ثِـــــــمَارُ الأَسفَـــــــــار .. طُوبى لـِمَن ذَلَّ في نفسِهِ، وطابَ كسبُهُ، وصَلُحَتْ سريرتُهُ، وحَسُنَتْ خليقَتُهُ، وأنفقَ الفضلَ مِن مالِهِ، وأمسكَ الفضلَ مِن لسانِهِ، وعزَلَ عنِ الناسِ شرَّهُ، ووسِعَتْهُ السُّنةُ، ولم يُنسبْ إلى البِدْعةِ

جاء في كتابِ (أخلاقِ الإمامِ عليٍّ عليهِ السلام)

للسيد مُحمد صادق مُحمد رضا الخِرسان

 قالَ أميرُ المؤمنينَ -عليهِ السَّلام-:

(طُوبى لـِمَن ذَلَّ في نفسِهِ، وطابَ كسبُهُ، وصَلُحَتْ سريرتُهُ، وحَسُنَتْ خليقَتُهُ، وأنفقَ الفضلَ مِن مالِهِ، وأمسكَ الفضلَ مِن لسانِهِ، وعزَلَ عنِ الناسِ شرَّهُ، ووسِعَتْهُ السُّنةُ، ولم يُنسبْ إلى البِدْعةِ).

هذهِ الحكمةُ جاءَتْ تاليةً لـِما سبقَها، وقدْ اتّحدَتا في طريقةِ الضّمانِ والتّأمينِ لحصولِ ما يتمناهُ الإنسانُ مِن منزلةٍ رفيعةٍ في الآخرةِ، وإنّ التّفاعلَ معَ هذهِ المميزاتِ كفيلٌ ببناءِ شخصيّةِ الفردِ وحمايةِ المجتمعِ وتحصيلِ المطلوبِ أُخروياً:

الأُولى : أنْ لا يكونَ مغروراً معتزّاً بما لديهِ مِن قُوّةٍ أومالٍ أوجاهٍ أووَلدٍ، بلْ يتواضَعُ للغَيرِ، فيكونُ بالمقابلِ أنَّ الآخرينَ يُقدّرونَ ذلكَ لهُ، فيُكرموهُ ويحترموهُ ويوقّروهُ فترتفعُ منزلتُهُ الاجتماعيةُ ويزدادُ رصيدُهُ بما يُؤمّنُ لهُ حياةً عزيزةً، وهذا ما يطمحُ إليهِ مَن يتكبّرُ ويَشمَخُ، زَاعِماً أنّهُ يتوفرُ على ذلكَ مِن خلالِ ترفُّعِهِ وغَطرستِهِ وتعاليهِ، بينما إذا لانَ وتأدّبَ ولم يُسيء إلى الآخرينَ في تعاملِهِ فسوفَ يَكسِبُ المنزلةَ الرفيعةَ في الآخرةِ، والتي قدْ عبّرَ عنها بـ (طُوبى) وما تُمثّلُهُ مِن إدراكِ الأماني وتحقيقِ المُنى، وقد تقدّمَ في الحِكمةِ السّابقةِ شرحُ (طُوبى).

الثانيةُ: أنْ يكونَ حريصاً على أنْ يخلو كسبُهُ وما يحصلُ عليهِ مِن منافعَ دنيويةٍ مِنَ الحرامِ او الشّبهاتِ؛ لأنّهُ إذا كانَ ما يطلبُهُ الإنسانُ مِنَ الرّبحِ والعوائدِ عن طريقٍ مشروعٍ ومِن وجهٍ حلالٍ فسيساعدُهُ في التّخفّفِ مِنَ الأوزارِ والآثامِ والتّبعاتِ وطولِ المُساءَلةِ وشِدَّتِها وعسيرِ الحسابِ وأليمِ العقابِ، فيكونُ مقرُّهُ ما أعدَّ اللهُ تعالى للمتقينَ المُراقِبِينَ لهُ في السرِّ والعَلنِ، أمّا إذا لم يلتزمْ بِكُلِ ذلكَ وتمرّدَ على الضوابطِ الشرعيةِ وطلبَ الرّبحَ والعوائدَ مِن طريقٍ ملتوٍ غيرِ مشروعٍ ومِن وجهٍ حرامٍ كانَ مقرُّهُ النارَ وساءَ مصيرا.

الثالثةُ: أنْ يكونَ سليمَ القلبِ طاهرَ النّفسِ صالحَ العملِ طيّبَ النّيةِ لِيحظى بذلكَ الوعدِ، وليتعايشَ معَ أفرادِ مجتمعِهِ بما يُحقّقُ الأمانَ والسلامَ والطمأنينةَ، فيكونُ بذلكَ عضواً صالحاً في المجتمعِ يتعلّمُ مِنهُ الآخرونَ ويقتدي بهِ الأشرارُ؛ ليرتفعوا مِن حضيضِ الجهالةِ إلى مستوى الحكمةِ والعملِ الصّالحِ، وهو بذلكَ مُحترَمٌ مُهابٌ وهذا ما يسعى إليهِ الإنسانُ وقدْ أمّنَ التوفُّرَ عليهِ مِن خلالِ النّيةِ الصّالحةِ.

فإذا أمكنَنا توفيرَ عِدَّةِ نماذجَ فسنُنقِذُ المجتمعَ مِن حالاتِ التّردّي والوقوعِ في المشاكلِ والجرائمِ بما يُربِكُ الوضعَ الأمنيَّ للمجتمعِ، فالكلُّ خائفٌ ومذعورٌ وغيرُ مستقرٍ لوجودِ ذوي النّوايا السّيئةِ.

إذنْ مِن أوّلياتِ بناءِ المجتمعِ الآمنِ، تهيئةُ ذوي النّيةِ الطيبةِ الصالحةِ الحسَنةِ بما يُحقّقُ وجودَ مُرشدينَ عملياً في المجتمعِ لِتقلَّ نسبةُ الجريمةِ والتّعدّي.

الرابعةُ: أنْ يكونَ حَسِنَ الأخلاقِ يتفاعلُ بإيجابيةٍ معَ الآخرينَ ويتعامَلُ معَهُم بكُلِّ احترامٍ ومودَّةٍ وبما يُحقِّقُ لهُم فرصةَ العَيشِ بخيرٍ وسلامٍ. وهذهِ الميزةُ إنْ أمكننا تحقيقَها اجتماعياً وتكثيرَ عددِ المتميزينَ بها فسنُسيطرُ على حالاتِ وقوعِ الجريمةِ والحوادثِ المؤلمةِ المُنهِكةِ للمجتمعِ بما تتركُهُ مِن أعباءٍ وأثقالٍ تدومُ طويلاً.

الخامسةُ: أنْ يكونَ مواصلاً الآخرينَ بما يرفِدُ المحتاجينَ ويساعدُهم على توفيرِ الأمورِ اللازمةِ فيكسبُ بذلكَ أصدقاءَ وأعواناً ومؤازرينَ لهُ في الحياةِ، كلُّ ذلكَ بفضلِ ما أنفقَهُ مما زادَ عن حاجتِهِ ونفقتِهِ اللازمةِ؛ لأنّ مِنَ الصّعبِ على كلِّ أحدٍ أنْ يُقدّمَ غيرَهُ على نفسِهِ أو يُقاسِمَهُ ما عندَهُ ولكنْ إذا فَضُلَ شيءٌ فيُنفِقُهُ لِيبقى الأجرُ والمثوبةُ ويدومُ النّفعُ والفائدةُ.

السادسةُ: أنْ يتعوّدَ الانضباطَ وحفظَ اللسانِ وعدمَ الخوضِ في كلِّ ما يقالُ لأنّ ذلكَ مورِّطٌ في مشاكلَ ومتاعبَ دنيويةٍ وأحياناً أُخرويةٍ، فاللازمُ أنْ يُوازنَ أقوالَهُ فلا يُفلتُ منهُ زمامَ السّيطرةِ على لسانِهِ، ولا يتركُ الأمرَ مِن دونِ ما مراقبةٍ لأنَّ اللسانَ كفيلٌ بإسقاطِ الإنسانِ في مهاوٍ لا يَسُهلُ عليهِ التّخلصُ مِنها.

فإذا أمسكَ لسانَهُ إلا عنِ اللازمِ لهُ مِنَ الكلامِ مِن ذكرِ اللهِ تعالى بكافّةِ مصاديقِهِ، او ما يُؤدّي بهِ عن أفكارِهِ ومطالبِهِ، أو ما يصلحُ بهِ بمختلفِ حالاتِ الإصلاحِ بما يجعلُ اللسانَ تحتَ طائلةِ الحسابِ والسّيطرةِ وعدمِ الانفلاتِ لأنّ لذلكَ عواقِبَ وخيمةً تحكمُ على الإنسانِ بأحكامٍ تُفقدُهُ نفسَهُ، مركزَهُ، وموضعَهُ في قلوبِ الآخرينَ، أموالَهُ، أصدقاءَهُ، أقرباءَهُ.

السّابعةُ: أنْ يكونَ مأمونَ الجانبِ لا يصِلُ شرُّهُ إلى الناسِ. وحالاتُ وصولُ الشّرِّ إلى النّاسِ كثيرةٌ.

مباشِرةٌ وغيرُ مباشِرةٍ.

عن قصدٍ وعن لا قصدِ.

فلابُدَّ للإنسانِ التّوقّي منها جميعاً قدرَ الإمكانِ لئلّا يقعَ فريسةَ الشّرِّ، وما يجرُّهُ مِن مواقفَ عدوانيةٍ يأثَمُ عليها وعلى ممارستِها في الآخرةِ، فيكونُ هو الخاسرُ في الدّنيا والآخرةِ. مضافاً إلى ما يستجرُّهُ مِن عداواتٍ وأحقادٍ وضغائنَ الآخرينَ فيكونُ المجتمعُ معانياً مِن وطأةِ الشّرِ وأهلِهِ، بينَما الأجدرُ بالأفرادِ أن يُساعدوا على إشاعةِ الخيرِ ومنعِ الشّرِ؛ لِيَعمُرَ المجتمعُ بالمحبّةِ والأُخوّةِ الإنسانيةِ والإسلاميةِ، بما يُحققُ الأهدافَ السّاميةَ التي يسعى المصلحونَ إلى تحقيقِها وإدامتِها.

الثامنةُ: أنْ يكونَ مُطبّقاً لسُنّةِ الرسولِ الأعظمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ) وآخذاً بطريقتِهِ وسيرتِهِ مِن دونِ إضافاتٍ وزياداتٍ؛ لأنّ السُّنةَ النبويةَ الشريفةَ قدْ تكلّفَتْ بإتمامِ جميعِ ما يحتاجُهُ الإنسانُ فلمْ يبقَ مجالٌ للإضافةِ والزيادةِ، فإذا ما صَدرَتْ إضافةٌ مِن أحدٍ فإنّها تكونُ مِنَ البِدعةِ، فلا بُدَّ للمسلمِ أنْ يكونَ كفُوءاً عندَما ينتسِبُ للإسلامِ ديناً ويعتنقُهُ عقيدةً، ولا يكتفي بمُجرّدِ الاسمِ والمظهرِ بلْ عليهِ أنْ يعيشَهُ روحاً وفكرةً لِينطلقَ بهِ نحوَ السّموِ والرِّفعةِ وكلِّ معانِي الخيرِ، ومِن ذلكَ أنْ تحصلَ لديهِ القناعةُ الكافيةُ بتماميّةِ القوانينِ اللازمةِ لحفظِ نظامِ الحياةِ بما يسعُ كافّةَ الأجيالِ إلى يومِ القيامةِ فلا تُوجَدُ فَراغاتٌ في التّشريعِ حتى تبقى حاجةٌ لملئِها حسبَ الرّغباتِ الشخصيةِ.

فإذا طبّقَ ذلكَ والتزمَ بهِ مِن دونِ ما مخالفةٍ مقصودةٍ فسيضمنُ الحصولَ على المكانةِ الرّفيعةِ في الآخرةِ ويكونُ مستحقّاً بجدارةٍ للبِشارةِ بــ (طوبى) وما تُدَلّلُ عليهِ مِن حالةِ بلوغِ المقصدِ. أما لو حاولَ الإضافةَ فزادَ مِن عندِهِ وجعلَ ما ليسَ مِنَ الدّينِ كأنّهُ مِن صُلبِ التعاليمِ الشّرعيةِ فيأثَمُ ويُحاسَبُ على ذلكَ؛ لأنّهُ مِنَ التشريعِ المحرمِ. وفي هذهِ الفقرةِ مِنَ الحِكمةِ دعوةٌ لتجنّبِ ما يفعلُهُ بعضُ الناسِ مِنَ الرّجالِ أو النساءِ مِنَ الالتزامِ بأمورٍ لم يثبُتْ ورودُها في الشّريعةِ.

التاسعةُ: أنْ يكونَ حذِراً مترقّباً مِنَ الانتسابِ إلى كلِّ (عقيدةٍ أُحدِثَتْ تخالِفُ الإيمانِ)؛ لأنّها مَكمَنُ الخطرِ والانزلاقِ ولا يُمكنُ عندَها التّداركُ خصوصاً وأنّ أصحابَ التياراتِ المُواجِهةِ الهدّامةِ يحاولونَ التّوصّلَ إلى أغراضِهم بالوسائلِ المتعدّدةِ المختلفةِ بما يجعلُ حالةَ التّخلّصِ مُستصعَبةً. ولذا فقدْ يُزيَّنُ ما ليسَ مِنَ الدّين بزيِّ الدّينِ لينخدعَ بهِ البسطاءُ وينطَلي عليهم ولكنّهُ ليسَ مِنَ الدّينِ بشيءٍ أبداً.

فعلى الإنسانِ أنْ يَعرِضَ كلَّ الأفكارِ –التي يدّعي الالتزامُ بها– على أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ وما تحويهِ مِن سُنّةِ النبيّ الأكرمِ وآلِ بيتِهِ الأطهارِ (عليهِمُ السّلام) الذين يستقونَ مِن منبعِ فيضِهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ)، لئلّا يغترَّ وينخدِعَ بالأباطيلِ المُضَلِّلَةِ.

 

 

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 9619