سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء المائة واثنان: تمدّد الزمن في النسبية: كيف ولماذا يحدث؟
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
11/04/2026
ذكرنا في نهاية الجزء السابق أن الخلط بين هذين “الأثرين” يؤدي إلى إرباك في المفاهيم حول النسبية، ويزيد من الغموض عند مناقشة القياسات التجريبية لسرعة الضوء. في هذا القسم سنحاول تفكيك هذه الإشكالية خطوة خطوة، من خلال مثال بسيط يسمح لنا برؤية كيف تتغير الصورة فقط بتغير الإحداثيات، دون أن تتغير الحقيقة الفيزيائية نفسها.
لكن قبل الدخول في هذا المستوى من التحليل، من المفيد أن نبدأ بمسألة أبسط وأكثر وضوحًا، لأنها تساعد على فهم العلاقة بين الأنظمة الإحداثية من جهة، وبين الساعات التي تقيس الزمن من جهة أخرى. سنرى من خلالها كيف يمكن لنفس الحدث الفيزيائي أن يُوصف بأكثر من طريقة، دون أن يكون هناك تناقض حقيقي.
لنفترض أننا نُنشئ نظامًا بسيطًا يتكون من علامتين تتحركان حركة عطالية منتظمة. بحيث إذا نظرنا إلى أي نظام إحداثي من نوع لورنتز تكون فيه هذه العلامات ساكنة، نجد أن المسافة بينهما ثابتة دائمًا وتساوي دقيقة ضوئية واحدة. أي أننا نختار وضعًا هندسيًا واضحًا: علامتان ثابتتان بالنسبة لبعضهما البعض في هذا الإطار.
الآن، لنضع ساعة مثالية تتحرك عطاليًا بحيث تنطلق من العلامة الأولى، ثم تصل إلى العلامة الثانية، ثم تعود مرة أخرى. هذه الساعة ليست مجرد جهاز قياس منفصل عن الزمكان، بل هي جسم يتحرك داخله ويقيس الزمن على طول مساره الخاص.
وفقًا لقراءة هذه الساعة، فإن الزمن الذي ينقضي بين لحظة لقائها بالعلامة الأولى ولحظة لقائها بالعلامة الثانية هو دقيقة واحدة تمامًا. هذه نتيجة مباشرة من تعريفنا للساعة المثالية التي تقيس الزمن على طول مسارها.
وهنا تظهر مجموعة من الأسئلة الطبيعية التي قد يطرحها القارئ:
• إذا نظرنا إلى هذا الحدث من إطار العلامات نفسها، كم من الزمن يكون قد مر؟
• وما هي السرعة التي ستُسند لهذه الساعة ضمن هذا الإطار؟
• وهل يمكن اعتبار المسافة بين العلامتين ثابتة أيضًا داخل إطار الساعة نفسها؟
للإجابة عن هذه الأسئلة بشكل صحيح، لا بد من العودة إلى الطريقة الهندسية لتمثيل الأحداث. فبدل القفز إلى استنتاجات مباشرة، نستخدم مخطط الزمكان، حيث تمثل الحركة بخطوط مستقيمة، وتمثل إشارات الضوء بخطوط تميل بزاوية ثابتة.
في هذا التمثيل، نختار نظام إحداثيات لورنتز بحيث تكون شرائح الزمن أفقية، أي تمثل لحظات متساوية من الزمن، بينما تمثل المحاور المكانية خطوطًا عمودية. هذا يجعل قراءة الحركة أكثر وضوحًا من الناحية الهندسية.
إذا اعتبرنا أن الحدث الذي تلتقي فيه الساعة مع العلامة الأولى هو نقطة الأصل، فإننا نكون قد حددنا بداية النظام الإحداثي بالكامل. ومن هذه النقطة، نحاول تحديد الإحداثي الزمني للحدث الذي تلتقي فيه الساعة مع العلامة الثانية ضمن إطار العلامات.
لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة أساسية: لا يمكننا أن نفترض مباشرة أن الساعة قطعت دقيقة ضوئية خلال دقيقة زمنية واحدة لمجرد أن هذه هي قراءتها الداخلية. لأن الزمن الذي تقيسه الساعة هو زمن على طول مسارها، وليس الزمن المقاس في إطار العلامات.
وهنا نستخدم الفكرة الأساسية في النسبية الخاصة: الساعة المثالية لا تقيس الزمن العالمي، بل تقيس الفاصل الزمني على طول مسارها في الزمكان. أي أن ما نسميه “الزمن” ليس قيمة مطلقة، بل يعتمد على المسار نفسه.
عند تطبيق العلاقة الهندسية للفاصل الزمكاني بين الحدثين (من نقطة الأصل إلى النقطة التي تمثل وصول الساعة إلى العلامة الثانية)، نجد أن الزمن المقاس في إطار العلامات ليس دقيقة واحدة، بل قيمة أكبر من ذلك.
وباستخدام العلاقة المعروفة للفاصل الزمكاني، نجد أن الزمن في إطار العلامات يساوي تقريبًا واحدًا ونصف من الدقيقة، وبشكل أدق يساوي الجذر التربيعي لاثنين، أي حوالي 1.414 دقيقة.
هذا يعني أن الساعة، رغم أنها تقيس دقيقة واحدة فقط على مسارها، إلا أن الإطار المرجعي للعلامات يرى أن مرور الزمن بين الحدثين أطول من ذلك. ومن هنا نحصل على النتيجة المهمة: السرعة الإحداثية لهذه الساعة في ذلك الإطار تساوي تقريبًا 70.7% من سرعة الضوء.
ومن منظور إطار العلامات، يمكن القول إن الساعة “تدق ببطء” مقارنة بالساعات الساكنة فيه، لكنها في الحقيقة لا تتباطأ في ذاتها، بل يظهر هذا الأثر فقط نتيجة طريقة قياس الزمن داخل هذا الإطار.
هذا هو ما يُعرف باسم التمدد الزمني المعتمد على الإحداثيات، أي أن اختلاف القياس لا يعود إلى تغير في الساعة نفسها، بل إلى اختلاف طريقة وصف الحركة والزمن في الإطار المرجعي.
إذا أردنا الآن أن نعيد وصف نفس القصة من وجهة نظر الساعة نفسها، فعلينا أن نغير الإطار الإحداثي بحيث تصبح هذه الساعة ساكنة، أي أن مسارها يصبح عموديًا في مخطط الزمكان. في هذه الحالة، تتغير الإحداثيات فقط، بينما تبقى الأحداث الفيزيائية نفسها دون أي تغيير.
وفي هذا الإطار الجديد، تصبح العلامتان هما اللتان تتحركان بالنسبة للساعة، ونحتاج حينها إلى إعادة حساب المسافة بينهما وزمن الأحداث وفق هذا الوصف الجديد.
يتبع في الجزء 103...







علي جبار الماجدي
منذ 3 ايام
بين الجامعة والوسط الأدبي
هويتنا الثقافية وحصان طروادة الجديد
هكذا انحنى التأريخ لعلي بن أبي طالب عليه السلام
EN