تنطلق القيمة الحقيقية للوجود الإنساني من تلبية النداء الإلهي الخالد الذي تختصره الآية المباركة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. هذا القيام ليس مجرد حركة عابرة، بل هو خط رسالي ممتد يترجم حقيقة الولاء والانتماء. فليس كل قيامٍ قيامًا؛ فكم من قائمٍ لنفسه، وكم من ساعٍ لدنياه، أما الذين يقومون لله، فهم الذين يغيرون وجه التاريخ. وقد أصلت النصوص الشريفة لهذا القيام بوصفه حركة واعية لا تتوقف، حيث نسترشد بما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصيته لكُميل قوله: «يا كُميل، إنَّ هذه القُلوبَ أوعيةٌ، فخَيرُها أوعاها... النَّاسُ ثلاثةٌ: فَعالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ» (نهج البلاغة، الحكمة 147 / تحف العقول، ص 170)، والقيام لله هو الذي يرفع الإنسان من مرتبة الغفلة إلى مرتبة "المتعلم على سبيل نجاة" ثم إلى أفق "العالم الرباني" الذي يحمل همّ أمته ومجتمعه.
وحين ينتهي الوداع... يبدأ المشروع لم يكن الوداع الأخير في كربلاء نهايةً لقصةٍ عظيمة، بل كان بدايةً لمسيرةٍ لا تزال تمضي عبر الزمن. فما إن سكنت أصوات الوداع، وهدأت الخيام بعد العاشر، حتى بدأت مسؤولية الأمة، وانطلقت الرسالة من ساحة التضحية إلى ميادين الحياة. لقد انتهى اللقاء بالجسد، لكن اللقاء بالمبدأ بدأ منذ تلك اللحظة، وصار كل من يبكي الحسين عليه السلام مدعوًّا لأن يحمل شيئًا من مشروعه، وكل من يستذكر عاشوراء مطالبًا بأن يترجمها موقفًا وإصلاحًا وعيًا. وإن الامام الحسين عليه السلام لم يورِّث الأمة حزنًا يُعاش فحسب، بل ورَّثها مشروعًا يُبنى، ورسالةً تُحمل، وطريقًا يمتد حتى يتحقق الوعد الإلهي بقيام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. ولذلك فإن حرارة الوداع لا ينبغي أن تنتهي عند الدموع، بل يجب أن تتحول إلى عزيمة، وإلى وعي، وإلى استعداد دائم للمشاركة في مشروع الإصلاح الإلهي. فحين ينتهي الوداع، يبدأ الامتحان وفي هذا الامتداد الرسالي، يتجلى تشييع السيد القائد علي خامتئي كعقدة ربط حقيقية بين محطة الحزن التاريخي وانطلاقة العمل الإصلاحي الشامل. إن غياب القادة المصلحين —وإن كان فاجعة تهز الوجدان— إلا أنه في المنظور الرسالي يمثل ولادة جديدة للعزيمة؛ وفي هذا السياق نسترشد بما روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وهو يصف حتمية استمرار راية الحق وتتابع المصلحين بقوله:
«إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَدَعِ الأرْضَ إلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ يَعْلَمُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ فِي الأرْضِ، فَإِذَا زَادَ المُؤْمِنُونَ شَيْئاً رَدَّهُمْ، وَإِذَا نَقَصُوا شَيْئاً أتَمَّهُ لَهُمْ» (الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 178).
ومن هنا، فإن ذلك التشييع المليوني المهيب لم يكن وداعاً عاطفياً مجرداً، بل مصداقاً حياً لانبعاث الأمة وتجديد بيعتها لخط القيادة الممتد، وتحويل دمعة الوفاء إلى مشروع إصلاحي واقعي يمهد للأمر ويوطئ للمصلح الأعظم. وعن هذا التوطيد والتمهيد الذي ينطلق من بيئة المصلحين والشهداء، يروي الإمام محمد الباقر (عليه السلام) حتمية هذا الحراك بقوله: «كَأَنِّي بِقَوْمٍ قَدْ خَرَجُوا بِالْمَشْرِقِ يَطْلُبُونَ الْحَقَّ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، ثُمَّ يَطْلُبُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ وَضَعُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوهُ فَلَا يَقْبَلُونَهُ حَتَّى يَقُومُوا... وَلَا يَدْفَعُونَهَا إِلَّا إِلَى صَاحِبِكُمْ، قَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ» (الغيبة، الشيخ النعماني، ص 281).
الحديث يتنبأ بنشوء قوة في المشرق تطالب بالحق والعدل، وتواجه بالرفض والظلم، مما يدفعها للاعتماد على قوتها وهيبتها العسكرية. هذه القوة تستمر وتتطور حتى تسلم قيادتها وإمكاناتها للإمام المهدي عند ظهوره، ومسيرتها تحظى بتأييد شرعي لدرجة أن قتلاها يُعدون شهداء.
