Logo

بمختلف الألوان
بعدَ أنْ ضَحَّتْ كربلاءُ الشَّهادَةِ بقَرابينِ القَدَاسَةِ، بدأَتْ مَسيرَةُ الشموخِ تحمِلُ معَها ذكرياتِ الأحبّةِ ...حيثُ النُّخبَةُ المختارةُ مِنَ اللهِ لتروي أرضَ كربلاءَ بدمائِها الزَّكيّةِ، لتَحيا بها الأمّةُ مِنْ جَديدٍ بالعِزّةِ والإباءِ ...نَعَمْ بدأتْ مَسيرَةُ الدُّموعِ التي أقضَّتْ... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
خطوات مضيئة

منذ 9 سنوات
في 2017/05/15م
عدد المشاهدات :2348
✍ : حسين السنيد

أعمى منذ الولادة ...
لم يبصر النور ابدا ,ولا الالوان و لا الاشكال ..كان يعيش في العتمة . يسمع الاصوات فتخترق اذنه و تمر عبر خط مستقيم الى عينه وتتشكل هناك اشكالها .. اقصد اشكال الاصوات.
مثلا صوت والده كان عاليا و فيه بحة خفيفة ,فكان يتصوره شكلا اسطوانيا كبيرا يمتد من الاعلى حيث السواد ..الى الاسفل حيث السواد مرة اخرى.
اما صوت امه فكان ناعما كصوت طفلة,وحين تداهمها نوبات البكاء القاسية يشبه مواء القطط في ليالي شباط. لذلك كان يتصور امه شكلا منحنيا متعرجا.
لم ينس ابدا تلك اللحظة الخالدة عندما ابصر للمرة الاولى خطا مضيئا يخترق الجهة اليسرى من عينه ليمرق من اليمنى بسرعة , حدث ذلك حين طوحه والده وراح يتلقفه و يعيد الكرة مرة اخرى. حينها شعر انه يسبح في فضاء غريب وان آلاف الفراشات تداعب عيونه برفرفة جناحيها, في تلك اللحظة بالضبط ,كما قلت لكم , ابصر ثمة خط مضيئ يهرب منه , ثم وضعه والده على الارض و قال له :
- امش .. يا حبيبي ..امش.
ومشى باقدام مرتجفة ,ببطئ و خوف ..لكنه مشى و داس على وجه الارض .سمع رفرفة الاف الفراشات و ابصرهن على هيئة نقاط صفر وحمر و زرق.
و منذ تلك اللحظة عشق المشي و عشق الطرق. وكيف يمكن لاعمى مثله الا يعشق الطرق! فهي لا تمل منه ابدا .حتى في تلك اللحظات الصعبة التي كان يشعر بخيبه امل والديه و حزنهم الشديد ,كان يخرج و يمشي لساعات وساعات ,انها الطرق ,صديقته الوفية التي منحته الومضة الوحيدة في حياته .
وصار يحفظ الطرق و يعرفها .مشى حافيا .. مشى باقدام مجروحة .. مشى بحذاء رياضي..بحذاء جلدية ..مشى على الرمل ..على السيراميك..على الاسفلت ..على ارض حارة ..رطبة..وباردة .. منزلقة وجافة.
وكان يستشعر طعم الطرق المختلفة و يشم رائحتها ويميز صوت ضربات قدمه عليها.
مشى لساعات طويلة محاولا رؤية الخط الابيض.الا ان الخط لم يكن يظهر له بوميضه الساحر ولا الفراشات التي داعبن عيونه باجنحتها عدن الكرة مرة اخرى .
مرت السنين و هو مايزال يبحث عن ذلك الخط اللامع دون ان يراه , و كلما مر يوم او اسبوع او عام , زادت في ياسه وحزنه و شوقه لرؤية الخط المضيئ مرة اخرى.
ذات فجر شتائي ماطر ..حيث كانت الصنابير تتجمد و الطرقات تتصقع , لبس ملابسه الصوفية وحمل حقيبة ظهره التي تحتوي على خبز و جبن و ماء وبعض القطع من الكيك التي كانت تطهوه امه, بالاضافة لبعض الفواكه المجففة.ثم بدأ بالمشي تحت المطر. مشى ثم مشى .. حتى شعر بشعاع الشمس الاولى .
بالحقيقة لم يكن لمشيه مقصدا واضحا و بالوقت عينه لم يكن مشيا عشوائيا غير هادف بالمرة , بل بين هذا وذاك .لم يكن ليستطيع منع اقدامه من المشي , و يشعر ان اقدامه منفصلة عن باقي جسمه وان النصف الاعلى من جسمه يركب على قدميه فقط . دون اي تاثير آخر و ان لاقدامه افكار وقرارت وقوة لايمكن ايقافها و هي غير خاضعة للعقل او القلب او اي جزء آخر من جسمه.
لا اعرف كم مشى بالضبط , هو ذاته لم يعرف كم مشى. ثم شعر انه يدخل في دوامة من الفوضى عبر باب ضيقة مر عبرها بسهولة ويسر.
في بادئ الامر كان يجلس ليتناول شيئا او لينام , اما بعدما دخل عبر تلك الباب الضيقة ,فقد السيطرة تماما فراح يأكل و هو يمشي و ينام ماشيا لاوقات تطول او تقصر .
عبر حقلا .. شم رائحة السنابل المتفتحة و رائحة الدجاج تحت المطر. عبر سكة القطار ..وسمع اصوات الاطفال الذين يتحضرون لرمي القطار بالحجر.ثم مر من امام مدرسة للبنات وسمع اصوات قهقهاتهن اثناء اللعب .
عبر جسرا خشبيا و عرفه من خلال الصرير الصادر من اهتزازه . ربما مشى لاسبوع كامل او شهرا او عاما ! من يعرف؟
توقفت اقدامه فجأة ..في مكان انتشر فيه عبير الورود بشكل عظيم ,قال لنفسه انه في حديقة للورود من دون شك,فرح لانه استعاد السيطرة على اقدامه المجنونة وشعر بتعب كل الايام الماضية تسقط في اقدامه بغتة ,ثم خطى الخطوة الاولى في الحديقة ..داس على زهرة حمراء ثم صفراء و كان كلما داس على واحدة تتفجر رائحتها في الفضاء. استمر بسحق الزهور متلذذا بمداعبة وجوه الزهور لباطن قدمه المتعبة والمتورمة .. احس بفرح وراحة كبيرتين .
صاح صوت من بعيد:
- هي ..هي ...انت ..ماذا تفعل في مكب النفايات الزجاجية !! اخرج ...ستؤذي نفسك يا مجنون !!!
مد يده نحو قدمه و شعر بالدم الحار يتدفق من باطن قدمه . وعرف انه لم يكن في حديقة للورد ..كيف اخطأ طريقه؟
ركض بجنون و كان الناس واقفين ويشاهدونه بدهشة يتسائلون .. من هذا المجنون الذي اقتحم مكب النفايات الزجاجية باقدام حافية؟
راح يركض و راح الناس يصرخون . كلما كثر صراخ الناس, راح يجري بسرعة اكثر و صرخات الناس تطرق رأسه بثقل , ومع كل طرقة ثقيلة كانت الورود الحمراء والصفراء تمد رأسها من بين قدميه و تنبت من اطراف الطريق ومن الاعلى والاسفل و من الجهات كلها.
خرج من الحقل راكضا بسرعة جنونية , سمع صوت منبه عال وممتد لسيارة و صاح احدهم من خلفه:
- احترس ....احترس ...يا مجنون انت في الطريق العام .
ثم كانت الصدمة , صدمة قوية طوحت به الى السماء وكأنه لاوزن له ,كريشه تطير في السماء في يوم عاصف . و في منتصف تلك الفوضى الرهيبة من الصراخ و ابواق السيارات فيما كان مايزال يطوف بالجو , لاح له الخيط الابيض المضيئ مرة اخرى ! بدأت الاصوات تخف من حوله حتى ساد الصمت , و شعر بميل كبير للنوم .
ارتطم بالارض مبتسما ..و احس برفرفة الاف الفراشات على وجهه و ابصرها نقاطا ملونة كما في طفولته.
لم يكترث بالعاصفة الهوجاء التي كانت تلفه.. قام من فوره غير مكترث بالناس , باقدامه الحافية المدماة ورأسه النازف . واصل الطريق متعقبا اثر الخيط الابيض.

اعضاء معجبون بهذا

صدى الأعمار الثلاثة
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم الكفلي في أحد الأيام الباردة،كنت جالسا في السيارة أنتظر.. مرَّ رجلان مسنان يبدو عليهم علامات التعب، وكانت ملابسهم قديمة بعض الشيء ، وعيونهم غائرة، وكأنهم يحملون أثقال العالم. توقف الرجلان قليلا على الرصيف بجانب السيارة ، وبدأ أحدهم يتحدث بصوت مسموع عن عمر الإنسان وكيف وصفه الإمام علي... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

أَلَا يَا سَائِرًا نَحْوَ الحُسَيْنِ بِمُقْدِمٍ.. حُطَّ الرِّحَالَ إِنْ... المزيد
زيد علي كريم /الكفل في صحراء كربلاء يسير القوم والمنايا تسير معهم، هنا يسدل الصمت... المزيد
قصيدة ((اذا بالحرب )) إِذَا بِالْحَرْبِ يَوْمًا قَدْ ثَقِفَنَا بِرِبَاطِ... المزيد
(!) اليوم السبت، منذ الصغر وأنا لا أحب يوم السبت، إذ لم يكن عطلة، وكان يوما مدرسيا... المزيد
بمناسبة شهادة أولاد مسلم هذه قصيدة أهديها لسادتي الصغار عمرا الكبار شأنا: أيا... المزيد
حدثني صديقي جلال الاسكافي عن اغرب ما حدث له في زمن الخدمة العسكرية بزمن القائد... المزيد
دَعَوْنَاهُمْ لِنَادِينَا فَمًا لبُوا وَلَا نَادَوْا...!!! وَزِدْنَاهُمْ مَوَدَّتُنَا...
بعد وصول التكنلوجيا مراحل متطورة جداً، اتخذت الحكومات (في جميع بلدان العالم) قراراً يقضي...
مَهْمَا تَضِيقُ فَلَا بُدَّ يَوْمَاً تُفْرَجُ ... دَعِ الحَيَاةَ لِكُلِّ بَابٍ...
فاز من آمن بولايتك * وخسر وضل الضان أنت أمير المؤمنين وسيد * الوصيين في كل زمان أنت مولاي ومولى...


منذ اسبوعين
2026/06/22
يعتقد الكثير من الناس أن السهر لليلة واحدة يسبب التعب والإرهاق فقط، إلا أن...
منذ اسبوعين
2026/06/22
في خطوة تعكس توجه المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة نحو تعزيز...
منذ اسبوعين
2026/06/22
يُعد دماغ الطفل من أكثر أعضاء الجسم حساسية للتغيرات البيئية والسلوكية، إذ يكون في...