عُرف الخنزير في مصر منذ العصر الحجري الحديث؛ إذ كان هدفًا للصيد آنذاك، كما أنه كان أول الحيوانات التي تم رعيها، وثبَت استئناسها منذ مرحلةٍ مبكرة تُقدَّر بحوالي 3500ق.م.، وقد انحدر من فصيلة الخنزير البري الذي كان يسكن الدلتا وأراضي المستنقعات وأحراش الفيوم، وبالفعل عُثر على بقاياه العظمية بكثرة في مرمدة بني سلامة، والفيوم، والمعادي (1).
وكثيرًا ما عُثر على أجزاءٍ عظمية من الخنزير في المقابر المصرية؛ إذ كان للخنزير أهميته الجنائزية منذ العصر الحجري الحديث (2)، ففي مرمدة بني سلامة عُثر على ناب خنزير بري في إحدى الدفنات الآدمية (3). ⋆ ربما كان له دورٌ طقسي أو سحري معيَّن.
وبوجه عام … يُعَد الخنزير من الحيوانات التي وُجِدت لها دفنات قليلة؛ ففي هليوبوليس عُثر على دفنةٍ حيوانية لخنزير ضمن ثلاث من الدفنات الحيوانية الأخرى «غزال – كلب – خنزير»، جاءت الدفنات الثلاث على غِرار الدفنات البشرية بالجبَّانة (4). بينما في وادي دجلة عُثر على دفناتٍ منفصلة لخنازير كان لها ارتباطاتها الجنائزية بالموقع؛ ففي المقبرة رقم WD53 عُثر على دفنة لخنزير بري حديث الولادة، أُلحِق بدفنة آدمية لرجل، هذا بخلاف دفنة حيوانية أخرى عُثر عليها في الجزء الغربي من الجبَّانة، التي ربما كانت لخنزير (5).
وطبقًا لأعمال الكشف الأثري التي تمَّت عام 1964م في المنطقة المحيطة بحلوان، ثبَت وجود العديد من دفنات الخنازير، جاءت مدفونة بأعداد كبيرة في جبَّانات خاصة بها.
ومن المعروف أنَّ الخنزير كان مقدَّسًا «كإله للشر» في المواقع المحيطة بحلوان، التي تُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى، وإن كنا لم نعثر على دليل يؤكِّد ذلك التفسير، وما إذا كان ينطبق بالفعل على طبيعة تلك الدفنات، أم لا … فمن غير الواضح بعدُ ما إذا كان الغرض من تلك الدفنات هو غرضًا دينيًّا متعلقًا بهذا الحيوان لدى أهل حلوان، أم إنه كان هناك غرضٌ آخر لم يتحدَّد بعدُ (6).
ولم يتوقَّف العثور على دفنات الخنزير في شمال مصر، إنما عُثر على دفناتٍ له أيضًا في الجنوب، وكانت بنفس الندرة؛ ففي العضايمة عُثر على دفنةٍ لخنزير، وذلك بحفرة بالطبقة الأصلية — الأولى — على بُعد قليل من الموقع السكني، ولربما يشير العثور على تلك الدفنة إلى ارتباطاتٍ دينية للخنزير في هذا الموقع (7)، ولربما كان حيوانًا نجسًا في ذهن المصري القديم، لصلته بإله الشر «ست» الذي تقمص في هيئة خنزير بري أسود مخيف، وأصاب الإلهَ حورس في عينه وأصبح مجرمًا في حق الآلهة وفي حق حورس (8)، ويُرجَّح Hecker أن تكون أقدمُ دفنات الخنازير قد جاءت في جبَّانة العمرة (جنوب شرق أبيدوس)؛ إذ عُثر في إحدى مقابر هذا الموقع على تمثال صغير لخنزير مع أربعة تماثيل صغيرة لأبقار (9).
ويؤكِّد Newberry على ارتباط الخنزير بالإله ست، باعتباره رمزًا حيوانيًّا لهذا الإله الذي اختلفت حوله الآراء باعتباره من الهيئات الإلهية أو المخلوقات ذات الدلالات المتعدِّدة (10).
................................................
(1) Huzayyin, S., The place of Egypt, Cairo, 1941, pp. 319, 328; Helck, W., “Schwein” in: LÄ, vol. 5, cols. 763–764; Houlihan, P. F., Op. Cit., p. 26; Gautier, A., “Animal remains from archaeological sites of terminal Paleolithic to old kingdom age in the Fayum” in: Wendorf, F., Prehistory of the Nile valley, London, 1976, p. 380; Darby, W., Op. Cit., p. 172; Drewer, D., Op. Cit., p. 441; Osborn, D. J., and Helmy, I., 1980, p. 477.
(2) Eiwanger, J., Merimde Beni salâme III, Mainz, 1992, pp. 81 -82.
(3) ⋆ كان الناب يعلو صدر المتوفَّى، وربما دلَّ ذلك على الدور الذي كان لهذا الحيوان في معتقَدات أهل مرمدة بني سلامه، وقد فسَّر بعض الباحثين وجودَ مثل هذا الناب على أنه نوع من التمائم ذات الارتباط السحري كنوع من التعاويذ؛ إذ كان يتم تعليقه لجلب الخير لحامله أو درء الشر عنه، أو أنَّ له قوة في ردِّ الأرواح الشريرة عن الشخص: رشيد الناضوري، «جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا»، الكتاب الثالث — المدخل في التطور للفكر الديني، بيروت 1969م، ص31.
(4) Behrens, H., Op. Cit., p. 76.
(5) Amer, M., and Rizkana, I., “Excavations in Wadi Digla” in: B. F. A, vol. 15 part 1, 1953, p. 99.
(6) Moustafa, Y. Shawki, “The domesticated animals of SckemKhet step-pyramid” in: ASAE, 58, 1964, pp. 255–265.
(7) Moustafa, Y. Shawki, “The domesticated animals of SckemKhet step” in: ASAE, 58, 1964, pp. 255–265.
«عن الخنزير عقائديًّا: فلقد ذكر Frazer أنَّ الخنزير كان من الحيوانات المقدَّسة لدى المصري القديم، بينما ناقضه هيرودوت؛ إذ ذكر أنه حيوان يُدنِّس مَن يلمسه، ومن ثَم كان تحريم لحم الخنزير، إلا أنه كانت توجد ظروف خاصة يُقدَّم فيها هذا الحيوان النجس قربانًا، ومن المحتمَل أنَّ المصريين القدماء اعتبروه حيوانًا نجسًا لصلته بإله الشر ست؛ الذي تقمَّص في هيئة خنزير بري أسود مخيف وأصاب الإله «حورس» في عينه»: Newberry, P. E., “The pig the cult-animal of set” in: J E A, 14, 1928, pp. 213-214; Drewer, D., Op. Cit., p. 440؛ وليم نظير، «العادات المصرية بين الأمس واليوم»، ص37–38.
(8) Midant-reynes, B., and Buchez, N., “The predynastic site of Adaima: settlement and cemetery” in: Spencer, J., 1996, p. 95; Bergmann, J., “Isis ouf der Saw” in: the gustavian collection in Uppsala, 1974, pp. 81–190; Anati, E., The question of fertility cults, Amsterdam, 1988, pp. 77-78.
(9) Krzyzaniak, L., Early farming cultures on the lower Nile: Ehe predynastic period in Egypt, Varsovie, 1977, p. 122.
(10) McDonald, A., Op. Cit., pp. 777-78; سوزان عباس عبد اللطيف، «الخنازير في مصر الفرعونية»، إصدارات مجلد كلية الآداب، المجلد السابع والأربعون، 1999م، ص 22، 52.