قام قوم جالوت ـ الذين كانوا يسكنون ساحل بحر الروم ـ بأسر أعداد كبيرة من الأفراد بين مصر وفلسطين[1]. وقد دفع ذلك مشتردي بني إسرائيل إلى التفكير في طريقة للخروج من هذا الوضع، وكانوا يرون أن الحل يكمن في الدفاع عن أنفسهم. والدفاع من دون قائد للجيش ليس مجدياً، كما أنهم كانوا يعتقدون أن تعيين هذا القائد سوف لا يكون مؤثراً إن لم يكن بأمر من نبيهم.
وبعد طلب ملأ بني إسرائيل تعيين قائد للجيش كي يقاتلوا الظالمين وتأكيدهم على الثبات في القتال، قال لهم نبيهم: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) [البقرة: 247].
ولم يتسلم ذلك النبي مسؤولية قيادة الجهاد بنفسه؛ لأن الظروف الزمانية والمقتضيات المكانية ليستا واحدة على الدوام فوفقاً لمقتضيات الظروف يكون قائد الجيش أحياناً نفسه القائد العام للقوات المسلّحة، كما كان الحال مع النبي داود والنبي سليمان عليهما السلام حيث كانا يتحملان قيادة الجيش إضافة إلى قيادة المجتمع والقيادة العامة للقوات المسلحة، ومثل حروب الإمام علي عليه السلام في زمان خلافته حيث كان يشترك فيها بنفسه.
وفي أحيان أخرى يكون قائد الجيش شخصاً آخر غير القائد العام للقوات المسلّحة، مثل حرب مصر التي بعث الإمام علي عليه السلام إليها مالك الأشتر رضي الله عنه بعنوان الوالي وقائد الجيش، ولم يحضر هو فيها رغم كونه قائداً عاماً للقوات المسلحة.
وعلى أي حال، فجملة (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) [البقرة: 247] تتضمن ملاحظتين مهمتين وأساسيتين حول كيفية تعيين قائد الجيش:
1. إسناد (بعث) القائد إلى (الله)، فأمر الرسول هو أمر الله: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: 80] إلا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلجأ أحياناً إلى إسناد العمل مباشرة إلى الله تحسباً من مخالفة الأمة، ومن أجل إتقان العمل. وإسناد بعث الملك إلى الله ربما كان تنبيهاً على هفوة في كلام بني إسرائيل أيضاً؛ لأنّ أدب السؤال كان يقتضي منهم أن يطلبوا من نبيهم أن يطلب لهم من الله كي يبعث لهم قائداً، إلا إذا كانوا يظنون أن يد الله مغلولة، نتيجة لإنكارهم النسخ والبـداء وأمثال ذلك. وما قام به نبيهم والكلمات التي تفوه بها هو أنه ـ من خلال إبطال التفويض وإثبات مبسوطية يد الله. أسند تعيين قائد الجيش إلى الوحي والنبوة، وذلك كي لا يبقى مجال لطرح شبهة العلمانية وما شابهها من الأساس.
2. أن تعيين القائد من قبل الله هو في صالح الناس، واستخدام حرف (اللام) الدال على المنفعة في الآية السابقة وفي جملة (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) [البقرة: 247] يشير إلى أن القائد الإلهي يعمل بما فيه صلاح الناس وتأمين منافعهم. كما أن الحكومة الإلهية تعمل لمصلحة الناس لا على حسابهم، في حين يكون الحاكمون الذين يتولون قيادة الناس في الحكومات التي اصطلح على تسميتها بالديمقراطية حاكمين على الناس، وإن كانوا في الظاهر يمارسون السياسة باسم الحرية والديمقراطية، ولا فرق في هذه المسألة بين المسؤولين الكبار سواء التنفيذيين منهم أم العسكريين أم المشرعين أم القضاة.
وجدير بالذكر أنّ تكرار فعل (قال) في الآية الحاليـة مـع حرف العطف: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) [البقرة: 247] شير إلى تعدد الأقوال لا أن الثاني قد جاء بعد القول الأول.
[1] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 291