الاسم :
الايميل :
رقم الهاتف :
المحتوى
1u1F

التواصُلُ بينَ الاستغلالِ والتّعاونِ
319   2020/07/27

يصعُبُ في أحيانٍ كثيرةٍ وصفُ نوعِ العَلاقةِ التي تربِطُنا معَ الآخرينَ، هل اهتمامُهم بِنا وتواصُلُهم لأجلِ مصلحةٍ شخصيّةٍ؟ أم انَّ العَلاقةَ فوقَ المصالحِ؛ بحيثُ يستهدِفُ الآخرونَ مِنَ التّواصلِ التراحُمَ والتعاونَ؟

رُبّما لا نكتشفُ نوعَ العَلاقةِ إلا بعدَ أنْ نَمُرَّ في مَطبّاتٍ حَرِجَةٍ فتكونُ المواقِفُ هيَ الناطِقَ الفصيحَ لا ذلكَ اللسانُ المعسولُ والوَجهُ الباسِمُ الذي اعتدنا أنْ نراهُ أثناءَ التواصُلِ!

إنَّ الاحتياجَ المُتبادَلَ بينَ البَشَرِ أمرٌ يُلازِمُ العَلاقاتِ الاجتماعيةَ ولا يُمكِنُ إنكارُهُ، ولكنْ أنْ يتحوَّلَ الى هدفٍ أساسيٍّ في العَلاقاتِ بحيث لو انعدمتِ الحاجَةُ الشخصيّةُ لما كانَ هناكَ تواصُلٌ بينَ أفرادِ المجتمعِ فهذا الجانبُ السَّلبيُّ في الاحتياجِ المُتبادَلِ؛ لأنّهُ استغلالٌ سَلبيٌّ، ويَنُمُّ عَن دوافعَ أنانيّةٍ، وخصوصاً إذا كانَ الشخصُ يقطعُ تواصلَهُ بعدَ أنْ تنتهي مصلحتُهُ، فيتحوّلُ الى شخصٍ آخَرَ وكأنّهُ لا يعرفُكَ ولم تكنْ بينَكَ وبينَهُ روابط !؟

يميلُ البعضُ الى أنْ تكونَ طبيعةُ العَلاقَةِ مبنيّةً على الربحِ المُتبادَلِ أي ( ربحٌ إلى ربح ) وهذا وإنْ كانَ يؤمِّنُ دورَنا في العَلاقاتِ الاجتماعيّةِ ويحمينا مِن استغلالِ الآخرينَ ؛ ففي حالِ لمْ نَرَ مِن وراءِ هذا التواصُلِ أيَّ ربحٍ فبإمكانِنا الانسحابُ وقطعُ التواصُلِ، إلا أنَّها علاقاتٌ خاويةٌ مِنَ القِيَمِ الإنسانيةِ النبيلةِ والأهدافِ الأُخرَويّةِ السّاميةِ؛ كما أنَّ طبيعةَ التواصُلِ قد تكونُ مبنيَّةً على المُجامَلاتِ المُصطَنَعَةِ مِن خِلالِ إقامَةِ الحَفلاتِ والولائمِ وجَلَساتِ البَذخِ التي تُشعِرُكَ بالاهتمامِ لديهم وأنَّكَ مُقرَّبٌ مِنهم، كما سَتَجِدُ نفسَكَ مُرغَماً لِلَعبِ الدَّورِ نفسِهِ فتدعوهُم الى الحَفلاتِ والولائمِ وجَلَساتِ البَذخِ؛ لأنَّ ذلكَ طريقُهم لديمومةِ تبادُلِ المصالحِ ! وما أنْ ترفضَ لهُم طلباً أو تُقَصِّرَ في دعوتِهم؛ يهجُرُوكَ ورُبَّما يَتَّهِمُوكَ بالتقصيرِ والبُخلِ!

إنَّ الاستغلالَ في العَلاقاتِ الاجتماعيةِ كالصّداقةِ والمُجاوَرةِ والزَّمالةِ والسَّفرِ والعَمَلِ مِن أبشَعِ صُورِ الاستغلالِ السَّلبيّ؛ لأنَّ هذهِ الروابطَ ينبغي أنْ تكونَ مَبنيَّةً على أساساتٍ نقيّةٍ من شوائبِ الأنانيّةِ والدوافعِ الفانِيةِ؛ فالصداقةُ ينبغي أنْ تكونَ الرابطةُ فيها مُرتَكِزَةً على التعاونِ والمؤازَرَةِ، وينبغي أنْ تَتَعمَّقَ روابطُ التعاونِ معَ الجارِ عِبرَ الرّعايةِ والمُواساةِ، وكذلكَ باقي العلاقاتِ في السَّفرِ والعَملِ والزَّمالةِ ؛لأنَّها الصورةُ الإيجابيّةُ في التواصُلِ السّليمِ مِنَ الاستغلالِ السَّلبيّ .

إنَّ مَنطِقَ المَنفَعَةِ لا يَقِفُ عندَ المَنفَعةِ الدُنيويةِ؛ بل ينبغي أنْ تكونَ المنفعةُ مُتّصِلةً في ثوابِ الآخِرةِ؛ فليسَ بالضرورةِ أنْ تربحَ مِن وراءِ عَلاقاتِكَ الاجتماعيّةِ في الدّنيا، فقد يكونُ الربحُ في الآخرةِ فربحُها خيرٌ وأبقى؛ قالَ اللهُ تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ}