العقيلة زينب نفخت فيها من روحها، وجعلت من المجالس والمآتم مدارس لبناء الإنسان الواعي والجيل المستبصر الذي يرفض الضيم ويتحسس مواضع الحق بقلبٍ نابضٍ بالغيرة والكرامة.
كيف تلتقي الراية الزينبية بالوعد المهدوي؟
إن المعركة التي قادتها السيدة زينب (عليها السلام) بعد عاشوراء لم تكن مجرد حراكٍ لإنقاذ التاريخ من التزييف، بل كانت تمهيداً كونيّاً لصياغة المستقبل؛ فالخيط الرابط بين دمعة العقيلة في كربلاء وبين النهضة المقدسة للإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو خيط امتداد الرسالة وتحقيق الغاية الإلهية الكبرى. لقد وقفت السيدة زينب وسط الرماد لتزرع بذور الوعي والرفض للظلم، وهي صرخة لم تكن لتخمد أو تنتهي بوفاتها، بل جُعلت وقوداً عاطفياً وعقائدياً يتوارثه الأحرار جيلاً بعد جيل، ليكونوا القلوبَ المستعدة والنفوسَ الواعية التي تنتظر الآخذ بثار ذلك الدماء الطاهرة، ومحقّق العدل المطلق في الأرض.
يتأكد هذا الترابط العضيق في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) التي تكشف أن قضية الإمام الحسين (ع) هي المحرك الأساس لنهضة قائم آل محمد؛ فالإمام المهدي (عج) في تراثنا يربط غايته الكبرى مباشرة بفاجعة الطف، وكما ورد في الزيارة الشريفة: «أن يرزقني طلب ثأرك مع إمام منصور من أهل بيت محمد». هذا الثأر ليس انتقاماً شخصياً، بل هو استئصال لجذور الظلم والفساد التي وقفت السيدة زينب في وجهها غريبةً ومأسورة. إن العقيلة بصلابتها وخطبها أسست لمنهج "المقاومة بالكلمة والوعي"، وهو ذاته المنهج الأخلاقي الذي يصيغ شخصية المنتظرين الصادقين؛ فالذي يريد أن يكون في ركب الإمام المهدي، عليه أولاً أن يتخرّج من مدرسة الزينبية في الثبات، والقدرة على رؤية تدبير الله الجميل في أحلك الظروف وأقساها.
وعندما نمعن النظر في النداء العالمي للإمام المهدي (عج) عند ظهوره، نجده ينطلق من الكعبة المشرفة منادياً: «ألا يا أهل العالم إن جدي الحسين قتلوه عطشاناً»، وهنا تلتقي الصرختان؛ صرخة زينب في مجلس يزيد وهي تحدّد معالم الخلود: «ولن تميت وحينا»، وصرخة حفيدها المهدي وهو يحيي ذلك الوحي ويحقق تلك النبوءة الزينبية على أرض الواقع. إن السيدة زينب (ع) حفظت الإمامة المتمثلة بالإمام زين العابدين (ع) في وقتٍ كان الطغاة يريدون قطع هذا النور، وبحفظها له، حفظت الوجود الإمامي الذي تنحدر منه شخصية المنقذ الخلف الحجة. وهكذا، تصبح المسيرة الزينبية هي الجسر الأخلاقي والروحي الذي يربط فاجعة الدم بانتصار الراية، ويتحول الحزن الحسينى في وجدان الأمة من انكسارٍ باءٍ بالدموع، إلى أملٍ متأهبٍ يترقب العدالة الإلهية ويبني الإنسان الممهد لظهور الحق.

اعضاء معجبون بهذا

فن الاعتذار والتواضع: بين ثقافة «سوميماسين» والأخلاق
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
تتجلى في ثقافة «سوميماسين» اليابانية فلسفةٌ اجتماعية قائمة على حفظ الانسجام الجماعي والتواضع، والاعتراف بالدين الأخلاقي تجاه الآخرين؛ فالكلمة ليست مجرد اعتذارٍ عن خطأ، بل هي أداةٌ لتلطيف أجواء المعاملة، وجسرٌ لاستمرار العلاقات، وإظهارٌ لعدم رؤية الذات فوق الآخرين. وهذا المفهوم يلتقي في جوهره... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً حين رنّ هاتفه. لم يكن بحاجة للنظر إلى الشاشة... المزيد
لم يكن الماء في حياة موسى عليه السلام ماءً. كان قدراً سائلاً، يلبس في كل مرةٍ... المزيد
في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي... المزيد
العبارة في اللغة هي مجموعة من الكلمات المترابطة التي تؤدي دلالة أو معنى معيناً،... المزيد
أولاً: وجود المجاز المرسل يوجد مجاز مرسل في عبارة "تفرقت كلمة القوم"، وهو من أبرز... المزيد
الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على... المزيد
جاء في موقع توينكل عن الجناس في اللغة العربية: تعريف الجناس: الجناس لغةً: هو ضربًا من كل شيء...
تتنزّل منظومة ابن العرندس الحسني في فضاء العرفان كشهابٍ قدسيٍّ يشقُّ حُجب المادة، ليرسم...
كانت الوحوشُ لا تعرفُ في حياتها سوى قانونٍ واحد: القوةُ لمن يملكُ الأنيابَ الأطول، والمخالبَ...
في شارع الرشيد، حيث يتنفس التاريخ من رئة الورق المعتّق، كان صوت البائع يشقُّ الزحام : "الكتاب...


منذ 3 ايام
2026/08/10
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وأربعة عشر: خاتمة النسبية الخاصة: من هندسة...
منذ 3 ايام
2026/08/10
قد يشعر الإنسان بالتعب أو الدوار بعد الوقوف تحت أشعة الشمس في يوم شديد الحرارة،...
منذ 3 ايام
2026/08/10
تعتمد دول الخليج العربي على محطات تحلية مياه البحر لتوفير معظم احتياجاتها من مياه...