Logo

بمختلف الألوان
الزمانُ: العاشِرُ مِنْ مُحرَّمٍ الحَرامِ. المكانُ: كربلاءُ المُقدَّسَةُ. مِنَ العِراقِ وخارجِهِ، وبجميعِ اللّغاتِ والجنسياتِ، تتعانقُ الأيادي معاً، وتسيرُ الحشودُ بخُطىً مِليونيّةٍ مُوَحَّدَةٍ نحوَ ضَريحِ الإمامِ الحُسينِ عليهِ السَّلام، مُلَبّينَ ذلكَ النِّداءَ الذي اعتلى يومَ الطّفِّ (ألا... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حين ارتفعَ النورُ على السنانِ

منذ شهرين
في 2026/07/07م
عدد المشاهدات :437
حين ارتفعَ النورُ على السنانِ
بقلم: حنان الزيرجاوي
 
ما أثقلَ ذلك المساءَ الذي افترشَتْ فيه القداسةُ رمضاءَ الطفِّ، وما أوجعَ تلك الساعاتِ التي ظلَّ فيها الجسدُ الشريفُ وحيداً تحتَ قبابِ السماءِ، تعانقُهُ الرياحُ وتنوحُ حولَهُ الرمالُ، كأنَّ الأرضَ قد لبسَتْ ثوبَ الحدادِ، وكأنَّ الجهاتِ الأربعَ انحنَتْ تحتَ وطأةِ مصابٍ هائلٍ تكسّرَتْ عنده معاني الصبرِ…
على رمضاءِ كربلاء، كانَ الجسدُ الطاهرُ مضرجاً بوشاحِ الشهادةِ، ساكناً في ظاهرِهِ، بينما كانَتِ السماواتُ تضجُّ بحضورِهِ، لم يكن ملقى على الثرى بقدرِ ما كانَ مرتقياً فوقَ مدارجِ الخلودِ، تحفُّ به أسرابُ الملائكةِ، وتزدحمُ حولَهُ مواكبُ التقديسِ، وتغتسلُ عندَهُ الأرواحُ من أدرانِ الدُّنيا كما يغتسلُ الفجرُ من ظلمةِ الليلِ...
وعلى امتدادِ الفاجعةِ ارتفعَ الرأسُ الشريفُ فوقَ السنانِ، غيرَ أنَّ الرماحَ عجزَتْ أن تحجبَ ضياءَهُ، فكانَ كالبدرِ إذا انبثقَ من بين غيومٍ متراكمةٍ، يسكبُ نورَهُ على الآفاقِ رغم تكالبِ الظلماتِ، أطلَّ على القلوبِ من عليائِهِ، يفيضُ وقاراً وهيبةً وجلالاً، حتى خُيلَ للزمانِ أنَّ النورَ قد اتخذَ من الدمِ مشكاةً، ومن الألمِ منبراً...
كانَ القرآنُ الكريمُ يتدفّقُ من ثغرِهِ المباركِ رقراقاً عذباً، فتتضاءلُ أمامَهُ الخطبُ، وتخرسُ أمامَ بيانِهِ الأصواتُ خاشعةً، كلماتٌ خرجَتْ من بين الأسنةِ لتعلنَ أنَّ الرسالةَ التي سُفكَتْ من أجلها الدماءُ لا تزالُ نابضةً بالحياةِ، وأنَّ الحقَّ إذا سكنَ القلوبَ استحالَ نوراً لا تطفئُهُ الحرابُ...
أما الصدرُ الذي وسعَ همومَ الرسالةِ وآلامَ الأمةِ، فقد أثخنَتْهُ الجراحُ، وتتابعَتْ عليه قسوةُ الخيلِ حتى غدا موطناً للفجيعةِ، غير أنَّ الكرامةَ التي سكنَتْ ذلك الصدرَ بقيَتْ عصيةً على الانكسارِ، شامخةً كجبلٍ تعاقبَتْ عليه العواصفُ، فلم تزدْهُ إلّا رسوخاً.
ثم يمتدُّ المشهدُ إلى الإمامِ السجاد (عليه السلام)، بقيةِ النورِ الهاشمي، يسيرُ مثقلاً بالحمى، موهناً من لوعةِ الفقدِ، تتعاقبُ على معصميه حلقاتُ الحديدِ كما تتعاقبُ الأحزانُ على قلبِهِ، كانَ المرضُ ينهشُ الجسدَ، وكانَتِ القيودُ تعضُّ المعاصمَ، وكانَتِ المطايا العاريةُ تضاعفُ وجعَ الطريقِ، بينما بقيَتْ روحُهُ تتوكأ على يقينٍ لا تزعزعُهُ المحنُ…
يمضي وفي عينيه بقايا الخيامِ المحترقةِ، وفي ذاكرتِهِ أصواتُ الأحبّةِ وقد سكتَتْ إلى الأبدِ، يحملُ بينَ أضلاعِهِ صدى العباس، وعبيرَ الأكبر، وأنفاسَ الحسين الأخيرة، كأنَّ كربلاء بأسرها قد استودعَتْ أسرارها في قلبِهِ ثم مضَتْ...
وحولَ ذلك الركبِ الجريحِ كانَ الأسى يمدُّ أجنحتَهُ فوقَ الفيافي، وكانَتِ الديارُ التي خلَتْ من ساكنيها تنعى أهلها بصمتٍ موجعٍ، كلُّ شيءٍ بدا موحشاً بعدَ رحيلهم... النخيل، والطرق، والظلال، وحتى النسائم كانَتْ تمرُّ مثقلةً برائحةِ الفقدِ…
لكنِ الدمُ الذي أُريقَ على الرمالِ لم يتحوّلْ إلى غيابٍ، بل إلى حضورٍ يملأ الأرواحَ، والنورُ الذي أشرقَ من الرأسِ المرفوعِ على الرمحِ ظلَّ يتّسعُ حتى غمرَ الآفاقَ، والجسدُ الذي بقيَ على الرمضاءِ صارَ محراباً للوفاءِ، ومهوى للأفئدةِ، ومنارةً تهتدي بها القلوبُ كلما أظلمَتْ دروبُ الحياةِ...
ففي الطفِّ لم تنتصرِ السيوفُ، بل انتصرَ النورُ الذي خرجَ من بين الدماءِ، ومضى يشقُّ عتمةَ الأيامِ، متوهجاً كآيةٍ لا ينطفئ إشراقها، وكفجرٍ أبى إلّا أن يولدَ من رحمِ المأساةِ.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر،... المزيد
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ... المزيد
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ... المزيد
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
تشير كتابات ومقالات الدكتور فاضل حسن شريف (التي تناول فيها الألفاظ القرآنية والفروق اللغوية...
في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"، غرسنا معاً...
تطرق الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته ودراساته القرآنية ولغويات المعاجم إلى التمييز بين...
ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم...


منذ 5 ايام
2026/09/14
عندما ننظر إلى قطعة من الحديد، تبدو لنا كتلة صلبة ساكنة لا يتغير فيها شيء. لكن على...
منذ 6 ايام
2026/09/13
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف concept التناسب الهندسي والتناسق الدقيق في كتابات بكونه...
منذ 6 ايام
2026/09/13
مضيق باب المندب هو ممر مائي طبيعي يقع في جنوب البحر الأحمر، ويمثل حلقة وصل مهمة...