حينما يُذبح الحقّ بسكين الهوى
عبر امتداد التاريخ البشريّ، برزت ظاهرة فكريّة وسلوكيّة خطيرة تتمثّل في عدم أخذ الأمور على حقيقتها الواضحة، بل اللجوء إلى التذرّع والمماطلة وليّ أعناق النصوص والتلاعب بقراءة الأحداث؛ لتطويعها وفق المقاسات الشخصيّة أو الرؤى الجهويّة التي ينتمون إليها.
إنّها آفة "التأويل المتكلَّف" التي تجعل صاحبها يرى ما يريد لا ما هو كائن أمامه، ولا يفوتنا أن نذكر في ذلك ما قد خلّده القرآن الكريم من وقوف على هذا السلوك في قصّة "بقرة بني إس...ائيل"؛ فبينما كان الأمر الإلهيّ واضحاً ومباشراً،{وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّـهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} سورة البقرة ٦٧، تركوا هذا الوضوح، وأغرقوا أنفسهم في تساؤلات المماطلة: "ما لونها؟"، "ما هي؟"، "إن البقر تشابه علينا" إلى غير ذلك من الكلمات.
وواضح جدّاً أنّه لم يكن الهدف من هذه الأسئلة البحث عن الحقيقة، بل الهروب منها ومحاولة الالتفاف على النصّ وتأخير الامتثال له.
هذا النمط لم يندثر بمرور الزمن، بل يتجلّى في عصرنا الحاضر بصور أكثر تعقيداً؛ حيث يقرأ البعض الخطابات والمواقف بعين الانحياز، فيُحملون الكلمات رؤيتهم الخاصّة، ويتفنّنون في توظيفها لخدمة اتجاهاتهم أو أنماطهم، متجاهلين السياق والحقيقة والمراد الأصيل مع وضوحه.
إنّ خطورة هذه القضيّة تكمن في أنّها تؤول بصاحبها إلى البوار والهلاك الأخلاقيّ والمعرفيّ. فالذي يبني واقعه على الخداع والمراوغة ينسج خيوطاً من أوهام بائسة سرعان ما تتمزق وتنتهي. وتنكشف كما انكشف أمر القاتل من بني إسرائيل الذي قتل نفساً ثم سار في جنازتها وتظاهر بالحرص عليها، وربما كان أكثر الناس بكاءً وعويلاً على المقتول.
إنّ لَيّ عنق الحقيقة هو قتل للصدق، والتمسك بالظاهر مع إبطان ما يخالفه هو استنزاف للنزاهة البشريّة التي أمرنا بالأخذ بها. وفي نهاية المطاف، ولكن الله يرى، ولا يصحّ إلّا الصحيح كما يعبرون؛ إذ تظلّ الحقيقة ساطعة مهما حاول المماطلون طمس معالمها بالأسئلة التعجيزيّة أو التأويلات المنحرفة، وسرعان ما ينكشف الزيف حين يوضع النصّ أو الحدث تحت مجهر الواقع الصادق ويفوز الصدق ويذهب الزبَد.
● رياض السيّد عبدالأمير الفاضليّ
لمتابعة المنشورات
https://t.me/droossreiadh







اسعد الدلفي
منذ 18 ساعة
شخصية المنقذ في السينما الغربية
الكلمة الطيبة
رؤية المؤسسات الدولية للحوزة العلمية في النجف الأشرف
EN