عملية الهضم في الحشرات (Digestion)
لما كان اللعاب يحتوي أصلاً على أنزيمات تساعد في عملية الهضم ، ولما كانت بعض أنزيمات اللعاب تحقن في أنسجة العائل النباتي أو الحيواني أو تلقى على سطح المادة الغذائية فإن جزءاً من عملية الهضم يتم خارج القناة الهضمية، وهذا ما يُعرف بالهضم الخارجي، ومن ثم يمكن تمييز هضم خارجي وداخلي وآخر بواسطة الكائنات الحية الدقيقة أو ما يسمى بالتعايش كما يوضحها الشكل التالي.

شكل يبين : رسم تخطيطي عام لمسار الغذاء وهضمه وامتصاصه وعملية الاطراح والإخراج في جسم الحشرة (عن عبد السلام، 1983).
1 - الهضم الخارجي (External Digestion)
توجد هذه الظاهرة في الحشرات التي تتغذى على عصارة النباتات ، حيث تفرز الحشرة الأنزيمات إلى الأنسجة النباتية قبل سحب الغذاء . وكذلك تنتشر في الحشرات المفترسة التابعة للعديد من الحشرات المفترسة مثل أنواع البق المفترس (Reduviidae) والذباب السارق (Asilidae) ، إذ تلجأ هذه الحشرات المفترسة إلى تقيؤ العصير الهضمي وحقنه بواسطة فكوكها المجوفة داخل جسم الفريسة ليتم جزء كبير من عملية الهضم خارج جسم الحشرة. ويؤدي حقن العصير الهضمي إلى إسالة أنسجة جسم الفريسة وسهولة امتصاص نواتج هضمها من قبل الحشرة المفترسة عن طريق الفكوك . ولا يُعرف في الحقيقة من المسؤول تماماً عن مثل هذه العملية ؟ أهي أنزيمات اللعاب أم أنزيمات راجعة من المعي المتوسط ؟ . على كل حال ففي يرقات شبكية الأجنحة (Neuroptera) والخنفساء المائية Dytiscus ssp.)) ويرقات اليراع من فصيلة Lampyridae)) ، التي تنعدم فيها الغدد اللعابية ، يمكن التأكيد على أن أنزيمات المعي المتوسط هي المسؤولة عن عملية الهضم الخارجي لدى هذه الحشرات المفترسة، إذ يتم هنا إدخال الأنزيمات الآتية من المعي المتوسط بواسطة الفكوك العليا إلى جسم الفريسة عن طريق أنبوب ضيق، وعندما تتحلل وتهضم أنسجة الفريسة تمتص نواتج الهضم بشكل سائل. ولعل من أوضح الأمثلة على الهضم الخارجي في الحشرات، هو الحشرة الكاملة لفراشة دودة الحرير ( Bombyx Mori) وعن يرقات ذباب اللحم التابعة لفصيلة (Calliphoridae) .
2- الهضم الداخلي (Internal Digestion)
عموماً يبدأ الهضم الداخلي بدخول أجزاء الغذاء إلى التجويف الفموي ثم مرورها بالأقسام المختلفة للقناة الهضمية (الشكل السابق). ولعل المهم هنا إضافة الدور الكبير الذي تلعبه الأحياء الدقيقة في عملية الهضم عند الحشرات أو ما يسمى الهضم بواسطة الكائنات الحية الدقيقة .
3- الهضم بواسطة الكائنات الحية الدقيقة (Symbiotic Digestion)
تدخل بعض الأحياء الدقيقة كالبكتريا أو الحيوانات الأولية (البروتوزوا) أو الفطر جسم الحشرة مع الغذاء الذي تتناوله، وبعضها الآخر يوجد أصلاً متعايشاً مع الحشرة إما في الأمعاء وإما ضمن خلايا النسج المختلفة، وتعيش مع الحشرة معيشة تكافلية أو معيشة تبادل المنفعة (Symbiotic Association). وقد توفر هذه الكائنات لعوائلها مواد ذات قيمة غذائية كالفيتامينات، وفي أحيان أخرى تقوم هذه الكائنات بتصنيع أنزيمات تُمكن الحشرة من هضم مواد تعجز بدونها عن هضمها، وهذه الكائنات هي :
3-1- البكتريا (Bacteria) :
يحتوي المعي في كثير من الحشرات على مواد من طبيعة بكتيرية من غير أن يعرف مصدرها أو طبيعتها ، ولكن بالتأكيد لها دور أساسي ومهم في الحشرات. فمثلاً تحتوي القناة الهضمية لبعض قافزات الأوراق على خمائر تستطيع هضم النشاء والسكروز الذي تتغذى عليه الحشرة. كما أن بعض الحشرات التي تتغذى على العصارات النباتية يشتمل المعي المتوسط فيها على عدد كبير من الردوب المعوية أو الأعورية المتماثلة التي تسكنها البكتريا ذات الأشكال والأنواع المختلفة والتي غالباً ما تلعب دوراً مهماً في الهضم . وتستطيع يرقات دودة الشمع (Galleria Mellonella) أن تتغذى على شمع خلية النحل الذي يحتوي على حوالي (60%) من الشمع، ومع ذلك فإن مفرغاتها البرازية لا تحوي أكثر من (28 ٪) من الشمع، ومعنى ذلك أن البكتيريا تلعب دوراً مهماً في عملية هضم الشمع في هذه اليرقات . كما تقوم البكتريا العقدية التي توجد في يرقات بعض أنواع الذباب التي تعيش في أوحال البترول الخام بدور مهم في أكسدة البارافينات والشموع التي تتغذى عليها هذه اليرقات . وأخيراً تؤدي البكتيريا وظيفة مهمة في تخمير السيللوز حتى يسهل تحلله وهضمه في كثير من الحشرات التي تحوي في هذه الحالة على حجرة تخمير (Fermination Chamber) ، والتي قد توجد في الحوصلة كما في بعض الصراصير ، أو في المعي الخلفي كما هو الحال في بعض غمدية الأجنحة ، حيث تمكث الأغذية الخشبية في حجرة التخمير هذه مدة قد تصل إلى أسبوع لكي يتم تخمرها بواسطة البكتيريا. وفي الحالة الأخيرة إما أن تمتص نواتج الهضم من خلال جدار المستقيم وإما أن تعود نواتج الهضم إلى المعدة لتمتص من خلالها .
2-3- دور وحيدات الخلية (Protozoa) :
يُشكل السيللوز (Cellulose) : حوالي (40 – 60 %) من الوزن الجاف للخشب، ولكي تستطيع حشرات كالنمل الأبيض (Termites) ، المتغذية أساساً على الخشب، هضم السيللوز لابد أن تستضيف كائنات وحيدة الخلية ((Symbiotic Organisme في قناتها الهضمية، لأن النمل الأبيض غير قادر على إفراز أنزيم السيللولاز. فالمعي الخلفي في النمل الأبيض يتسع بعض الشيء ليشكل ما يشبه الجيب تنحشر فيه وتكتظ أنواع عديدة من البكتيريا ومن وحيدات الخلية السوطية (Flagellata) التي تفرز أنزيم السيللولاز . ويبدو أن لهذه السوطيات، بالإضافة إلى ذلك ، القدرة على تثبيت الآزوت الجوي والاستعانة بالسيللوز لتكوين مواد بروتينية تستغل الحشرة الجزء الأكبر منها. وقد ثبت أن النمل الأبيض يموت إذا عقم للتخلص من هذه الحيوانات الأولية ومن ثم قدم لها الخشب غذاء . وعموماً يكون المستقيم في مثل هذه الحشرات متضخماً يعمل مخزناً للغذاء ، وذلك لأن عملية الهضم تحتاج لفترة طويلة لكي تتم بواسطة الكائنات الدقيقة، بخلاف عملية الهضم العادي التي يستغرقها الطعام في المرور داخل القناة الهضمية والتي تتراوح بين (6-33) ساعة بمتوسط ثماني ساعات منها نصف ساعة تقريباً في المعي الأمامي وساعتان في المعي المتوسط (المعدة) والباقي في المعي الخلفي. وقد تزيد هذه المدة عند الانفعال وعند الصوم .