بدخول القوات البريطانية المحتلة للعراق، كان الاحتلال بأمس الحاجة إلى عمل مدني يسند العمل العسكري؛ إذ برزت الحاجة إلى الأيادي العاملة من السكان المحليين من أجل تنفيذ فتح الطرق البرية والنهرية لغرض نقل معداتها العسكرية، وتزويد جيشها بالمواد الغذائية والحربية؛ لذلك (1) أنشأت دائرة الأشغال ضمن الدائرة المدنيّة التي أسست في البصرة، وتولّى إدارتها القائد هاملتون (Hamilton)، وانحصرت مهامها بالإشراف على إدارة ميناء البصرة، والري، ووسائل النقل النهري والبري (2).
ولما كانت تحتاج إلى كلّ جندي في ساحات القتال، فضلًا عن قلة قواتها بالنسبة لجبهات القتال الواسعة، اعتمدت سلطات الاحتلال على العمال المحلّيين رغم ما في ذلك من خطورة، قد تهدد جيش الاحتلال (3). ولتسهيل المهمّة التجأت إلى تطبيق السياسة التي كانت تتبعها سلطات الاحتلال العثماني عند حاجتها لقوى العمل، المتمثلة بالطلب إلى شيوخ العشائر بتجهيز العمال اللازمين من أبناء العشائر عند الحاجة، وفعلا نجحت هذه السياسة، فقد لجأت سلطات الاحتلال البريطاني إلى أعمال السخرة بعد احتلالها البصرة بسبب حاجتها الشديدة للعمال من أجل شق الطرق وتعبيدها، وبناء الجسور، وإنشاء المعسكرات، فحشرت عشرات الألوف من الفلاحين لهذا الغرض(4)، كما حقق الشيوخ المتعاونون مع جيش الاحتلال جميع طلباتهم بخصوص توفير الأعداد اللازمة من العمال في مشاريع الاحتلال؛ إذ جهز بعض شيوخ القرنة من سكان مناطقهم ما يقارب من 2000 - 3000 عامل من أبناء العشائر للعمل في السكك الحديدية على نهر دجلة خلال عام 1917 (5).
أما العمارة فلم يختلف وضع الفلاحين فيها عن أبناء العشائر؛ إذ دفع بعض شيوخ العشائر، مئات الفلاحين للعمل في المشاريع المختلفة، إذ تولّت دائرة الأشغال التي تأسست في العمارة بعد احتلالها مهمة الإشراف على هؤلاء الفلاحين (العمال) من خلال عملهم في إنشاء الطرق بين قلعة صالح والعمارة وعلي الغربي، وتشديد القناطر على القنوات والأنهر (6).
كما أسست دائرة الأشغال في المنتفق؛ إذ قدّم لها بعض شيوخ سوق الشيوخ 4000 عامل من أبناء العشائر للعمل في كري بحيرة الحمار، وبناء السدود لدرء خطر الفيضانات (7)، كما كان يحصل المحتلّون على العمال من الناصرية (8).
ومن الجدير ذكره أن سلطات الاحتلال استخدمت طرقًا عديدةً من أجل جلب أبناء العشائر للعمل في مشاريعهم المختلفة، منها الاستعانة بشيوخ العشائر المتعاونين معهم، أو من خلال المقاولين، أو استخدام القوة لإجبارهم على ترك تحت مزارعهم تحت تهديد السلاح (9)، أو دفع الأجور التي كانت تتراوح بين 11 - 13 آنة يوميًا للرجال، وحوالي 8 آنات للنساء والأطفال (10)، كما لجأت سلطات الاحتلال إلى استغلال الأعراف والتقاليد القبلية بنحو مخطط له ولمصلحتها لنخوة أبناء العشائر للحصول على العمل المجاني، إضافة إلى أن بعض الشيوخ سخّروا الفلاحين للقيام بأعمال الحفر وبناء السدود مجانًا، لقاء حصول الشيخ على تخفيض في حصّة السلطات الحكومية على الواردات (11).
وقد بلغ عدد الذين استخدموا في أعمال السخرة حوالي 90،000 فلاح، فقد كانوا يستخدمون في أعمال أغلبها أعمال شاقة مثل شق الطرق وكري الأنهار. وقد كانت أوضاعهم مزرية؛ إذ يعيشون ظروفًا صحيةً صعبة، وغالبًا ما تنتشر بينهم الأمراض التي تقتل العديد منهم، وكثيرًا ما يُفصلون عن ذويهم ويبتعدون عن بيوتهم ومزارعهم لفتراتٍ طويلة، فضلا عن سوء التغذية الذي أدّى كثيرًا إلى عجز الفلاحين عن العمل (12).
ويمكن أن نقول إنّ الشعب العراقي، لا سيّما طاقاته الشابة، تعرّضت إلى أقصى حد من الاستغلال البشع من قبل قوات الاحتلال ومن الشيوخ المتعاونين معهم الذين فضلوا الإثراء على تجويع وقتل أبناء عشائرهم في الأعمال الشاقة، إذ فَقَد كثير من أبناء العشائر مصدر عيشهم (الزراعة) بعد أن هجروها غصبًا، ومنهم رحل للعمل لفترات طويلة من دون أن يترك خلفه من يعيل عائلته، مما أدى إلى آثار سلبية
على بعض العوائل الفلاحية التي دفعت أبناءها إلى ممارسة أعمال السخرة.
..........................................................
1. الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915 - 1958 (دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012، ص70.
2. علي ناصر حسين الإدارة البريطانية في العراق 1914 - 1921، ص 90.
3. المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ص 63.
4. العكيدي، عمار يوسف عبد الله عويد، السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945، أطروحة دكتوراه، كلية التربية جامعة الموصل، 2002، ص 177
5. علي ناصر حسين، الإدارة البريطانية في العراق 1914-1921، ص 167.
6. العكيدي عمار يوسف عبد الله عويد السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945، أطروحة دكتوراه، كلية التربية جامعة الموصل، 2002، ص 176.
7. العطية غسان العراق نشأة الدولة ،1908 - 1921، ص 317؛ الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915 - 1958 (دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012، ص 74.
8. علي ناصر حسين الإدارة البريطانية في العراق 1914 - 1921، ص 168.
9. المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ص 63؛ العكيدي، عمار يوسف عبد الله عويد، السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914 - 1945، أطروحة دكتوراه، كلية التربية، جامعة الموصل، 2002، ص 176؛ الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915 - 1958(دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار كلية الآداب، 2012، ص 74.
10. علي ناصر حسين الإدارة البريطانية في العراق 1914-1921، ص 168.
11. العكيدي، عاّمر يوسف عبدلله عويد، السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945،
أطروحة دكتوراه، كلية التربية، جامعة الموصل، ص 180.
12- المصدر نفسه، ص 176؛ الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915-1958(دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012، ص 74.