المحور الثالث في الآيتين اللتين هما مورد البحث هو السؤال عن حقوق الأيتام وكيفية معاشرتهم: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: 220].
تنقسم الآيات المكية والمدنية النازلة قبل نزول سورة البقرة حول الأيتام (وفقاً للحدس المؤيد بالنقل) إلى عدة مجموعات:
1. الآيات التي تهت الناس عن القسوة مع الأيتام وظلمهم وأذاهم، مثل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) [الماعون: 1-2] و(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) [الضحى: 9] و(كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) [الفجر: 17]، والآية الأخيرة تقريع للمشركين بسبب عدم تكريمهم للأيتام.
والسر في أنّ الله تعالى نهى في هذه الآيات عن ظلم الأيتام والقسوة معهم. مع أن القسوة غير مقبولة حتى مع أي شخص آخــر ـ يكمن في أن ظلم اليتيم يمتاز بخصوصية معينة. إن المظلوم قد يكون أحياناً قوياً مدعوماً بمن يؤازره. وقلب مثل هذا المظلوم القوي لا ينكسر نتيجةً لقسوة الظالم معه!؛ لأن قلبه له ما يدعمه من مركز قوته (المال)، الأبناء القبيلة، المنصب والمقام)، وقلبه يتشفّى ويتسلى في ظل اعتماده على هذه الأمور، ولا يحتاج إلى التضرع والتوسل، أو أنــه في حالة دعائه لا يكون بالصورة التي تجعل توحيده خالصاً ظاهراً في تضرعه والتماسه؛ لأنّ كلّ إنسان مقتدر مبتلى بالتفر عن النسبي وينطبق عليـه (فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ) [الذاريات: 39]، باستثناء أفراد معدودين ممن يتمتعون بالتوحيد الخالص.
وهذا بعكس ما إذا كان المظلوم لا ملجأ لــه ســوى الله، فهو يدعو الله بإخلاص وبقلب منكسر، وهذا القلب المنكسر يوفر فرصة قوية لاستجابة الدعاء: «أنا عند المنكسرة قلوبهم[1]».
ومن هنا كانت وصية الإمام السجاد عليه السلام للإمام الباقر عليه السلام: «يا بني، أوصيك بما أوصاني به أبي عليه السلام حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أنّ أباه أوصاه بــه، فقال: يا بني، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله[2]».
2. الآيات التي رغبت الناس في تكريم الأيتام (الرعاية والضيافة والإحسان) مثل:، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ) [البقرة: 83] و(وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ) [البقرة: 177] و(قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ) [البقرة: 215] وكذلك الآية التي عدت الاحسان للأيتام من مصاديق تحرر الانسان من قيود الهوى والهوس: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد: 11-16].
بعض الناس حتى الان لم يستطيعوا عبور العقبة وهم لا يزالون يطوون الطرق الواسعة على سفح الجبل التي أسهل من طيها في حين يكون طي الصراط المستقيم صعبا يشبه العبور من عقبة كأداء يحتاج عبورها الى بذل الجهود والمساعي الكثيرة: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات[3])، لأن المقصود من الصراط المستقيم ليس الطريق السهل بل الطريق الذي لا اعوجاج فيه ويوصل الانسان الى مقصده الذي هو أقصى قمة الانسانية.
ثم يقول: إن العقبة هي تحرير الانسان نفسه من قيد الهوى والهوس والوهم والخيال والشهوة والغضب وإيصال الاخرين الى قمة الحرية لأن الانسان حريص أسير أوهامه وشهوته وغضبه وهو ليس حرا بل أسير أهوائه النفسانية اذن فاقتحام العقبة هو تحرير إنسان بفك رقبته وإطعام الناس في أيام الغلاء والمصاعب لأن الانفاق والإطعام في أيام الرخاء والأسعار الزهيدة ليس طيا للعبقة بل إعداد الموائد وإطعام من لا يتوقع منه العوض في يوم القحط والغلاء هو العبور من العقبة.
نعم الاحسان الى الايتام الاقرباء والمساكين الضعفاء الذين لا يجدون ما يفترشونه غير الارض هو اجتياز العقبة اذا كان بالنية الخالصة وبقصد القربة لأن الدخول الى الجنة يحتاج اضافة الى الحسن الفعلي الى الحسن الفاعلي أيضا وهذا ما يحصل بالإيمان والنية الخالصة.
