رحلات هنرى الملاح وبداية الكشوف البحرية
المؤلف:
د. عيسى علي ابراهيم
المصدر:
الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية
الجزء والصفحة:
ص 139 ـ 141
2026-07-19
36
ومن هنا شهدت هذه الفترة عدة بعثات برتغالية أرسلها حاكم البرتغال الذي كان له قصب السبق علي كل حكام أوربا في هذا المضمار الذي عرف باسم الأمير هنري الملاح وهو الابن الثالث للملك جون الأول الذي كان له خبرة سابقة بالشاطئ الافريقي لبلاده ومعلومات عن طرق الذهب التي تخترق الصحراء صوب الجنوب استقاها أثناء الصراع بين ممالك شبه جزيرة أيبيريا ضد عرب أسبانيا (المور) كما عرفهم الأوربيون ، وكان من رأيه أنه من الصعب على قطر صغير مثل البرتغال أن يهزم مراكش بجبالها وصحاريها ولكن من السهل عليها استخدام قوتها البحرية لتقضي علي قوة هذه الدولة من مصدرها بالاستيلاء علي خليج غينيا الذي اعتقد أنه مركز الحركة التجارية، وعندئذ وضع في اعتباره تحقيق هدفين هما معرفة مصدر تجارة الذهب والعاج والرقيق والتوابل وأن يعرف مكان القس بريسترجون ويتحالف معه ليشن حربا صليبية علي المسلمين يطردهم بها من شمال افريقيا والأراضي المقدسة نهائيا، ولكي يحقق هذا الغرض أقام مدرسته في ساجرس علي ساحل البرتغال لتدريس الجغرافيا وجمع كتاباتها وارسالها لقواد بعثاته الكشفية.
ويبدو أن كشف الساحل الغربي لأفريقيا لم يمثل صعوبة كبيرة من الناحية الطبيعية بالنسبة للبحارة الذين اعتادوا علي المياه العاصفة المجاورة للسواحل البرتغالية، ولكن كانت هناك عقبات سيكولوجية يجب التغلب عليها، لقد كان الاعتقاد السائد إلى حد كبير في تلك الفترة أن الحياة مستحيلة بالقرب من خط الاستواء، ولذلك أطلق على نقطة تقع عند دائرة عرض 29 شمالا على الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا اسم رأس نان (لا أحد ) Cape Nun نظرا لانتشار اسطورة تقول أن كل البحارة الذين تعدوا هذا الخط لم يعد منهم أحد حيث توجد المياه التي تصل إلي الغليان في البحر ولذلك فإن كل من يصل إلي هناك يحترق ويتفحم ويتحول إلى اللون الأسود تحت أشعة الشمس.
وفيما وراء ذلك يقع في النصف الأخير للكرة طبقا لما يقوله رجال الدين حيث يمكن أن يعيش القديسون فقط لأنه مادام كل الناس أولاد آدم ولا يمكن لأي فرد منهم أن يتعدى المدارين فإن القديسين فقط هم الذين يعيشون في القارة المجهولة وآخر هذه العقبات التي كانت سببا لتأخر كشف افريقيا هو يقين البحارة أن القارة تتصل بالقارة الجنوبية ولا يمكن الدوران حولها.
وكانت بداية مغامرات البرتغاليين تتمثل في إقامة مجموعة قواعد في الجزر بالقرب من السواحل الافريقية مثل مجموعة ماديرا وكناريا والأزور وهي أنسب للأوربيين من سكني الأراضى الأفريقية الأصلية، وساعدت هذه القواعد علي إزالة المخاوف التي كانت تراود البحار بشأن القارة إذ استطاع هؤلاء تدريجيا أن يبحروا صوب الجنوب ويتوصلوا إلى اكتشاف رأس بعد الآخر، فقد اكتشفوا رأس بوجادورالذي يقع على مسافة 560 كم من رأس نان عام 1434 ، وبعدها بسبعة أعوام عادت بعثة كشفية من اقليم ريودي أورو محملة بالعبيد حيث بدأت بذلك هذه التجارة اللاإنسانية وظلت فترة طويلة فيما بعد ومع حلول عام 1445 تمكن المكتشفون من التوصل إلى نقطتين مهمتين هما رأس بلانكو التي سميت بهذا الاسم للرمال البيضاء بها والرأس الأخضر وهو موقع مكان داكار الحالية وعند ذلك وجدد دينيس دياز انحناء الشاطئ صوب الشرق ومن ثم فهل بدأ دوران القارة الافريقية يكتشف والإجابة بالطبع بالنفى ولكن الأمل فى الأرباح المتزايدة التي جناها الأوربيون من وراء تجارتهم في رقيق افريقيا دفعت البعثات الافريقية واحدة وراء الأخرى إلى التقدم صوب الجنوب سواء كانت ممولة من الدولة أو من أفراد وهيئات، غير أن تفاصيل هذه الرحلات للأسف لم يصلنا منها إلا القليل نظرا للسرية أحاطت بها الحكومة البرتغالية كشوفها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في معلومات جغرافية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة