كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (2)
بقلم: أحمد السراي
ما إن يلوحُ هلالُ المحرمِ في أفقِ الزمانِ، حتى ترتجفَ أوتارُ الذاكرةِ، وتنهضَ كربلاءُ من بينِ صفحاتِ التاريخِ حيةً نابضةً بالحزنِ والخلودِ، وكأنَّ الكونَ بأسرِهِ يقفُ على أعتابِ موعدٍ مهيبٍ ينتظرُهُ منذُ عامٍ، فتتهيأُ السماواتُ لطقوسِ الأسى، وتستعدُّ الأرضُ لاستقبالِ موسمِ الوفاءِ الأكبرِ،
هناكَ في فضاءاتِ الملكوتِ، تتوشّحُ الملائكةُ بأرديةِ الحزنِ، وتنتظمُ في مواكبَ من نورٍ، وهي تستذكرُ الفاجعةَ التي هزَّتْ أركانَ الوجودِ، ويروى أنَّها تنشرُ قميصَ الحسين (عليه السلام)، مخضّباً بدمائِهِ الزكيةِ، ليبقى شاهداً خالداً على أعظمِ مظلوميةٍ عرفتها الإنسانيّةُ، ودليلاً لا يغيبُ على أنّ للحقِّ ثمناً دفعَهُ سبطُ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بدمِهِ الطاهرِ، فوقَ رمضاءِ كربلاء.
وفي الأرضِ تشدُّ القلوبُ رحالَها قبلَ الأجسادِ، وتهاجرُ الأرواحُ صوبَ الطفوفِ، حيث يلتقي الشوقُ بالحزنِ، والولاءُ بالدمعةِ، وتتّجهُ الأبصارُ نحوَ القبةِ الشريفةِ، مترقبةً ذلك المشهدَ الذي يعلنُ انبعاثَ موسمِ العزاءِ، حينَ تُطوى رايةُ الثأرِ الحمراء، لترتفعَ رايةُ الحدادِ السوداء، وكأنّ كربلاءَ تعلنُ للعالمِ من جديدٍ أن جرحَ الحُسين ما زالَ نازفاً في ضمائرِ الأحرارِ…
فتكتسي المدنُ بالسوادِ، وتتوشّحُ الطرقاتُ والبيوتُ براياتِ المصابِ، وتنبضُ المآذنُ والحسينياتُ بذكرِ الحسين، وتولدُ المواكبُ من رحمِ الحزنِ، حاملةً على أكتافها إرثاً من الدموعِ والولاءِ والحبِّ.
إنّهُ ليسَ موسماً عابراً من مواسمِ الذكرى، بل كرنفالٌ مهيبٌ تتعانقُ فيه السماءُ والأرضُ تحتَ لواءِ الحسين...
كرنفالٌ تسافرُ فيه المقلُ نحوَ أرضِ الأحرارِ، لنغرسَ في ثراها أوتادَ الوفاءِ، ونثبتَ للعالمِ أن الحسينَ (عليه السلام) لم يكن ذكرى تروى، بل قضيةٌ تعاشُ، ونهجٌ يحتذى، ومشعلٌ لا تنطفئ أنوارُهُ مهما تعاقبتِ السنونَ.
وفي كلّ موكبٍ يسيرُ، وفي كلِّ دمعةٍ تنحدرُ، وفي كلِّ رايةٍ تخفقُ فوقَ الرؤوسِ، يتجدّدُ العهدُ مع كربلاء، وتنبعثُ رسالةُ عاشوراء من جديدٍ، رسالةُ الإصلاحِ، والعزةِ، والإباءِ، ورفضِ الذلِّ والخضوعِ…
فالحسين (عليه السلام) لم يورثْ محبيه حزناً فحسب، بل أورثهم كرامةً تتحدّى الانكسارَ، وعقيدةً تتجاوزُ حدودَ الزمنِ، وثورةً لا تعرفُ القنوطَ أبداً…
وهكذا يبقى المحرمُ موعداً سنوياً بينَ السماءِ والأرضِ، تتلاقى فيه دموعُ الملائكةِ مع دموعِ المؤمنين، وتتعانقُ فيه راياتُ الحدادِ مع راياتِ الولاءِ، ليظلَّ الكونُ كلّهُ مشاركاً في كرنفالِ الحزنِ الخالدِ على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)...







محمد عبد السلام
منذ 3 ساعات
التعطش للفرح
المرجعية الدينية العليا وتحذيرات تستدعي الإهتمام
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
EN