ما إن يجد هلالُ المحرمِ طريقَهُ إلى السماءِ، حتى يبدوَ الكونُ بأسرِهِ وكأنّهُ يستعدُّ لموعدٍ مهيبٍ تنتظرُهُ الخليقةُ منذُ عامٍ، فتتسارعُ الأزمنةُ نحوَ أيّامِهِ، وتنتظمُ الكواكبُ في أفلاكها كأنَّها تتهيأ لمشهدٍ عظيمٍ، بينما تتأهّبُ ملائكةُ الرحمنِ لاستقبالِ موسمٍ ليسَ كسائرِ المواسمِ، موسمٍ ارتدى فيه الحزنُ قدسيتَهُ، واكتسى فيه الوجعُ ثوبَ الخلودِ...
ها قد أقبلَ المحرمُ، الشهرُ الذي ما إن يطرقُ أبوابَ الزمنِ حتى تستيقظَ جراحُ كربلاء من سباتها، وتنهضَ الذكرياتُ من بينِ ركامِ القرونِ، كأنَّ السيوفَ لم تُغمدْ بعدُ، وكأنَّ صهيلَ الخيلِ ما زالَ يدوي في طفوفِ نينوى، وكأنَّ دمَ الحسين (عليه السلام) ما زالَ طرياً على رمالِ كربلاء…
إنَّها أيامٌ لا تمرُّ على القلوبِ مرورَ الزمنِ، بل تمرُّ عليها مرورَ المصيبةِ، أيامٌ تتّكئ على الحزنِ، وتتوشحُ بالسوادِ، ولهيبُ الحزنِ لا تخمدُ جذوتُهُ، وتُستحضرُ الفاجعةُ التي لم تكن حدثاً عابراً في صفحاتِ التاريخِ، بل كانَتْ زلزالاً هزَّ ضميرَ الإنسانيةِ، ورجةً ارتجفَ لها الوجودُ بأسرِهِ، وكأنَّ السماءَ والأرضَ قد تعاهدتا منذ ذلك اليومِ على أن تحييا ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) معاً...
فهناكَ في الملكوتِ ترفعُ الملائكةُ راياتِ الحدادِ، وتبكي سبطَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله)، وتستذكرُ المأساةَ التي مزّقَتْ قلبَ النبوّةِ، ويروى أنَّها تنشرُ قميصَ الإمام الحسين (عليه السلام) المضمخَ بدمائِهِ الطاهرةِ، شاهداً خالداً على أعظمِ مظلوميةٍ عرفتها الأرضُ، وبرهاناً لا يشيخُ على حجمِ الفاجعةِ التي سقطَ فيها ابنُ بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عطشاناً بينَ الرمالِ...
وفي الأرضِ، تبدأ القلوبُ رحلتها نحو كربلاء قبلَ الأقدامِ، تشدُّ الأرواحُ رحالها إلى حيث يرقدُ سيد الشهداء، وتتّجهُ الأبصارُ إلى القبةِ الشريفةِ مترقبةً ذلك المشهدَ الذي يختصرُ قصةَ الحزنِ كلها، حين تطوى الرايةُ الحمراءُ، وترتفعُ رايةُ السوادِ، فتتنهّدُ القلوبُ كأنَّها تسمعُ نداءَ العزاءِ يتردّدُ في أرجاءِ العالمِ:
لقد أقبلَ موسمُ الحزنِ والبكاءِ…
عندها لا يتبدّلُ لونُ الرايةِ فحسب، بل يتبدّلُ وجهُ العالمِ كله، فتكتسي المدنُ بالسوادِ، وتغدو الشوارعُ مواكبَ للوفاءِ، وتتحوّلُ البيوتُ إلى محاريبَ للحزنِ، وتلبسُ القلوبُ قبلَ الأجسادِ ثيابَ العزاءِ… لا لأنَّ الزمنَ أعادَ الواقعةَ من جديدٍ، بل لأنَّ كربلاء لم تغادرِ الذاكرةَ يوماً، ولأنَّ الحسين (عليه السلام ) لم يصبح ذكرى تروى، بل قضيةٌ حيّةٌ تنبضُ في ضميرِ كلِّ حرٍّ وشريفٍ وموالٍ...
إنّهُ كرنفالٌ لا يشبهُ كرنفالاتِ الأرضِ، كرنفالٌ لا تضاءُ فيه الشموعُ للفرحِ، بل تشعلُ فيه القلوبُ مواجعها، ولا ترتفعُ فيه الأهازيجُ ابتهاجاً، بل تعلو فيه المراثي وفاءً، ولا تتزيّنُ فيه الطرقاتُ بالألوانِ، بل تتوشّحُ براياتِ الحزنِ التي ترفرفُ فوقَ الرؤوسِ كما ترفرفُ في الأرواحُ…
كرنفالٌ تشاركُ فيه السماءُ بدموعِ ملائكتها، وتشاركُ فيه الأرضُ بأنينِ محبيها...
كرنفالٌ تلتقي فيه دموعُ المحبّين بنداءاتِ الثكالى، وتتعانقُ فيه الراياتُ السودُ مع الدعواتِ الصاعدةِ نحو السماءِ، تحتَ رايةٍ واحدةٍ لا يبهتُ نورها ولا يخبو معناها، تحتَ نداء:
لبيك يا حسين…
فإذا كانَتِ الأممُ تحيي انتصاراتها كلَّ عامٍ، فإنَّ أمةَ الحسين تحيي تضحيتَهُ كلَّ حينٍ، وإذا كانَتِ الشعوبُ تتذكّرُ أمجادها، فإنَّ المحبينَ يتذكرونَ الموقفَ الذي انتصرَ فيه الدمُ على السيفِ، والحقُّ على الباطلِ، والخلودُ على الموتِ...
ولذلك سيبقى المحرمُ موسماً استثنائياً في ذاكرةِ الكونِ، وسيبقى الحزنُ على الحسينِ لغةً تفهمها السماءُ كما تفهمها الأرضُ، وميثاقَ وفاءٍ يتجدّدُ كلَّ عامٍ بينَ القلوبِ وبين كربلاء، فما دامَتِ الشمسُ تشرقُ على هذه الدُّنيا، سيبقى هناك قلبٌ يبكي الحسين، وستبقى كربلاء تنادي الأحرارَ جيلاً بعد جيلٍ، وستبقى السماءُ والأرضُ تقيمانِ معاً كرنفالَ الحزنِ الخالدِ على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)...







د. أسعد عبد الرزاق الأسدي
منذ 7 ساعات
العمامة والشعر
من قتل علياً عليه السلام ؟
المفكرون المغاربة وفعل التثاقف.... رأي
EN