كانت أرض مصر هي المقرَّ الأصليَّ للقطط felis Libica، ولقد عُرف في مصر نوعان من القطط؛ نوعٌ من السلالة الأليفة قريبة الشبه من القطط الحالية، ونوعٌ من السلالة المتوحشة التي كان منها قطُّ المستنقعات الذي يتميز بكبر حجمه (1).
ولقد عُثر على بقايا عظمية للقطط منذ العصر الحجري الحديث في كلٍّ من مرمدة بني سلامة بالدلتا، ومنطقة النبتة بالصحراء الغربية، وكذلك بواحة الداخلة، فكان لها انتشارها في مصر، بل وثبَت استئناسها أيضًا منذ عصورِ ما قبل التاريخ، واعتُبِرت القطط من الحيوانات المقدَّسة في مصر القديمة؛ إذ عُثر لها على العديد من الدفنات (2).
وأمَّا دفنات القطط التي عُثر عليها، والتي يُؤرَّخ أقدمها بعصرِ ما قبل الأسرات، فكانت قد جاءت في المستجدة؛ إذ عُثر في جبَّانة المستجدة على دفنةٍ لقطٍّ، جاء هيكله العظمي كاملًا، ولم يوضَّح بعدُ ما إذا كان قد احتُفظ باتجاه معيَّن في الدفن أم لا، وكذلك لم يوضَّح بعدُ ما إذا كان قد زُوِّد بأيٍّ من المتاع الجنائزي أم لا. هذا، وتُؤرَّخ هذه الدفنة بحوالي 4000ق.م.، وفي نفس الجبَّانة عُثر على دفنةٍ أخرى ولكنها لم تكن فقط لقطٍّ، وإنما كانت دفنة حيوانية مزدوجة لقطٍّ وغزال، كان قد عُثر عليهما عند قدمي المتوفَّى، ولربما كانت تلك الدفنة تعبِّر عن كونها دفنةً خاصة بحيوانات مفضلة لدى أصحابها، ولذا جاءت بنفس الدفنة الآدمية (3).
وفي البداري، عُثر على دفناتٍ لكثير من القطط الصغيرة، التي كانت قد أُلحِقت بمقابرَ آدمية، تُؤرَّخ بعصرِ ما قبل الأسرات (4).
وفي أبيدوس، عُثر على هيكل عظمي كامل لقطٍّ، لا ندري إن كان بريًّا أم مستأنسًا، وذلك في دفنةٍ تُؤرَّخ بالألف الثالث ق.م.، بينما عُثر على فكِّ قطٍّ آخرَ في دفنة أخرى بالجبَّانة تُؤرَّخ بعصرِ ما قبل الأسرات (5).
وفي هيراكونبوليس، عُثر في الجبَّانة HK6 على دفنةٍ لقطٍّ صغير، وذلك في المقبرة رقم 12، جاء هيكله العظمي كاملًا، ويُرجَّح أن يكون هذا القط من أصولٍ مستأنسة، الشكل رقم 7-68 - 7-69.
وكان لوجود هذا القطِّ في تلك الدفنة أهميته الكبرى، لكونه دليلًا مؤكَّدًا على معرفة استئناس القطط في مصر القديمة (6). ولا شكَّ أنَّ إمكانية استئناس القط في ذلك التوقيت، يتوقَّف على مدى سهولة التمكُّن من السيطرة عليه، وعلى مدى الارتباط به (7).

شكل 1: دفنة لقط بالمقبرة رقم 12 بجبَّانة هيراكونبوليس. http://www.archaeology

شكل 2: عظام القط الذي عُثر عليه بالمقبرة رقم 12 بجبَّانة هيراكونبوليس. http://www.archaeology
الغرض من دفنات القطط
لقد وضَح الدور العقائدي للقطِّ أشدَّ الوضوح في العصور التاريخية القديمة؛ إذ عُثر في سقارة على مئاتٍ من مومياوات القطط في سراديبَ شاسعة، كانت قد قُدِّمت كنذورٍ للإله من قِبل الحجاج القادمين إلى حرم المعابد المقدَّسة بشمال سقارة (8). بينما عُثر على الآلاف من التماثيل النذرية — البرونزية والخشبية — وعلى الكثير من البقايا العظمية والمومياوات الخاصة بالقطط، وذلك في الجبَّانة التي عُثر عليها في تل بسطة، والتي جاءت على بُعد حوالي 500م شمال معبد الإلهة باستت، وبالكشف عن هذه المومياوات وجد أنها ترجع إلى عصورٍ مختلفة كان أقدمها يرجع إلى العصر المبكر (9).
....................................................
(1) Malek, J., The cat in ancient Egypt, Oxford, 1993, p. 22.
(2) Reed, C. A., “Wild animals ain’t so wild, domesticating them not so difficult” in: Expedition, vol., 28, 1986, p. 15; Osborn, D. J., Op. Cit., pp. 106-107; Störk, L., “Katze” in: L., vol. 3, col. 367 ff.
(3) Malek, J., Op. Cit., p. 45.
(4) Houlihan, P. F., Op. Cit., p. 81.
(5) Malek, J., Op. Cit., p. 45; Houlihan, P., Op. Cit., p. 81.
(6) Linseele, V., Excavating Hierakonpolis: Weird Animals, 2003; Van Neer and Linseele, V., new analyses of old Bones, pp. 7-8.
(7) Reed, C. A., “The beginnings of animal domestication” in: Cole, H. H., and Garrett, W. N., Animal agriculture: the Biology, husbandry and use of domestic animals, San-Francisco, 1980, p. 16; O’Connor, T. P., “Working at relationships: another look at animal domestication” in: Antiquity, vol. 71, 1997, p. 152.
(8) روجيه ليشتبرج، «المومياوات المصرية من الأسطورة إلى الأشعة السينية»، ج2، القاهرة، ص90-91.
(9) Habachi, L., Tell Basta, Cairo, 1957, p. 33 ff; Sawi, A., “Some objects found at Tell Basta (season 1966-67)” in ASAE, vol. 63, 1979, p. 155.