المجالات المثمرة للصحافة الاستقصائية:
لا بد لحملة الأحجار ألا تكسر ظهورهم، وهذا لا يعني الولوج إلى مواضيع بسيطة – لا تسبب وجعاً للرأس - بقدر ما تعني أن يدخل الصحفي الاستقصائي ضمن ما يستطيع تنفيذه، وفي حال واجه "حوتاً" ضخماً لا بد أن يصيده، فالصحافة الاستقصائية من هذا المنظور تدخل جميع مجالات الحياة سواء ذات الوقع والجلل أم المتداخلة في تفاصيل المجتمع، والناشرة بقع الزيت على قميصه، صغيرة لكنها تكبر مع الوقت، ومن هنا لا تنحصر الصحافة الاستقصائية في محور أو محاور الأداء الحكومي فقط بل تمتد إلى ما يهم الجمهور من قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وصحية وبيئية وتعليمية وخدمية، إلى جانب قضايا حماية المستهلك، وتجارة المخدرات والدعارة، ومهربي الأدوية الفاسدة، وقضايا الجرائم الغامضة، وجرائم غسيل الأموال، وغسيل السمعة لرجال الأعمال المنحرفين إلخ.
إن المجال المثمر في غمار الصحافة الاستقصائية ينطلق من التفكير بعناية حول النتيجة التي سيرسو على برها، وهو ما يحدد هل تستحق القصة الجهد المبذول والوقت المطلوب، فقصة التقصي تبدأ برائحة تفوح من مكان ما، أو حدس يشير إلى موضوع يشكل بذرة لقصة لا بد أن ينتهي به الأمر في عالم الصحافة إلى صدر فترات البث أو النشر على الصفحات الأولى عبر عنوان رئيسي مثير ومذهل إذا ما غاب فالتحقيق على الأرجح مضيعة للوقت، ومن هنا يوجه "مارك هنتر" إلى مجال الاستقصاء الجيد سؤالين مهمين رئيسيين حول اختياره هما:
أولاً: هل تستحق قصة التحقيق العناء؟
إن معرفة مدى استحقاق القصة كل هذا العناء يتطلب الإجابة عن الأسئلة التالية حين تكون في مرحلة تقييم أهمية القصة:
1. عدد الناس الذين سيتأثرون؟ ويسمى ذلك حجم الوحش The size of the beast"
2. ما مدى قوة تأثرهم؟ وهنا تعد النوعية بأهمية الكمية ذاتها، فإن مات شخص واحد، أو تحطمت حياته أو حياتها تكون القصة مهمة.
3. إن تأثروا إيجابياً، هل يمكن تكرار السبب "الفعل" في مكان آخر؟.
4. هل هؤلاء الناس ضحايا؟ هل يمكن تجنب معاناتهم؟ هل يمكننا أن نبين كيف؟
5. هل هناك مذنبون يجب أن يعاقبوا؟ أو على أقل تقدير أن يدانوا؟
6. هل من المهم في أي حدث قول ما حصل حتى يتكرر أو لا يتكرر مرة أخرى؟
ثانياً: ما العائد من الاستثمار في مثل هذا التحقيق؟
ثمة قصص لا تنتهي، ولتكون موضوع التحقيق فإن المحك هو مدى أهميتها للجمهور، وإمكانية التحقيق فيها، والوقت اللازم لإنجازها، إلى جانب ما العائد من التحقيق، وحجم إفادة الضحايا منه.
وليس بعيداً عن هذا المجال وضعت الصحفية "ديبرا نيلسون" الحائزة على جائزة بولتزر "خريطة التعرف على مدى استحقاق الاستقصاء للنشر" وفق عوامل الأهمية المشابهة (للقيم الخبرية)، فكلما زاد عدد المهتمين بالخبر زادت قيمته صحيح أن التحقيق يمكن أن يظل مهماً حتى لو كان المتضرر شخصاً واحداً، لكن تبقى أهميته تزداد طرداً مع عدد المعنيين بالضرر أو المعاناة، إضافة إلى القيم الإنسانية التي تزيد أهميتها مع زيادة مأساة الضحايا، وكذلك كما الأسماء تصنع الأخبار فإن حجم الاسم أو المؤسسة التي وراء الضرر تلعب دوراً مهماً في قيمة التحقيق ومعرفة (حجم الثمرة) مع الشخصنة التي تُدعى في مجال التحقيق. - كما حددته "نيلسون" وفق الشكل التالي:
حدد نيلسون أهمية موضوع الاستقصاء وفق الشكل التالي:

A. المجال المغري جداً لأصحاب الهوس وأهل المخاطرة.
B. المجال الأهم الواجب التركيز عليه.
C. هي ليست مجال براق للتحقيقات لكنها قد تبدو كذلك للأخبار.
D. الذكاء ألا يدخل الصحفي هذا المجال، ويرفضه قطعاً.