إنَّ من الصّفات الإلهيّة المهمّة التي تدعو العباد إلى حالة الالتجاء والتّوجّه لله تعالى أنَّ أبواب الله تعالى مفتوحة دائمًا، ولا تغلق أبدًا بوجه السّائلين، كما أنَّه يفتح بشكل أوسع في أماكن وأزمنة معيّنة؛ ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يستغلّ هذه اللحظات، وأن يغتنم فرصة وجوده في هذه الحياة.
ولكن بفعل بعض العوامل التي سنأتي على ذكرها في الأيّام القادمة فإنَّ الإنسان يخسر هذه الفرص، وفي النهاية سيتحسّر ويندم أشدّ الندامة أنّه ضيّعها؛ لأنَّ الأبواب كانت مفتوحة لكن لم يدخلها، وكلّ شيء قد رتّب، ولكن العبد بفعل سوء أعماله أغلق كلّ الأبواب المفتوحة على نفسه.
هناك طرق كثيرة لمرضاة الله تعالى هي بعدد أنفاس الخلائق، لكن المشكلة عندنا نحن كما يُبيّن الإمام زين العابدين (عليه السلام): ((اللهُمَّ إِنِّي أَجِدُ سُبُلَ المَطالِبِ إِلَيْكَ مُشْرَعَةٌ، وَمَناهِلَ الرَّجاءِ إِلَيْكَ مُتْرَعَةٌ، وَالاِسْتِعانَةَ بِفَضْلِكَ لِمَنْ أَمَّلَكَ مُباحَةً، وَأَبْوابَ الدُّعاءِ إِلَيْكَ لِلصَّارِخِينَ مَفْتُوحَةً، وأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِين بِمَوْضِعِ إِجابَةٍ، وَلِلْمَلْهُوفِينَ بِمَرْصَدِ إِغاثَةٍ، وَأَنَّ فِي اللهْفِ إِلى جُودِكَ وَالرِّضا بِقَضائِكَ عِوَضاً مِنْ مَنْعِ الباخِلِينَ، وَمَنْدُوَحَةً عَمّا فِي أَيْدِي المُسْتَأْثِرِينَ، وَانَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ المَسافَةِ، وأَنَّكَ لا تَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِكَ إِلاّ أَنْ تَحْجُبَهُمُ الأَعْمالُ دُوَنَكَ، وَقَدْ قَصَدْتُ إِلَيْكَ بِطَلِبَتِي، وتَوَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِحاجَتِي، وَجَعَلْتُ بِكَ اسْتِغاثَتِي وَبِدُعائِكَ تَوَسُّلِي، مِنْ غَيِرِ اسْتِحْقاقٍ لاسْتِماعِكَ مِنِّي وَلا اسْتِيجابٍ لِعَفْوِكَ عَنِّي، بَلْ لِثِقَتِي بِكَرَمِكَ، وَسُكُونِي إِلى صِدْقِ وَعْدِكَ، ولَجَائِي إِلى الإيْمانِ بِتَوْحِيدِكَ، وَيَقِينِي بِمَعْرِفَتِكَ مِنِّي أَنْ لا رَبَّ لِي غَيْرُكَ وَلا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ...)) (1).
فإذا كنت أعلم أنَّك للرّاجين بموضع إجابة، وأنا من الراجين فلماذا تتأخّر الإجابة، والإجابة عن ذلك قد يكون السّبب مِنّي، وقد يكون التّأخر فيه مصلحة لي ((وَلَعَلَّ الَّذي اَبْطأَ عَنّي هُوَ خَيْرٌ لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الأمُورِ...)) (2)، أو أنَّ الرّب تعالى يريد من عبده التّملّق والإلحاح عليه، ومفردة التّملّق مفردة واردة في كلام وأدعية المعصومين صلوات الله عليهم.
الزيادة في الدعاء والتّضرّع فوق ما ينبغي، وهذا هو الملق، وأحياناً تستخدم في المجال الاجتماعي حتّى نصل إلى غاية معيّنة، وهذا الخُلُق بابٌ من أبواب الحصول على حوائج الخَلْق إذا استُعمل بالشّكل المطلوب، ونحن نعرف أنَّ أبواب الخير كلّها بيد الله تعالى، فالتّملّق لا بُدَّ منه، ولا حياء فيه بل هو خلق ممدوح إذا استعمل في الدّعاء.
والتَّمَلُّق من أفضل ما يُستَدفَع به غضب الرّب تبارك وتعالى، فإذا أدمن العبد التّملّق إلى ربّه وسيّده، فإذا علم سيّده ما في قلبه من الانكسار أبدله مكان الشّدّة عليه رحمةً به، وأبدله بالعقوبة عفوًا وبالمؤاخذة حِلمًا، فكلّما خالط دعاؤك الثناء، والمدح، والتذلّل، والتملّق انقلب الغضب الى رحمة؛ لأنَّ الخالق كتب على نفسه الرّحمة ونحن نقرأ: يا من سبقت رحمته غضبه، لذلك لنفر الى الله تعالى؛ لأنَّ الرحمة تسبق دائماً غضب من تفر إليه سبحانه وتعالى.
((وأعلَمُ أنَّكَ لِلرّاجين بِمَوضِعِ إجابَةٍ، ولِلمَلهوفينَ بِمَرصَدِ إغاثَةٍ، وأنَّ فِي اللهفِ إلى جودِكَ، وَالرِّضا بِقَضائِكَ، عِوَضا مِن مَنعِ الباخِلينَ، ومَندوحَةً عَمّا في أيدِي المُستَأثِرينَ)) (3).
نسأله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإيّاكم من الراجين، وأن يجيب الله تعالى رجاءنا، وأن يجعلنا من الملهوفين.
أَيْنَ فَرَجُكَ القَرِيبُ؟
أَيْنَ غِياثُكَ السَّرِيعُ؟
أَيْنَ رَحْمَتُكَ الواسِعَةُ؟
أَيْنَ عَطاياكَ الفاضِلَةُ؟
أَيْنَ مَواهِبُكَ الهَنِيئةُ؟
أَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ؟
أَيْنَ فَضْلُكَ العَظِيمُ؟
أَيْنَ مَنُّكَ الجَسِيمُ؟
أَيْنَ إِحْسانُكَ القَدِيمُ؟
أَيْنَ كَرَمُكَ يا كَرِيمُ؟
نسأله تبارك وتعالى أن يأخذ بأيدينا وأيديكم لخير الدنيا وسعادة الآخرة، وآخر دعوانا الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على الرسول الأعظم محمد وآل محمد الطيّبين الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 582 ــ 583.
(2) تهذيب الحكام، تحقيق الخرسان: 3 / 109.
(3) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 583.