ثم من خلال التتبع التاريخي والجغرافي أن الجزم بمطابقة الجمهورية الإسلامية الايرانيه هي المعاصرة بنظامها السياسي الحالي مع 'قوم المشرق' الوارد ذكرهم في روايات أهل البيت (عليهم السلام) يُعد قراءةً تتطلب بحثاً عميقاً ومنهجياً كبيراً بالنظر إلى التحولات الديموغرافية والفكرية الكبرى التي شهدتها المنطقة عبر القرون. ومع ذلك، فإننا نرى رأياً يرجح الاستئناس بالقرائن الجغرافية الثابتة؛ فالكتلة الجغرافية الإيرانية اليوم—وخاصة أقاليمها الشرقية—تشكل قلب 'خراسان التاريخية' والامتداد الطبيعي لعمق المشرق الذي وصفه الإمام (عليه السلام)، مما يجعل جغرافية المكان حاضنةً مقارِبة وتفسيراً منطقياً لتلك النصوص.
ولهذا يمكن النظر إلى قوله تعالى: ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ على أنه النداء الذي يصنع رجال الظهور؛ فالظهور يحتاج إلى رجالٍ قامت قلوبهم لله قبل أن تقوم أقدامهم لنصرة وليّه، وتجردت نفوسهم لله قبل أن تتشرف بحمل راية الإمام عج وإن القيام لله هو المدرسة التي تُخرِّج أنصار القائم، وهو المعيار الذي يميز بين من ينتظر الظهور بالقول، ومن يتهيأ له بالفعل وهنا تحديداً، يبرزدور الأمام الخميني ثم اكتماله ووضبة الامام الخامنئي في دور الشباب المهدوي بوصفهم نبض هذا القيام، وعماده المتين، وحملة الأمانة الممتدة فهم الذين تحولت في قلوبهم حرارة الفقد إلى طاقة تفاعلية وبصيرة نافذة. فالنصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تؤكد أن حركة التغيير الكبرى قائمة على سواعد الشباب وعقولهم؛ حيث ينقل أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفاً جيل التمهيد والأنصار: «أصْحَابُ المَهْدِيِّ شَبَابٌ لَا كُهُولَ فِيهِمْ إلَّا كَالْكُحْلِ فِي العَيْنِ، أَوْ كَالْمِلْحِ فِي الزَّادِ، وَأَقَلُّ الزَّادِ المِلْحُ» (الغيبة، الشيخ الطوسي، ص 476).
إن هذا التوصيف لا يعكس مجرد مرحلة عمرية، بل يعكس طاقة متدفقة، وعقيدة صلبة، وعطاءً لا ينضب.
وعن صلابة قلوب هؤلاء الشباب الممهدين وفكرهم الواعي في مواجهة حرب الأفكار ومحاولات الكسر والتمييع، يصفهم الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية بليغة قائلًا «رِجَالٌ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبُرُ الْحَدِيدِ، لَا يَشُوبُهَا شَكٌّ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ... تَتَمَشَّى بِهِمُ الرَّايَاتُ كَأَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ، يُحِفُّونَ بِالإِمَامِ لِيَقُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ فِي الْحَرْبِ، وَيَكْفُونَهُ مَا يُرِيدُ فِيهِمْ» (بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 52، ص 307). فالإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) لا يريد انتظاراً سلبياً مقعداً بالأعذار، بل ينتظر شباباً ممهداً واعياً ومثقفاً، يحمل روحية القيام لله في سكونه وحركته، ويجعل من علمه وعطائه لبنات راسخة في صرح الأمة.
في الختام واستنهاض
إن هذا المشروع الإصلاحي الشامل الذي يتحرك فيه الشباب اليوم، هو جوهر التمهيد لدولة العدل الإلهي؛ فكل فسادٍ يُحارب، وكل وعيٍ يُنظّم، وكل كفاءة علمية وتربوية تُنمّى، هي خطوة عملية نحو الفجر المنتظر، تطبيقاً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَيُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ»(سنن ابن ماجه، ج 2، ح 4088 / كشف الغمة، الإربلي، ج 3، ص 267).
فقوموا لله يا شباب الأمة ورجال غدها، واجعلوا من مواقف القادة المصلحين منطلقاً لثورةٍ إصلاحية مستمرة على الذات وعلى الواقع، وتحركوا بوعيٍ وفكرٍ وتنظيم تحت ظل الراية الممتدة، لتكونوا بحقٍّ السند والذخر، والجيل الوفي الذي يجمع بين أصالة "الذكرى" وحيوية "المشروع"، مستلهمين من مسيرة الوفاء عزمًا لا يلين، حتى تسليم الراية إلى صاحب الأمر ونحن على عهد الثبات والجهاد بين يديه، ليكون هذا العمل هو اللبنة الأساسية، حتى إذا أذن الله بالفرج، كان هذا الجيل المخلص في طليعة من يقال لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾صدق الله العلي العظيم.
واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الطيّبين الطاهرين
وأعظم الله أجرك يا مولاي يا صاحب الزمان.







د. أسعد عبد الرزاق الأسدي
منذ 57 دقيقة
ماء المتفوق
خليجي 25 .. والشيبة الطاهرة
في شأن التعليم العالي وما يتّصل به ..
EN