قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1 - 3].
كان النبي (صلى الله عليه وآله) يرفع بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه، ونظر إلى مصلاه، والخشوع في الصلاة هو الخضوع بجمع الهمة لها، والاعراض عما سواها، لتدبر ما يجري فيها من التكبير، والتسبيح، والتحميد لله، وتلاوة القرآن، وهو موقف الخاضع لربه الطالب لمرضاته بطاعاته، ثم زاد في صفاتهم فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]، واللغو هو القول والفعل الذي لا فائدة فيه يعتد بها، وهو قبيح على هذا الوجه (1).
في كل المجتمعات نرى أو نسمع عن أشخاص أنهم ثرثارون، فالثرثرة بمعنى ثرْثَرَ في الشيء: أكثر منه في تخليط، يقال: ثرثر في الأكل وفي الكلام، فهو ثرثار، وثَرْثَرَ الشيءَ: بدَّده وفرقه، والثرثار: الذي يكثر الكلام في تكلف وخروج عن الحد (2) بمعنى أنه لا يهتم لنوعية الكلام فهو أو هي لا ينضبطان بأي ضوابط، فيكون مستعدا لإخراج الكلام، وطرح ما في جعبته من الأحاديث أو القصص في أي زمان ومكان، دون مراعاة لآداب الحديث، أو اكتراث المشاعر المحيط به، فهو لا يكتم الأسرار، لسانه أحيانا يقتل بلا سلاح، قد يوصل نفسه أو غيره للهلاك بسبب ثرثرته الزائدة.
لقد شهدت عليك الحمامة
حدث أن أحد الأمراء كان جالساً مع حاشيته وكان بينهم تاجر عمل في الماضي لصاً، فقد كان يسرق الناس في الطرقات، لكن عاد الى رشده وذهب إلى الأمير في هذا المجلس وطلب أن يسامحه على أفعاله الشريرة مع الناس.
سمع الأمير رجاءه فَرَق قلبه له وقال: ليت اللصوص عائدون الى رشدهم مثلك، لقد عفوت عنك فلا تعد لهذا فَرِحَ اللص، فهو بهذا العفو يحول اللص إلى تائب، وكان الرجل التاجر التائب ثرثارة كثير الكلام فجعل يتحدث في كلّ شيء ولا يعطي فرصة الحديث لأحد في مجلس الأمير، حتى قال أحد الوزراء: كأن الكلام طعام يلتهمه، ليت الأمير سكت لسانه، أو لعل الكلام يقف في حلقه.
فكر الوزير لينهي هذه الثرثرة، فمضى إلى المطبخ وقال لرئيس الطباخين، سأذهب أمامك إلى مجلس الأمير، وما إن أجلس إلى جوار التاجر حتى تدخل علينا فتعلن أن الطعام أصبح جاهزا، فقال الطباخ: السمع والطاعة أيها الوزير.
دخل الوزير وقد بدا الضجر والملل على وجوه الجميع، إلا الأمير فكان هادئا باسماً يستمع للرجل باهتمام حتى لا يشعره بأن هناك ضيقا من حديثه؛ لأن الرجل لم يعتد على مجلس الأمراء ولا أدب الحديث في مجلسهم، ولم يتعلم على يد أحد من الرجال فن الحديث في مجلس الأمراء، كيف يكون مختصراً بليغاً، وبصوت هادئ فلا يعلو صوته محدثا ضجيجا ولا يخفض فيصبح همسة، وبينما كان الرجل منهمكا في حديثه أطل الطباخ ونادى بصوت عال سيدي الأمير، الطعام جاهز تفضلوا.
عندئذ توقف الرجل عن الحديث، وفي أثناء تناول الطعام دخل الطباخون وهم يحملون أواني عليها حمام مشوية فوضعوا طبقا أمام الرجل، وما إن وضعوه أمامه حتى قهقه ضاحكاً بصوت عال، فتعجب الأمير وسأله عن سبب ضحكته فقال: ذكرتني هذه الحمامة المشوية أيها الأمير بشيء أضحكني فقال الأمير: وما ذلك الشيء؟
قال الرجل: لما كنت قاطع طريق، شاهدت رجلا وحيدا في الجبال، فدنوت منه وسلبته جميع ما يملكه. وتركته ينصرف، فركض هاربا وقد خفت أن يلتقي هذا الرجل بأحد في الطريق فيستنجد به علي، فتبعته ثم شهرت سيفي لأقتله فقال شاكيا: يا هذا... أي شي، بيني وبينك؟ ماذا فعلت لك لتقتلني لقد سلبتني جميع ما أملك فليتك تدعني حيا، فقال الأمير: إنها قصة جميلة أخبرنا بما حدث بعد ذلك، قال الرجل: لم اهتم لكلام ذلك الرجل وشهرت سيفي من جديد لأقتله فتلفت حوله فرأى حمامة في مكان قريب فصاح بها قائلاً: اشهدي لي يا حمامة عند الله أني أقتل مظلوماً، ثم ضحك عالياً وقال: ذكرتني هذه الحمامة، فغضب الأمير وقال له والله لقد شهدت عليك الحمامة وأنا سامحتك على السرقة والسلب أما القتل فلا، وأمر حراسه فقتلوه وكان لسانه قاتلاً له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ التبيان في تفسير القرآن، للشيخ الطوسي: ج 7، ص 348.
2ـ المعجم الوسيط، مادة ثرثر.