نفاذ الحكم الصادر بعدم دستورية المصادقة على الحساب الختامي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص 209-212
2026-06-11
42
أنقسم الفقه الدستوري حول نطاق الزمني لنفاذ الحكم بعدم دستورية النص التشريعي، فالبعض منهم من نادى الاخذ بقاعدة الأثر الرجعي، والبعض الآخر من نادى الأخذ بقاعدة الأثر الفوري والمباشر (1).
بيد أن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وقانون المحكمة الاتحادية المعدل لم يحددا النطاق الزمني لتنفيذ حكم المحكمة الاتحادية العليا، هل يكون بأثر رجعي، أم يكون بأثر فوري مباشر ؟ (2)، الا أن هذا القصور التشريعي تم معالجته في النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا (الملغى) والذي حدد النطاق الزمني لسريان قرار المحكمة وعلى النحو الآتي:
أولا. الطعن الدستوري، ويقسم على:
1. النصوص غير الجزائية
من تاريخ صدور قرار المحكمة ما لم ينص قرار الحكم على خلاف ذلك (3)، أي: إن قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية النصوص التشريعية الواردة في القوانين غير الجزائية، ومنها قانون الحساب الختامي تسري بأثر فوري ومباشر ولا ينطبق على الوقائع السابقة لصدوره. ولكن ما يؤخذ على هذا النص أنه أخضع الحكم بعدم دستورية النص الضريبي الى قاعدة الأثر الفوري والمباشر وعدم إخضاعها لقاعدة الأثر الرجعي، فهو يعد أمراً غير دستوري كونه يتعارض مع مبدأ العدالة الضريبية، والذي يُعد من مبادئ الدستورية، وان لم ينص عليها الدستور، إذ صادر المشرع العراقي حق المكلفين في استرداد مبلغ الضريبة التي دفعت قبل الحكم بعدم الدستورية النص الضريبي التي تم جبايتها على وفقه (4).
2. النصوص الجزائية
من تاريخ نفاذ النص الجزائي ما لم ينص قرار الحكم على خلاف ذلك (5)، أي: قرار المحكمة الاتحادية العليا يسري بأثر رجعي.
وتجدر الإشارة الى أن الحكم بعدم دستورية القوانين المخالفة لأحكام الدستور، وبضمنها قانون الحساب الختامي لا يعدمه وإنما يعدم قوة نفاذ القانون كون إلغاء القوانين غير الدستورية تحتاج الى تدخل تشريعي أي إختصاص السلطة التشريعية بألغاءها وليس من إختصاص المحكمة الاتحادية العليا استناداً الى مبدأ الفصل بين السلطات (6).
ثانياً. القرار التفسيري
أما نطاق الزمني لقرار تفسير نص دستوري فيسري من تاريخ نفاذ النص ما لم ينص القرار على خلاف ذلك (7)، أي: إن القرار التفسيري الصادر من المحكمة يسري بأثر رجعي فهو كاشف للنص الدستوري، وليس منشئ له.
استناداً الى ما تقدم فإن النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 (الملغى جمع كلتا القاعدتين، أخذ بقاعدة الأثر الرجعي للحكم بعدم دستورية النصوص الجزائية وكذلك الأثر الرجعي للقرارات التفسيرية، وأخذ أيضاً بقاعدة الأثر الفوري والمباشر للحكم بعدم دستورية النصوص غير الجزائية (8).
أما النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا الجديد رقم (1) لسنة 2025 جاء خالياً من ذلك مما يشكل تراجعاً تشريعياً من تحديد النطاق الزمني لتنفيذ حكم المحكمة الاتحادية العليا، هل يكون بأثر رجعي، أم يكون بأثر فوري مباشر.
فضلاً عن ذلك فإن المشرع العراقي بمقتضى النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا الجديد نص بنشر قراراتها ، وأحكامها بعدم دستورية القوانين والأنظمة والقرارات الأخرى في الموقع الالكتروني للمحكمة أو نشرها في الجريدة الرسمية، إذا أرتأت المحكمة ذلك (9).
فمن التطبيقات القضائية في ذلك، قيام المحكمة الاتحادية العليا بنشر قرارها رقم ( 190/اتحادية / 2023 ) في 2023/11/12 في جريدة الوقائع العراقية بشأن الحسابات الختامية (10)، فالغاية من نشر المحكمة الاتحادية العليا قراراتها في جريدة الوقائع العراقية هو إعلام الجمهور للاطلاع عليه، وضمانة لعلم سلطات الدولة والكافة والعمل به تحقيقاً لمبدأ الامن القانوني، ولا يؤثر نشر القرارات المحكمة في الجريدة في صفة الالزام(11).
وتجدر الإشارة الى أن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وقانون المحكمة المعدل ونظامها الداخلي الجديد لم ينص على كيفية معالجة آثار النص المطعون بعدم دستوريته، وهذا يعد قصوراً تشريعياً ينبغي على المشرع تلافيه وتقترح الباحثة النص الآتي ( ... وإذا ما قررت المحكمة عند فصلها في دستورية القوانين والأنظمة تعين على السلطة المعنية اتخاذ ما يلزم من تدابير لإزالة المخالفة الدستورية، أو لتصحيحها).
وبهذا الشأن يطرح التساؤل الاتي: ما هو الأثر القانوني المترتب على مصادقة مجلس النواب العراقي للحسابات الختامية لسنوات المالية من (2005 الی 2011) بصيغة قرار تشريعي ومدى الزاميته ؟ إن القرارات التشريعية الصادرة من مجلس النواب العراقي بالمصادقة على الحساب الختامي أثارت اشكالاً دستورياً وقانونياً، إذ إن القرار التشريعي الصادر من مجلس النواب العراقي دستوري في المجال الذي حدده الدستور بإصداره (12)، ومن ثم فأن المصادقة على الحساب الختامي بقرار تشريعي يشوبها عدم الدستورية كما أوضحنا آنفاً. أما إلزامية القرار التشريعي بالمصادقة على الحساب الختامي فانه يكون غير ملزم ما لم يوجد نص في الدستور يؤكد إلزاميته، فأذا لم يوجد نص دستوري، أو قانوني يعطي للقرار التشريعي قوة الالزام ففي هذه الحالة يحمل طابع التوصية، ولا يكون له أي قيمة دستورية، أو قانونية (13).
أما الجزاء المترتب على مخالفة القانون، أو النظام، أو القرار، أو الاجراء للدستور الاتحادي هو الغاءه، كون العراق يأخذ بالرقابة القضائية المركزية عن طريق طعن به أمام المحكمة الاتحادية العليا (14)، إذ تتفق الدساتير التي تبنت الرقابة القضائية على دستورية القوانين وبضمنها الدستور العراقي لسنة 2005 النافذ على مبدأ ان الحكم بعدم دستورية التشريع هو بمثابة شهادة وفاة التشريع وإعدامه، إذ يصبح هو والعدم سواء، ومن ثم فإن التشريع المقضي بعدم دستوريته باطل ومنعدم ولا يرتب عليه أي أثر قانوني (15) ، وتجد الباحثة أن في حالة مضينا مستقبلاً بتقديم الحساب الختامي وإقراره في العراق من دون إيجاد معالجة دستورية له، فأن الحساب الختامي يكون عديمة الأثر ، وموصوم بالانعدام، وغير ملزم للسلطة التنفيذية الاتحادية عند إعداد تقديرات الموازنة العامة لسنة المالية المقبلة، وهو ما نجده مخالف لفلسفة إقرار الحساب الختامي واعتماده.
نستنتج مما تقدم، أن الحساب الختامي تم إقراره بصيغة قرار تشريعي بدلاً من القانون خلافاً لقواعد الشكل والاجراءات، فأن الاثر القانوني المترتب عليه في حالة الطعن والحكم بعدم دستوريته هو [البطلان] ويتم الغائه كون الرقابة على دستورين القوانين في العراق هي رقابة قضائية لاحقة تترتب عليه إلغاء القرار التشريعي بالمصادقة على الحساب الختامي على مستوى الاتحاد لمخالفته أحكام دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والشرعية الدستورية، فالرقابة على دستورية قانون الحساب الختامي تضمن علوية الدستور وسموه ، وكذلك حماية لمبدأ المشروعية، وتدرج القواعد القانونية، كما تعد المحكمة الاتحادية العليا صمام الامان لضمان دستورية القوانين وبضمنها قانون الحساب الختامي ولاهميته وتعلقه بالحقوق والحريات الاقتصادية وتماس الاخيرة مع حياة الافراد وواقعهم الاقتصادي، وتهيب الباحثة بالمحكمة الاتحادية العليا الموقرة بمخاطبة السلطتيين التنفيذية والتشريعية والايعاز لهم بضرورة التزامهم بأحكام المادة (62/اولاً) من الدستور العراقي بتقديم السلطة التنفيذية الحساب الختامي بصيغة مشروع قانون، وإقرار السلطة التشريعية الحساب الختامي بصيغة قانون.
____________
1- ينظر : د.محمد صلاح عبد البديع السيد الحكم بعدم الدستورية بين الأثر الرجعي والاثر المباشر (دراسة مقارنة)، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص 40.
2- ينظر: مها بهجت يونس الحكم بعدم دستورية نص تشريعي ودوره في تعزيز دولة القانون، ط1، منشورات بيت الحكمة ، بغداد، 2009 ص 222.
3- المادة (37/اولاً) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 (الملغى).
4- ينظر : د . محمد صلاح عبد البديع السيد مصدر سابق، ص 115 ، وينظر ايضاً : د. عبد الله ناصف، حجية واثار احكام المحكمة الدستورية العليا قبل التعديل وبعد التعديل، دار النهضة العربية، القاهرة، 1998، ص 120.
5- المادة (37 / ثانياً) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022(الملغى).
6- ينظر : د. صبري محمد السنوسي محمد، آثار الحكم بعدم الدستورية (دراسة مقارنة)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000 ، ص123.
7- المادة (38) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 (الملغى).
8- ينظر : د. محمد صلاح عبد البديع السيد الحكم بعدم الدستورية بين الأثر الرجعي والاثر المباشر (دراسة مقارنة)، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000 ، ص16.
9- المادة (16) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2025.
10- منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4758) في 2024/2/5.
11- ينظر: د. علي هادي عطية الهلالي الولاية التكميلية للمحكمة الاتحادية العليا على نشر قراراتها في ظل قرارها ( 246 / اتحادية / 2022 )في 2022/11/28 ، مقالة منشورة على الموقع الرسمي الالكتروني لمجلس القضاء الأعلى العراقي https://sjc.iq تاريخ زيارة الموقع 2026/9/22 ، وينظر ايضاً مكي ناجي، المحكمة الاتحادية العليا في العراق (دراسة تطبيقية في اختصاص المحكمة والرقابة التي تمارسها معززة بالاحكام والقرارات) ، ط1 ، دار الضياء للطباعة، النجف، 2007، ص 86
12- ينظر : د. عدنان عاجل عبيد ومصطفى ناجي شنبوج، سلطة مجلس النواب بأصدار قرارات تشريعية في ظل دستور 2005، بحث منشور في مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية كلية القانون جامعة القادسية، عدد خاص بالمؤتمر العلمي الدولي الافتراضي الأول لطلبة الدراسات العليا في كليات القانون، 2021، ص 679.
13- ينظر : رقية عادل حمزة قرارات مجلس النواب العراقي ومدى الزامها للسلطة التنفيذية، بحث منشور في مجلة جامعة الانبار للعلوم القانونية والسياسية كلية القانون جامعة الانبار، المجلد العاشر العدد الثاني 2020، ص 617.
114- ينظر: د. حسين جبر حسين الشويلي، قرينة دستورية التشريع (دراسة مقارنة)، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2018، ص 322 .
15- ينظر : د. علي يوسف الشكري مبادئ القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق، طه، مكتبة دار السلام القانونية، بيروت، 2018، ص372-373.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة