الظّلم والانتقام والغضب سلسلة من الشّرّ متّصلة، والشّخص الذي يفكّر دوماً بالانتقام، لا يهدأ له حال، ولا تستقيم حياته؛ لأنَّه يعيش حالة من الجنون وعدم الطّمأنينة، فالغضب السّلبي نتاج وسوسة الشيطان، ولذلك يستحبّ إذا غضب الإنسان أن يُغيّر حاله، فإن كان جالسًا قام أو اضطجع، وإن كان قائمًا مشى، فقد روي في الحديث عن الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: ((إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ بِالْمَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ فَإِنَّمَا الْغَضَبُ مِنَ النَّار)) (1)، وقال (عليه السلام): ((إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُطْفِئُ النَّارَ الْمَاءُ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ)) (2).
ومن المفيد أيضًا شرب الماء فهو يسكن الغضب، فقد روي في كتاب (المحاسن) و(الكافي) عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: ((وَمَا بَأْسٌ بِالمَاءِ وَهُوَ يُدِيرُ الطَّعَامَ فِي المَعِدَةِ وَيُسَكِّنُ الْغَضَبَ وَيَزِيدُ فِي اللُّبِّ وَيُطْفِئُ الْمِرَارَ)) (3).
نعم، الغضب ليس أمرًا مذمومًا دائمًا، وإنَّما أحياناً الغضب ممدوح؛ وهو أن يكون لله (عزَّ وجلَّ) عندما تنتهك حرماته، والغَضَب على أعدائه؛ أو حينما تشاع المنكرات، وما الجهاد إلَّا غضب بداخلنا على المنكر.
إنَّ الغضب خلقٌ ذميم، يدعو إلى إيذاء الناس وخراب المجتمعات، وأحيانًا ظلم الأسرة وظلم العاملين تحت يدك، لذلك لا بُدَّ من التّصدّي لأفعال الظلم، والدّفاع عن حقوق المظلومين مهما كان الحق المسلوب منهم صغيراً، فنحن لا نعلم كم من توفيقات سُلِبَت بفعل دعوات من ظلمتهم أو الذين تحاول أن تنتقم منهم. قال الباقر (عليه السلام): ((إنَّ الله خبّأ ثلاثة في ثلاثة: خبّأ رضاه في طاعته، فلا تحقرنَّ من الطّاعة شيئًا، فلعلّ رضاه فيه. وخبّأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ من المعصية شيئًا، فلعلّ سخطه فيه. وخبَّأ أولياءَهُ في خلقه فلا تحقرنّ أحدًا، فلعلّه الولي)) (4).
نحن لم نطّلع على قلوب بعضنا، والظاهر هناك بعض الناس يعملون أعمالًا قريبة جدًّا إلى الله تعالى، ولكن لا نعلمهم، وكان بعض العلماء الصالحين يطلبون من فلان اذهب الى فلان وقل له أن يدعو لي لعلمه بصفاء نفسه، وقُربه إلى الله تعالى.
ولذلك علينا أن نهتمّ بمسألة الحِلم، وعدم الغضب، وأن نتخذ من دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) منهاجًا في هذا السلوك.
نحن محاطون برحمة الله تعالى من جميع الجوانب، وقيل لعليّ بن الحسين (عليه السلام) يوماً: ((إنّ الحسن البصري قال: ليس العجب ممّن هلك كيف هلك؟ وإنّما العجب ممّن نجا كيف نجا. فقال (عليه السلام): أنا أقول: ليس العجب ممّن نجا كيف نجا، وإنّما العجب ممّن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله)) (5).
شهر رمضان شهر كريم فتح الله تعالى فيه أبواب جنانه، وهذا الدعاء كان الإمام السجاد (عليه السلام) يدعو به طوال الليل والسحر كلّ يومٍ، وفيه بكاء وخضوع وخشوع لله تعالى، فعلينا أن نستغلّ فرصة وجودنا وألَّا نُحرَم من معين معارفه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجموعة ورام: 1 / 123.
(2) بحار الأنوار: 70 / 272.
(3) المحاسن: 2/572؛ الكافي: 6 / 381.
(4) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: ص 99.
(5) أمالي المرتضى: 1 / 162.