في الأرض، قد يبدو شرب الماء أمرًا بسيطًا لا يستحق التفكير، لكن في الفضاء، يكتسب هذا الفعل العادي أبعادًا تقنية وفلسفية معقدة. داخل محطة الفضاء الدولية (ISS)، لا وجود لكأس ماء ينسكب في فمك، بل عليك التعامل مع كرات صغيرة من الماء العائم بفعل انعدام الجاذبية. رواد الفضاء لا يشربون بالطريقة التقليدية، بل يستخدمون أكياسًا مرنة مزودة بأنابيب، حيث تمتص السوائل بواسطة الضغط السلبي – طريقة أثبتت فعاليتها منذ المهمات الأولى. وقد وثّقت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) هذه التقنية ضمن تقاريرها التدريبية لعام 2018.
لكن كيف يحصلون على الماء أصلًا؟ المفاجأة أن معظم الماء الذي يشربه الرواد اليوم مصدره البول والعرق، يُعاد تدويره بنسبة تفوق 90% بفضل نظام معالجة المياه المتقدم "Water Recovery System" الذي طورته ناسا. هذا النظام يعمل على تنقية المياه من الفضلات العضوية والمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية باستخدام سلسلة من المرشحات وتقنيات التقطير الفراغي. ويُعتبر هذا النظام – بحسب دراسة نشرتها Journal of Membrane Science (2020) – إنجازًا تقنيًا يقترب من الكفاءة المثالية، لكنه لا يخلو من التحديات.
وهنا تبدأ الأسئلة الحرجة التي غالبًا ما يتم تجاوزها في السرد الإعلامي السطحي. ماذا يحدث إذا تسربت كمية من الماء في المحطة؟ الماء في بيئة الجاذبية الصغرى لا يسقط بل يتجمع على الأسطح والأجهزة، ما قد يؤدي إلى تعطل الأنظمة الكهربائية أو إلى اختناق غير متوقع إن دخلت قطرة إلى مجرى التنفس. حالات مماثلة وُثّقت فعلاً، أشهرها حادثة عام 2013 حينما تسرب الماء داخل خوذة أحد الرواد، ما أدى إلى فقدانه للرؤية والسمع مؤقتًا، كما ناقشته مجلة Acta Astronautica في تحليل لحوادث الحياة المدارية.
الأخطر من ذلك، أن الأنظمة المعقدة لمعالجة المياه ليست محصنة من الأعطال، إذ أن الأعطال الميكانيكية أو تلوث المرشحات قد يُجبر الطاقم على تقنين الشرب أو الاعتماد على مخزون بديل، وهذا ما حدث في مهمة STS-61، كما ورد في أرشيف ناسا الفني. أضف إلى ذلك التأثير النفسي: أن تشرب ماءً كنت قد أخرجته من جسدك ليس أمرًا هيِّنًا، وقد لاحظ باحثون في Journal of Applied Physiology أن مستويات الكورتيزول ترتفع لدى رواد الفضاء خلال فترات تدوير المياه المكثفة، في استجابة نفسية واضحة لرفض الجسم لما يعتبره "ماءً مشبوهًا"، حتى لو كان نقيًا على المستوى الكيميائي.
إن شرب الماء في الفضاء ليس فقط تجربة تقنية متقدمة، بل هو مرآة عاكسة للهشاشة الإنسانية عندما تُنزع عنها الجاذبية الارضية. كل قطرة تمر من الفم هناك تحمل معها ثقلًا من المعادلات، وحذرًا من الخطر، وتذكيرًا دائمًا بأن الحياة خارج كوكبنا ليست استمرارًا بسيطًا لما نعرفه – بل معركة مستمرة ضد احتمالات الفشل.







حسن الهاشمي
منذ 1 يوم
كيف تجتهد في دراستك؟
أبنائي الطلبة
في شأن التعليم العالي وما يتّصل به ..
EN