في مدينةٍ تشتهرُ بالأثوابِ الفاخرة، كان هناك خياطٌ عجوزٌ يُدعى "حليم"، لا يملكُ في دكانهِ سوى قصاصاتِ قماشٍ قديمةٍ وبقايا خيوطٍ مهملة. كان الناسُ يذهبون إلى المتاجر الكبرى ليشتروا الحريرَ المذهب، أما الحزينُ والمكسورُ فكان يذهبُ إلى حليم؛ لأن ثيابه لم تكن تُغطي الأجسادَ فحسب، بل كانت تُدثرُ الأرواح.
ذات يوم، دخل شابٌ يائسٌ فقدَ كلّ ثروته، وطلبَ من حليم أثمنَ قميصٍ لديه ليحضرَ به محفلاً كبيراً، وهو لا يملكُ ثمنه. ابتسم حليم وأخرجَ إبرته، وبدأ يجمعُ قصاصاتٍ مبعثرة: قطعةً خضراء من ثوبِ مزارعٍ كادح، وأخرى زرقاء من شراعِ بحارٍ صبور، وثالثةً بيضاء من فستانِ عروسٍ متفائلة. طوال الليل، كان حليم يغزلُ تلك البقايا بحب، ويتمتمُ بكلماتٍ تشبهُ الصلاة. عندما ارتدى الشاب القميص، شعرَ بدفءٍ غريبٍ يسري في عروقه، وكأن قوةَ أصحابِ تلك القصاصات قد انتقلت إليه. في المحفل، لم يسأله أحدٌ عن نوعِ القماش، بل سألوه عن سرّ الثقةِ والسكينة التي تشعُّ من وجهه.
أدرك الشاب حينها أن القيمةَ ليست في بريقِ الذهب، بل في "القصة" التي نحملها خلف ثيابنا. عاد إلى حليم لشكره، فرفض العجوزُ المال وقال له: "القميصُ ليس إلا مرآةً لصبورٍ جمعته من شتات". رحل الشاب وهو يعلم أن الحياة قد تُمزقنا أحياناً، لكننا نستطيع دائماً أن نجمع تلك القصاصات لنصنع منها مستقبلاً أجمل وأقوى.
الحكمة: هي أنَّ كمالَنا لا يأتي من الخلو من الجراح، بل من الطريقة التي نجمع بها شتات أنفسنا لنصنع كياناً فريداً يتسع لكل تجارب الحياة.
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)