(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 219-220].
خلاصة التفسير: إن شيوع شرب الخمور ولعب القمار في العصر الجاهلي ورفض الاسلام لذلك دفع المسلمين الى السؤال عن حكمهما الشرعي وبعد أن كان الرسول سابقا يكتفي بالنصائح فقد أمر الآن أن يعلن بصراحة أن الخمر والميسر إثمان كبيران وأن لهما منافع ظاهرية متخيلة لكنها لا تساوي شيئا أمام ما بهما من آثام.
والمحور الثاني للآية الاولى هو سؤال عن متعلق الانفاق فيجيب الله سبحانه بأن عليكن إنفاق الزائد على حاجاتكم المتعارفة ثم يقول: كذلك يبين الله لكم آيات التكوين والتشريع لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فترون أن الاحكام الالهية تسوق الى ما فيه الصالح فتطلبون من الله خير الدنيا والآخرة.
أما محور الآية الثانية فو السؤال عن كيفية التعامل مع الايتام وقد كان من نتائج نزول الايات المتعددة حول رعاية حق اليتيم والتحذيرات الشديدة لأولئك الذين يضيعون حقوق الايتام بسلوكهم الظالم والاستغلالي أن تجنب الكثير من المؤمنين تربية الايتام ورعايتهم وامتنعوا عن ادارة أموالهم والتعامل بها فابتعدوا عنهم وكان هذا حافزا للبعض الى السؤال عن كيفية التعامل مع الايتام وأموالهم.
وقال الله تعالى للرسول الاكرم ﷺ: قل لهم: إذا خالطتموهم وأصلحتم أمورهم فهو أفضل لكن من الابتعاد عنهم لأن المخالطة الاصلاحية لهم. وهم إخوانكم ويحتاجون أكثر من غيرهم الى هذا السلوك الطيب فيها الخير والصلاح لكن ولهم والله يعرف المفسد من المصلح ولو شاء لأثقل عليكم وأتعبكم فأمركم بألا تثربوا أموال الايتام وفي هذه الحالة لم يكن أحد يستطيع أن يغير من إرادته المنيعة والحكيمة.
تفسير المفردات: الخمر: أصل (الخمر) ستر الشيء[1]. و(الخمر) اسم للشراب وكل سائل مسكر أو المتخذ من العنب والتمر خاصة سمي بذلك لأنه ينفذ بواسطة قوى البدن الظاهرية والحواس الى العقل فيستره و(خمار) المدمن وهو الداء العارض من الخمر تسميته من هذا الباب أيضا[2]. كما أن (الخمار) وجمعه (خمر) في العرف اسم للشيء الذي تغطّي به المرأة رأسها، قال تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) [النور: 31][3].
الميسر: يعني القمار، من (اليُسر) بمعنى السهولة. وقد أسموا القمار ميسراً؛ لأنه ينقل المال بسهولة من مكان إلى مكان و...[4] ومن هنا سمّي المقامر ياسراً؛ لأنه يأخذ مال الآخر بيسر وسهولة. وقال البعض: إن الميسر من اليسار، وسمّي المقامر ياسراً؛ لأنه يأخذ من الخاسر قدرته ويساره[5].
وقد كان أكثر استعمال كلمة (الميسر) عند العرب في نوع خاص من القمار، وهو الضرب والاقتراع بالسهام التي تسمّى الأزلام والأقلام أيضاً[6]. إلا أنه لم ينحصر في هذا المعنى أبداً، فلا يمكن تفسير (الميسر) بخصوص القمار بواسطة الأزلام؛ لأن الأزلام كالأنصاب عُطفت على الميسر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ) [المائدة: 90].
أما (الميسر) في الاصطلاح الشرعي فهو اسم جامع لكل أنواع القمار: «كــل ما قومرَ عليه فهوَ مَيسِر»[7].
إثم: الإثم في اللغة اسم للأفعال المبطئة عن الثواب[8]. وقد وردت هذه المفردة عدة مرات في الآيات السابقة.
تخالطوهم: (الخلط) ضد (الخلص)[9]. وهو يعني الجمع بين أجزاء الشيئين فصاعدا: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) [يونس: 24][10] لأنه عند تغذي النبات ونموه تختلط أجزاء الارض مع النبات و...، وفي المخالطة يكون الجمع بصورة يستحيل معها التمييز والتفريق بين الاجزاء[11]. ويسمى الاختلاط في السوائل امتزاجا وفي الحبوب تداخلا أما اختلاط الانسان فيكون مخصوصا بالارتباط الخارجي والمعاشرة والمجاورة[12]. ويقال للصديق والمجاور والشريك (خليط): (إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) [ص: 24][13]. ومخالطة الايتام هي معاشرتهم معاشرة الاخوان الطيبين.
لأعنتكم: (العنت) هو المشقة و(الاعنات) هو الالقاء في المشقة[14].
تناسب الايات بعد بيان ضرورة الانفاق ووجوب الجهاد في المجموعة السابقة (215-218) التي كانت تعنى بالأوضاع الداخلية والخارجية للأمة الاسلامية تضمنت هاتان الايتان اللتان اعتبرهما البعض آية واحدة – الاجابة على بعض الأسئلة المطروحة في المجتمع الاسلامي كي تمهد لقيام الأمة الواحدة القوية المستندة على قواعد القيم الالهية كما بينت الأبواب الصحيحة لإنفاق الاموال الى جانب الأبواب غير المناسبة منها.
[1] مفردات ألفاظ القرآن ص298 خ م ر
[2] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج3 ص129 خ م ر.
[3] سورة النور، الآية 31؛ مفردات ألفاظ القرآن، ص 298، خ م ر.
[4] مفردات ألفاظ القرآن، ص 892، ي س ر.
[5] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 261.
[6] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص192.
[8] مفردات ألفاظ القرآن، ص 63، أثم.
[9] معجم مقاييس اللغة ج2 ص208 خ ل ط
[10] مفردات ألفاظ القرآن ص293 خ ل ط
[11] مجمع البيان ج1-2 ص557
[12] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج3 ص105 خ ل ط
[13] سورة ص الاية 24 مفردات ألفاظ القرآن ص293 خ ل ط
[14] المصباح المنير ص431 ع ن ت.