3. الآيات التي بينت سيرة الأولياء والعظماء في تعاملهم مع الأيتام مثل: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8] التي تفصح عن سيرة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام في إكرام الفقراء والأيتام والأسرى.
وكذلك آية (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: 82].
تنبيه لما كان أولياء الله نور واحدا وقد ظهر لكل واحد منهم أثره الخاص في مقطع خاص فيمكن اعتبار الأيتام سيرة مستمرة لهم في قصة الخضر وموسى عليهما السلام يشير التعليل فيها (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: 82] الى امكانية استظهار أنه حيثما شوهد هناك صلاح من الزمن الماضي فإن جنود مخفيين لله سيتكلفون بضمان فلاح المستقبل.
4. الآيات التي نهت بشدة عن التصرف في مال اليتيم والتفريط به مثل: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء: 10] التي تتوعد مستغلي أموال الأيتام بنار القهر الإلهي وكذلك الاية (وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) [النساء: 2] أي أعطوا اليتامى أموالهم واذا كنتم شركاءهم أوكانت أموالهم عندكم فلا تستبدلوا بضاعتهم الجيدة الثمينة ببضاعتكم السيئة الرخيصة وإياكم أن تستحوذوا على أموالهم فتضموها الى أموالكم لأن هذا العمل ذنب كبير.
إن أي غصب وتعد على أموال وحقوق الآخرين هو معصية إلا أن التعدي على أموال اليتيم من الذنوب الكبيرة وكما وصف الله تعالى الخمر والميسر فقال عنهما: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) [البقرة: 219] كذلك عبر عن التصرف في مال اليتيم بقوله: (إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) [النساء: 2] ثم لقطع الطريق على من يفكر في الزواج بالأرامل أمهات الأيتام للأستحواذ على أموالهم يقول الله لهم: إنكم إذا كنتم تخافون من عدم قدرتكم على رعاية القسط والعدل ومع الايتام فتزوجوا ما كان طيبا لكم من النساء ممن لا أيتام لديهم: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) [النساء: 3].
كان الرجال في الحجاز عرضة للعديد من الأخطار الناتجة من الحرب والعوامل الاخرى مما يؤدي الى موت الكثير منهم وترمل نسائهم وبقاء أموالهم دون من يرعاها ويحافظ عليها وهذا يدفع البعض الى الزواج بهن أو ببناتهن من أجل الاستحواذ بطريقة سهلة على أموال الأيتام وفي هذه الآيات يبين الله سبحانه حرمة التصرف في مال اليتيم ويحذر هذا البعض بشدة من مثل هذا الزواج المصلحي وهكذا يكون تناسب صدر هذه الآية مع ذيلها بالشكل التالي: إنكم اذا كنتم تخشون ألا تتمكنوا من رعاية القسط والعدل بزواجكم من هذه الأرامل فتزوجوا بنساء طيبات غيرهن ولا تجازفوا بزواجكم من أمهات الايتام أو البنات اليتيمات فتقعوا في ما تخشون منه.
5. الآية التي هي مورد البحث التي بينت كيفية معاشرة الأيتام قد جاءت لترفع الإبهامات التي أحاطت بالمجموعات الأربع السابقة من الايات لأنه عندما نزلت آيات المجموعتين الأولى والرابعة ومنعت الناس بشدة من التقرب من أموال الأيتام والتصرف فيها قام البعض ممن كانت له شراكة مع أموال الأيتام بتركهم دون من يدبر أمرهم بل إن البعض قاموا بعزل موائدهم عن موائد الأيتام وهذا كان شاقا جدا على الأيتام من جهة وعلى من كان يتولى تربيتهم من جهة اخرى ومن هنا فقد تهيأت أرضية التساؤل عن الطريقة التي يتمكنون بها من التصرف في أموال اليتامى بما يحافظ عليها وفي نفس الوقت لا يكون عليهم حرج أمام الله بمخالفة تعاليمه.
وأجاب الله سبحانه بأن الخير في معاشرتهم بما يصلح أمورهم فإذا خالطتموهم لهذا الغرض فهم أخوانكم (قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: 220] اذا كان النهي عن التعدي على مال اليتيم لا عن التعامل معه بالعدل والاحسان (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام: 152] ولا موجب لعزل الناس موائدهم عن موائد الايتام وتركهم بلا راع وهذا الاستثناء يمنح الاية التي هي مورد البحث معنى واضحا.
[3] بحار الانوار ج67 ص78 نهج الفصاحة ج1 ص212