0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow

النمط الأول

النمط الثاني

EN
1

عاقبة الطمع

كان الحطّاب شيخًا أنهكته السنون، غير أنّ قلبه ظلّ طيبًا، ويداه لا تعرفان الكسل. كان يخرج كل صباح إلى الغابة، يحمل فأسه، ويعود عند المساء بما يسدّ حاجة بيته. ولم يكن يطلب من الدنيا أكثر من قوت يومه وراحة باله.
أما زوجته، فلم تكن ترى في النعمة نعمةً حتى تطلب فوقها، ولا في العطاء كفايةً حتى تطمع في المزيد. إن اشترى لها ثوبًا تمنّت اثنين، وإن أعطاها دراهم طلبت أضعافها، وإن جاءها بطعام اشتهت غيره. وكان الرجل يصبر عليها، ويقول في نفسه: لعلّ الأيام تعلّمها أن القناعة كنز لا يفنى.
وذات يوم، وبينما كان الحطّاب يقطع الحطب في أعماق الغابة، اشتدّ به العطش، فمضى يبحث عن ماء. وبين الأشجار لمح نبعًا لم يره من قبل، ينساب ماؤه صافياً رقراقًا، كأنما خرج من قلب الأرض يحمل سرًا من أسرارها.
اقترب الرجل وشرب.
وما هي إلا لحظات حتى شعر بشيء عجيب يسري في عروقه؛ خفّ عنه ثقل السنين، واستقامت قامته، وقويت يداه، وعاد إلى وجهه صفاؤه. فنظر إلى ماء النبع، فإذا صورته فيه شابًا كما كان في مقتبل عمره.
حمد الله على ما رأى، وحمل حطبه على كتفه، وعاد إلى قريته مسرعًا، وقلبه يكاد يرقص من الفرح.
دخل بيته، فما عرفته زوجته، وصاحت مذعورة:
- من أنت؟ وكيف دخلت داري؟
فضحك وقال:
— أنا زوجك!
ولم تصدقه حتى قصّ عليها خبر النبع، وذكّرها بصوته وكلامه وأيامهما الأولى. وحين تيقنت من صدقه، تحوّل فرحها إلى رغبة عارمة.
قالت:
- دلّني عليه، أريد أن أشرب منه أنا أيضًا!
نظر إليها الرجل وقال:
- احمدي الله على ما أعطاك، فليس كل ما نراه في الدنيا خيرًا لنا.
لكنها لم تسمع نصحه، وأخذ الطمع بقلبها مأخذًا شديدًا.
وفي الصباح دلّها على الطريق، فانطلقت إلى النبع، وما إن وصلت حتى شربت من مائه، ثم شربت مرة أخرى، ثم ثالثة.
وكان ينبغي لها أن تكتفي، لكنها لم تعرف في حياتها معنى الاكتفاء.
وظلّت تشرب وتشرب، كأنها تريد أن تستردّ كل أعوام عمرها دفعة واحدة.
أما الحطّاب فانتظرها حتى انتصف النهار، ثم غلبه القلق، فمضى يبحث عنها. وحين بلغ النبع، لم يجد زوجته، وإنما سمع بكاءً خافتًا بين الأشجار.
اقترب.. فإذا بطفلة صغيرة تبكي عند حافة النبع.
حملها بين ذراعيه، ثم تأمل ثيابها، فإذا هي الثياب نفسها التي خرجت بها زوجته.
فهم الرجل ما حدث، صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة ممزوجة بالحزن والعبرة، وقال:
- ما أصدق حكمة الله! لقد طلبتِ الشباب، فلم تقنعي بجرعة، ولم تشكري النعمة، حتى عاد بك الطمع إلى أول العمر!
ثم حمل الصغيرة إلى صدره، وعاد بها إلى كوخه.
وفي الطريق كان يفكر: ما أكثر ما يطلب الإنسان من الدنيا، وما أقل ما يشكر! ولو عرف أن القناعة راحة، وأن الشكر يحفظ النعم، لما جعل عينيه معلقتين بما في أيدي الآخرين.
وتذكّر قول الله تعالى:
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وعندما بلغ كوخه، وضع الطفلة برفق، ونظر إلى السماء وقال:
اللهم علّمنا أن نرى نعمك قبل أن نعدّ ما ينقصنا، وأن نرضى بما قسمت لنا، وألا يجعلنا الطمع ننسى فضلك.
فالشباب قد يعود إلى الجسد، أما القلب الجشع، فلن يشبعه شيء؛ لأن من لم يعرف نعمة ما في يده، لن تشبعه كنوز الدنيا كلها.
وكان الحطّاب كلما رأى الطفلة تكبر أمام عينيه، حمد الله، وقال:
إن أعظم ما يُرزق به الإنسان ليس أن يعود شابًا، بل أن يبقى قلبه حيًّا بالإيمان، ولسانه عامرًا بالحمد، ونفسه راضيةً بما قسم الله لها.

الحكمة: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «الطمعُ رقٌّ مؤبّد».

عاقبة الطمع

شرف البصيرة

قبل فوات الكلام

مرآة النوايا

صدى الصمت

نُكران الملح

ترانيم الوقار

قناع سليمان

قطاف الكلم الطيب

مكتبة الكتب البيضاء

بذرة الصدق والمستشار الأمين

زهرة المستحيل

مفاتيح الأحلام

صيّاد الضوء

مرآة الحقيقة والملك الأحدب

حارس البستان والكنز المخفي

1

المزيد

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد

EN