(الإثم) في (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) [البقرة: 219] يعني الذنب، لذا فالآية تدلّ على حرمة الخمر والقمار. ولو كان الإثم هنا بمعنى الضرر بقرينة مقابلته للنفع، لوجب أن تقتصر الحرمة على مقداره المضر، في حين يحرم الخمر والقمار بصرف النظر عن قلتها وزيادتهما، أو ضررهما وعدم ضررهما، حيث جاء في الخمر وما يشبهه: «فما أسكر كثيره فقليله حرام»[1].
ويمكن القول عن الملاك الكلامي لهذا الحكم الفقهي إن الخمر والميسر مضران، وهذه الجهة تكفي في الجملة كي تكون ملاكاً لثبوت الحكم، لكن ملاك الحرمة ليس هو مضرتها الفعلية كي يكون الارتكاب القليل هما نافياً للحرمة بسبب انتفاء ضرر هما. نعم، لو كان الضرر الفعلي هو ملاك حرمة شيء، لتقيدت حرمة استعماله بالمقدار الذي فيه الضرر، لا استعمال المقدار الأقل من ذلك؛ إذ الحكم المعلل يدور مدار علّته في الثبوت والسقوط.
ويقول بعض المفسرين إنّ الآية التي هي مورد البحث لا دلالة لها على حرمة الخمر والقمار؛ لأنّ المراد من (الإثم) هو الضرر بقرينة مقابلته مع المنفعة (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [البقرة: 219]، وعلى هذا فما كان لـه ضرر محـض يـكـون حراماً، أما ما فيه الضرر والمنفعة معاً فليس حراماً، وما كان استعمال القليل منه ليس مضراً فلا ينبغي أن يكون حراماً. وقد تمسّك هؤلاء في هذا المجال باجتهاد الصحابة أيضاً[2].
وينبغي الجواب على هؤلاء بالقول: أولاً: إن المنفعة في (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [البقرة: 219] ليست هي المنفعة المحللة والعقلائية والحقيقية والممضاة من قبل الشارع، بل المقصود ما كان يتصوّره أهل الحجاز آنذاك. من المنفعة. والدليل على ذلك أنّ الله تعالى قد وصف الخمر والميسر بصورة مطلقة على أنهما رجسٌ ومن عمل الشيطان: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) [المائدة: 90]، ولا يمكن أبداً أن يكون للرجس المحض وعمل الشيطان منفعة حقيقية.
ثانياً: وعلى افتراض أن منفعتهما كانت حقيقية، وأن المنفعة الحقيقية لبعض الأشياء يمكن اجتماعها مع رجاستها وخباثتها؛ إلّا أنّ كلمة (الإثم) في الاستعمالات القرآنية تأتي بمعنى الذنب لا الضرر، مثل: (إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) [البقرة: 206]، و(فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ) [المائدة: 3]، و(وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: 283]، (أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) [الشعراء: 222]، و(مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) [القلم: 12]، كما أنها جاءت في الاية التي هي مورد البحث أيضا بمعنى الحرام لا الضرر لأن سؤال الناس كان عن الحكم الشرعي للخمر والقمار ويظهر من الفعل المضارع الذي هو علامة استمرار السؤال أن معرفة الحكم الشرعي لهذين الأمرين كانت مطلبا للمسلمين في ذلك العصر فمن خلال بيان بعض الآثار النسبية للخمر والميسر والاعتراف بمنافعهما ربما يقال ما هوالحكم الذي سيتضح للناس السائلين؟
ثالثا: إن القرآن الكريم يحذر البشر من كل أنواع الاثم والذنوب الظاهرية أو الباطنية (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ) [الأعراف: 33] و(وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) [الأنعام: 120].
الذنب (في الظاهر) والعلن مثل التجاهر بالفسق، والذنب (في الباطن) والخفاء مثل السكر في الخلوة ويتلوث الانسان أحيانا بارتكاب الذنوب (الظاهرية) مثل بذاءة الكلام والغيبة وأحيانا بالذنوب (الباطنية) مثل الحسد والحقد.
وفي هاتين الايتين ورد النهي عن كل واحد من الاقسام الأربعة وحينئذ تكون هاتان الايتان نزلتا قبل سورة البقرة كبريين كليتين للآية التي هي مورد البحث التي هي بمثابة صغراهما، فتدل على حرمة الخمر والميسر؛ ومـن هنا، فلا مجال للترديد في دلالة الآية على حرمة الخمر والميسر.
واحتمال عدم اندراج الآية التي هي مورد البحث تحت الآيتين السابقتين (33 من الأعراف و120 من الأنعام) بسبب ورود (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) [البقرة: 219] فيها وعدم ورود «إنها إثم كبير، هو احتمال خاطئ، لأنّ ظاهر الآية هو أن الإثم ثابت ومستقر في هذين الشيئين، إذن فهما مشمولان بالمنع الإلهي.
[2] راجع: الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 261؛ الجامع لأحكام القرآن، مـج 2، ج 3، ص 49.