مثلما يحافظ المصلّي على الصلاة، فالصلاة أيضاً تتكفل بحفظ المصلي؛ لأنّ استخدام باب (المفاعلة) في الأمر بحفظ الصلاة (حَافِظُوا) [البقرة: 238] بدلا من الفعل الثلاثي المجرد، بالإضافة إلى إفادته الاستمرار، فهو يشير أيضاً إلى الحفظ المتقابل، وهكذا تمنع الصلاة الإنسان من ارتكاب السيِّئات: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: 45].
وقد ذكر الراغب الأصفهاني في المفردات[1] مسألة الحفظ المتقابل بين الصلاة والمصلّي، كما ذكرها الفخر الرازي في التفسير الكبير أيضاً، مع تفاوت بينهما يتمثل في أن الأخير استشهد على إثبات ذلك بآيات من قبيل: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: 45] (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة: 45] و(إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) [المائدة: 12] وأورد روايات شفاعة الصلاة للمصلي. كما أنّ محافظة المصلّي ستكون في قبال محافظة الله، مثل (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152] احفظ الله يحفظك[2] و(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ) [البقرة: 110][3].
إن المواظبة واستمرار الحفظ تصير سبباً في ظهور ملكة نفسانية في نفس المصلي، فتكون هذه الملكات النفسانية الجيدة بدورها مراقبة لصاحبها.
وإسناد المحافظة إلى الصلاة هو من جهة أنّ الصلاة مظهر من مظاهر حفظ الله الحفيظ، وإلا فلا يوجد شيء (حفيظ) بالذات سوى الله.
وحول المطلب الأخير لا بد من توضيح هذه النقطة، وهي أن الله قد نسب الكثير من أسمائه إلى غيره، لكنه ذكر أفضليته على غيره: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الحج: 58] (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87] و(فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].
وهذا الإسناد إلى غير الله يكون في بداية الطريق، فالإنسان بعد معرفته للروح التوحيدية للقرآن يصل إلى المعرفة الفضلى القاضية بأن الرازق الوحيد والحاكم والحافظ للوجود هو الله، وأنّ. جميع المخلوقات تتحرك بأمره وتعمل طبقاً لمظهريته. بمعنى أن الله سبحانه هو الرازق الحقيقي، لا أنّ الآخرين رازقون حقيقة ورازقية الله أقوى من رازقيتهم: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58] وضمير الفصل (هو) عند اقترانه بالخبر المعرفة يكون علامة لحصر الرازقية والقدرة المتينة الله.
إذن، المحافظة تكون. في الحقيقة. بين المصلي والله، وأما إسنادها إلى الصلاة فهو من جهة كون الصلاة مجرى من مجاري الفيض الإلهي. وإن كنا بالتأمل الدقيق يتضح لنا أنّ المحافظة هي من جانب واحد وهو الجانب الإلهي؛ لأنّ التوفيق الإلهي هو الذي يصير سبباً يجعل الإنسان قادراً على الإقرار والاعتراف بالنعمة الإلهية فيحافظ على الصلاة: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53] والله يصون المصلي في مقابل هذا الإقرار والاعتراف بالحق.
تنبيه: لا ينحصر إسناد الأعمال الخيّرة والنافعة ـ كالحفظ، والرزق، والحكم بالعدل، وفصل الخصومة، ودفع أعداء الإسلام و...- في المحاورة القرآنية بهذا الأسلوب فقط. المتمثل بنسبته أحياناً إلى الله وأحياناً أُخرى إلى مخلوقاته ـ كـي يقال إن كلا الإسنادين صحيحان إذن. بل يتم طرح المطالب المذكورة من خلال أربع مراحل من الإسنادات المذكورة:
فالمرحلتان الأولى والثانية هما اللتان بيّناهما، أي إسنادهما أحياناً إلى الله، وأحياناً إلى غيره.
أما في المرحلة الثالثة فأسند أصل الأعمال الخيرة والنافع إلى الله فقط، حيث يظهر من هذا الحصر انتفاء ذلك الكمال الوجودي عن غير الله، مثل الآيات المذكورة.
وفي المرحلة الرابعة يتم نفي ذلك الكمال عن غير الله بصراحة، ويسند إلى الله، مثل: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) [الأنفال: 17].
والجمع بين المجموعات الأربع المذكورة من الآيات القرآنية يقع على عاتق مبحث التوحيد الأفعالي الذي يبيّن أنّ المخلوقات الإلهية هي آيـات ومظاهر. ومن خلال النبيين الصحيح لمعنى الآية والظهور، تتضح ـ أو تصبح أكثر وضوحاً ـ المجاميع الأربع من آيات القرآن الحكيم.
[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص 245، ح ف ظ.
[2] راجع: من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 412.
[3] سورة البقرة، الآية 110؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 145-147.