فكرة الأوروبيين عن العالم
المؤلف:
د. عيسى علي ابراهيم
المصدر:
الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية
الجزء والصفحة:
ص 137 ـ 139
2026-07-19
28
كان العالم في نظر الأوربيين في العصور الوسطي يتألف من أربع قارات هي أوربا وافريقيا وآسيا وقارة شاسعة المساحة تقع في مكان ما من نصف الكرة الجنوبي عرفت باسم القارة المجهولة، وقد حشدت هذه القارات على خريطة العالم في تلك الفترة بحيث بدت المحيطات مزدحمة بكتل اليابس فتقلص المحيط الاطلنطي إلى ممر مائى ضيق ولم يظهر المحيط الهادي اطلاقا علي حين جعلت القارة الجنوبية المحيط الهندي بحرا داخليا.
وهذه الأخطاء الجغرافية لم تكن وليدة لجهل رسامي الخرائط وإنما نتيجة للاعتقادات الدينية السائدة التي بالغت في هذه الأخطاء فطبقا للعقيدة المسيحية لابد أن توضع أورشليم (القدس) في قلب العالم ولذلك رسم الكارتوجرافيين العالم في العصور الوسطي كدائرة وعند مركزها وضعوا المدينة المقدسة واضطرهم ذلك بالطبع إلى تشويه الأشكال الفعلية للقارات الثلاث القائمة ليصلوا إلى هذا الهدف.
بيد أن هذه الصورة كانت مناقضة لتلك التي وجدها الأوربيون في التراث اليوناني ، حيث رسم الجغرافيون الإغريق والرومان خريطة العالم بصورة أكثر دقة ولكن معظم خرائطهم فقد في ظلام العصور الوسطى، وبقي القليل منها قائما مثل أعمال الجغرافي بطليموس الذى عاش في مصر خلال القرن الثاني قبل الميلاد، وقد عني دارسو عصر النهضة بأعماله وانعكست أفكاره علي خرائطهم غير أن الكثيرين مع ذلك ظلوا يفضلون الخرائط التقليدية القائمة الأساس الديني عن الخرائط الجديدة وبالرغم من أن معرفة الأوربيين في العصور الوسطى بقارتي آسيا وأفريقيا كان يشوبها الغموض فإنهم كانوا مهتمين كثيرا بها لما تواتر في القارة من قصص وأساطير حولهما أو ما ذكره الكتاب المقدس (الإنجيل) فأفريقيا أرض العاج والرقيق وسن الفيل والأبنوس، وآسيا الأرض التي تضم الأماكن المقدسة والحرير والتوابل والشاي. وعلي سبيل المثال فقد كان الاعتقاد السائد أنه في مكان ما من افريقيا يجري نهر من الذهب يصب في بحر استوائي يغلي لا يمكن لأي إنسان أن يبلغه ويعود حيا، وهكذا سادت مجموعة من الأفكار الغريبة والأساطير حول مصير من يتجه إلى هاتين القارتين وبالتالى جعلت من الترحال فيهما ضربا من المغامرة إلى جانب ذلك ترددت قصص حول القس بريسترجون الذي ذهب للتبشير بالمسيحية في آسيا وانتقل منها إلى مكان ما في افريقيا حيث استقر به المقام ولذلك شعر الأوربيون أن العثور عليه ربما يحول افريقيا إلى المسيحية.
وقد ساعد على انتشار هذه الأفكار والأساطير غياب إمكانية التأكد من صحتها، فالأوربيون كانوا جهلة تقريبا بآسيا وأفريقيا، فعدد التجار الذين بلغوا الهند قليل، وكل محاولات الأوربيين للتوغل في قلب آسيا وقفت بهم عند سوريا وفلسطين نتيجة لوقوف الفرس في وجوههم في بادئ الأمر ثم الحكام المسلمون فيما بعد ولكن لم يأت عام 1250 حتى كانت الإمبراطورية المغولية التي تمتد بين الصين شرقا وجنوب روسيا تسمح للمسيحيين بالمرور في حرية عبر أراضيها، وفى مقدمة من سمحت لهم بذلك الرحالة الايطالي ماركو بولو الذي كان أول أوربي يكتب عن الصين في العصور الوسطي. غير أن الرحلات المسيحية توقفت في منتصف القرن الرابع عشر مع ظهور الامبراطورية العثمانية وهنا سادت الاساطير مرة أخرى ولكنها اختلطت هذه المرة ببعض الحقائق التي استمدت من رحلات ماركو بولو وربما كانت الأساطير حول افريقيا أكثر من قرينتها آسيا في أذهان الأوربيين فبالرغم من تجارتهم في الرقيق والذهب مع موانئ شمال القارة فلم للتجار الأوربيين بالتوغل صوب الداخل ولكن مع بداية القرن يسمح الخامس عشر لم يعد الأوربيون راغبون في العزوف عن التوغل في أراضي الأساطير تلك سواء فى الجنوب أو الشرق، ساعدهم على ذلك التقدم التكنولوجي الذي أدى إلى البحث عن مصادر جديدة للتجارة فيما وراء البحار، وكان الطلب المتزايد على المعادن الثمينة من قبل التجار أهم هذه الأسباب إلى جانب ذلك كانت هناك أسبابا أخرى مثل توسيع نطاق صيد الأسماك والتبشير بالمسيحية.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في معلومات جغرافية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة