إنّ التّوحيد في التشريع من فروع التّوحيد في الربوبية ، فإذا كان الله سبحانه هو الربّ والمدبّر والمدير للكون والإنسان ، والمالك والصاحب فلا وجه لسيادة رأي أحد على أحد. لأن النّاس في مقابلة سبحانه سواسية كأسنان المشط فلا فضل لأحد على أحد من حيث هو هو.
وبعبارة أخرى: إنّ المشرّع والمقنّن لا ينفك تشريعه وتقنينه عن إيجاد الضيق على الفرد والمجتمع ، فينهى عن شيء تارة ويسوّغه أخرى ، ويعاقب على العصيان والمخالفة. ومن المعلوم أنّ هذا العمل يتوقف على ولاية المقنن على الفرد أو المجتمع ولا ولاية لأحد على أحد إلّا الله سبحانه. فلأجل ذلك لا مناص من القول بأنّ التقنين والتشريع الذي هو نوع تدبير لحياة الفرد والمجتمع مختص بالله سبحانه وليس لأحد ذلك الحق.
وعلى هذا الأساس لا يوجد في الإسلام أي سلطة تشريعية لا فردية ولا جماعية ولا مشرّع إلّا الله وحده، وأمّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشرعين بل هم متخصصون في معرفة تشريعه سبحانه ووظيفتهم الكشف عن الأحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.
وأمّا ما تعورف في القرن الأخير من إقامة مجالس النواب أو الأمة أو الشورى في البلاد الإسلامية ، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لإعطاء البرامج للمسئولين في الحكومات في ضوء القوانين الإلهية لتنفيذها. والتخطيط غير التقنين كما هو واضح.
وعلى ذلك فهناك مقنّن ومشرّع وهو الله سبحانه ، كما أنّ هناك مبيّن وكاشف عن القوانين وهو الفقيه ، وهناك جماعة الخبراء الواقفون على المصالح والمفاسد وشأنهم التخطيط والبرمجة في مجالات الزراعة والتنمية والاقتصاد والصناعة وغير ذلك ممّا لا تتم الحياة في هذه العصور إلّا به وهم نواب الأمة ووكلاؤهم في تلك المجالس.
ثم إنّ هناك آيات في الذكر الحكيم تدل بوضوح على اختصاص التشريع بالله سبحانه ، نذكر بعضا منها :
قال سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (1).
وقال سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2).
وقال سبحانه : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (3).
فهذه المقاطع الثلاثة تعرب عن انحصار حق التقنين بالله سبحانه وذلك لأنه يصف كل من حكم بغير ما أنزل الله تارة بالكفر وأخرى بالظلم وثالثة بالفسق ، فهم كافرون لأنهم يخالفون التشريع الإلهي بالرّد والإنكار والجحود ، وظالمون لأنهم يسلّمون حق التقنين الذي هو مختص بالله سبحانه إلى غيره ، وفاسقون لأنهم خرجوا بهذا الفعل عن طاعة الله تعالى.
وباختصار ، يعدّ الحكم صنفين : حكم الله تبارك وتعالى وحكم الجاهلية ويقول : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (4).
«فالحكم حكمان ، حكم الله وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ بحكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية» (5).
وعلى ضوء ذلك فالسلطات التشريعية السائدة في العالم ، إذا كان تشريعها مطابقا لتشريع الله سبحانه فهو حكم الله ، ولو أضيف إلى المجالس فقد سبقه التشريع الإلهي ولم يكن حاجة لتشريعه. وإن كان على خلافه فهو حكم الجاهلية حسب النصّ الشريف.
نعم هاهنا أسئلة حول اختصاص التشريع بالله سبحانه نترك الإجابة عنها إلى الأبحاث الفقهية.
ولكن نأتي بنكتة وهي أنّ حق التشريع على العباد من شئون الربوبية فمن أعطى زمام التشريع إلى غيره سبحانه فقد اتخذه ربّا ولو في بعض الشئون لا كلّها. ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه يرمي اليهود والنصارى بأنهم (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) (6) ولم يكن اتّخاذهم أربابا لأجل عبادتهم بل لأجل دفع حق التشريع إليهم.
روى الثعلبي في تفسيره عن علي بن حاتم قال : «أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي : يا علي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً) حتى فرغ منها فقلت له : إنّا لسنا نعبدهم فقال : أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه قال : فقلت : بلى. قال: فتلك عبادتهم».
وروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا : «أما والله ما صاموا ولا صلّوا ولكنهم أحلّوا لهم حراما وحرّموا عليهم حلالا ، فاتّبعوهم وعبدوهم من حيث لا يشعرون» (7).
____________
(1) سورة المائدة: الآية 44.
(2) سورة المائدة: الآية 45.
(3) سورة المائدة: الآية 47.
(4) سورة المائدة: الآية 50.
(5) من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 3.
(6) سورة التوبة: الآية 31.
(7) مجمع البيان، ج 3، ص 23. فاتخاذ الرّب وإعطاء زمام التشريع كان على وجه الحقيقة، وفي تسمية ذلك عبادة نوع تجوّز وتوسع كما سيوافيك في معنى العبادة.